MGPAP_Top

الحكومة متأخرة في إخراج القوانين التنظيمية المتعلقة بالثقافة المغربية واللغتين الرسميتين

الحكومة متأخرة في إخراج القوانين التنظيمية المتعلقة بالثقافة المغربية واللغتين الرسميتين

عادت، أخيرا، مسألة تأخر الحكومة الحالية في إخراج القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وهو مطلب لطالما دعت إليه مختلف الحساسيات السياسية والثقافية المدافعة عن تنوع الهوية الثقافية المغربية. علما أن الفصل 86 من دستور 2011 يجبر الحكومة الحالية على إخراج كل القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل الدستور قبل نهاية ولايتها، ومن القوانين التي مايزال تأخر الحكومة في إخراجها أمرا مثيرا للجدل، نجد «قانون تنظيمي يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في التعليم، وفي مجالات الحياة العامة، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية»، بحسب ما جاء في الفصل الخامس من الدستور ذاته.
التأخير على هذا المستوى لا يقتصر على مسألة الترسيم، بل يشمل التأخر أيضا مجلسا وطنيا للغات والثقافة المغربية، مهمته، على وجه الخصوص، حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، تراثا أصيلا وإبداعا معاصرا، ويضم كل المؤسسات المعنية بهذه المجالات، ويحدد قانون تنظيمي صلاحياته وتركيبَته وكيفيات سيره.
الحكومة والأمازيغية.. استمرارية دستور 1996
فيما أعلن المغرب منذ سنة 2003 عن تدريس الأمازيغية في التعليم الأساسي، وأنشأت الحكومة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كي يساهم في إرساء السياسات العامة الخاصة بالأمازيغية، فإن مراقبين وناشطين يسجلون قُصورًا في نشر الثقافة الأمازيغية، سواء كانت أدبًا أم فنونًا. تماما كما يسجلون قصورا كبيرا في تعاطي الدولة مع مطلب ترسيخ البعد المتعدد للثقافة المغربية.
فإذا كانت مذكرة تدريس بعض المواد العلمية باللغة الفرنسية، والجدل الكبير الذي خلقته، قد بينت بالملموس، أن التعددية اللغوية بالمغرب ليست أمرا بديهيا، بل أثبتت أن كل الحساسيات الثقافية تعترف بالتعددية من الناحية الشكلية فقط، لكنها في الواقع تعمل بكل الوسائل لفرض ثقافتها الخاصة. وهنا يصبح غريبا جدا أن نجد الجميع يتحدث عن وجود تهميش يطول ثقافته، ويكاد يكون هذا الشعور بالتآمر شعورا عاما. وفي ما يتعلق بالأمازيعية، فإن مختلف الفاعلين في مجال الحقوق اللغوية والثقافية يتقاسمون معاينة مفادها البطء المسجل في مسار إنتاج القانونين التنظيميين المتعلقين بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية. علما أن هذا البطء لا يؤثر سلبا فقط في مسار إعمال مقتضيات للدستور، بل ينعكس أيضا على عدد من القوانين ذات الصلة الوثيقة بضمان الحقوق الثقافية، من قبيل المسطرتين المدنية والجنائية، وبالتالي فتبني القانون التنظيمي للأمازيغية سيؤدي حتما إلى تعديل مجموعة من القوانين لملاءمتها مع مقتضياته. لذلك يمكن القول إن واقع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لم يستفد إطلاقا من مستجدات دستور 2011، وبالتالي فماتزال الرؤية المتحفظة المعبر عنها في دستور 1996 هي المهيمنة.
أما بالنسبة لرئيس الحكومة، ففي ما يتعلق بمجلس اللغات، فإن «الحكومة انتهت بالقيام بالإجراءات الأولى وتنتظر رأي الديوان الملكي، أما القانون التنظيمي للغة الأمازيغية فقد اعتبر رئيس الحكومة أن الأمر حساس ويجب أن يتم الإجماع عليه، فيما ذكر أن الحكومة عاكفة على الانتهاء والبت فيها قبل نهاية عمر الحكومة وهي المدة التي اعتبرها بنكيران كافية لذلك «.. لكن بالنسبة لنشطاء الحركة الأمازيغية بمختلف مكوناتها، فإن الحكومة بكل مكوناتها الحزبية، غير المتجانسة مرجعية وأهدافا، خذلت الحركة الأمازيغية ولم تعمل على التفاعل الإيجابي مع بعض المبادرات الجدية التي قادتها «أزطا أمازيغ»، بخصوص تفعيل الفصل الخامس من الدستور، من قبيل مقترح/مشروع القانون التنظيمي الخاص بآليات إعمال الطابع الرسمي للأمازيغية، والمذكرة الخاصة بإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، والمذكرة الخاصة بإدماج الأمازيغية في الجماعات الترابية، وغيرها.. كلها كانت مبادرات قوية وذات قيمة علمية نظرا للمنهجية التي أعدت بها وحجم ونوعية الفاعلين والخبراء المشاركين (ات) والمساهمين في مختلف الأوراش واللقاءات، والمنتديات التي نظمت لهذه الغاية. غير أن الحكومة الحالية كانت «عائقا حقيقيا أمام تقدم المغرب»، وحاجزا أمام تفعيل وترصيد مكتسبات الحركات الاحتجاجية ما بعد 20 فبراير، وعلى رأسها تفعيل دستور 2011.. حيث أفشلت تفعيل مقتضيات الدستور، وأخلفت الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها ليس فقط تجاه الأمازيغية، ولكن في كل المستويات؛ حيث عطلت إصدار كل القوانين التنظيمية، وصادرت حق المجتمع المدني في المشاركة في الأوراش التشريعية وفي بلورة السياسات العمومية، وهادنت الفساد والمفسدين، ناهيك عن سياستها الاقتصادية والاجتماعية التي أجهزت على القدرة الشرائية للمواطن المغربي.
وحسب هؤلاء دائما، فإن الحكومة تنكرت بكل بساطة لمطالب المواطنين وفشلت في استثمار مكتسبات الربيع الديمقراطي  وما بعد 20 فبراير. الحكومة المغربية لا تزال تتعامل مع الأمازيغية بدستور 1996 ولم تستوعب مرحلة ما بعد «حركة 20 فبراير»، مؤكدين أنها تتعامل مع الأمازيغ بنهج وزير الداخلية السابق إدريس البصري الذي منع الأسماء الأمازيغية وفرض أسماء عربية على الأمازيغ.
الجهوية المتقدمة والأمازيغية
انطلقت سنة 2015 المسيرة الرسمية لتفعيل الجهوية المتقدمة عبر تبني حزمة إجراءات، سواء على مستوى تبني التقسيم الترابي الجديد، والذي اختصر جهات المملكة من 16 إلى 12. أو على مستوى انتخاب رؤساء الجهات بطريقة مباشرة، لأول مرة في تاريخ المغرب. وإذا كان هدف هذا المشروع في المقام الأول هو إشراك المواطنين في تدبير شؤونهم بطريقة أوسع، فإن عدم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية يجعل المشروع ناقصا. والجهوية المتقدمة التي حدد معالمها الفصل 140 من الدستور الجديد، تمثل مشروعا استراتيجيا مؤسساتيا وديمقراطيا ونمطا جديدا للحكامة الترابية، يتوخى منه التسريع من وتيرة إقرار الحكم الذاتي بالصحراء. ولإنجاح هذا المشروع اتخذت الدولة عددا من الإجراءات.. لذلك فقد سجل نشطاء الحركة الأمازيغية عدة ملاحظات بخصوص قانون الجهات. وبحسب هذا القانون، تناط بالجهة داخل ترابها مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وكذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها بالخصوص. وهذا يستدعي، حسب هؤلاء، إشراك الأمازيغ في العملية السياسية «نظرا لكون أصحاب الأرض، كان لهم الفضل في تبني مرجعية أمازيغية منذ قرون غابرة تتأسس على الأعراف الجهوية بالمفهوم الكونفدرالي، في إطار دولة القبائل، ونظرا لكون اختصاصات الجهة تركز على تحسين جاذبية المجال الترابي للجهة وتقوية تنافسيته الاقتصادية- تحقيق الاستعمال الأمثل للموارد الطبيعية وتثمينها والحفاظ عليها- اعتماد التدابير والإجراءات المشجعة للمقاولة ومحيطها والعمل على تيسير توطين الأنشطة المنتجة للثروة والشغل- الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة – العمل على تحسين القدرات التدبيرية للموارد البشرية وتكوينها». لكن السؤال الذي يطرحه هؤلاء هو: كيف سيتم تدبير هذا المجال بغياب العمل السياسي الأمازيغي؟
الأكيد أن مسار الجهوية المتقدمة قد بدأ، ولا يمكن أن ينجح بدون اجتهادات تستوعب التعددية الثقافية لمختلف الجهات. فإذا كان المركز مترددا في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فهل يمكن للجهات أن تنتج نماذجها على هذا المستوى؟ فالأكيد- حسب عدد من الباحثين- أنه لا يمكن تمثل مشروع الجهوية الموسعة في علاقته بالتعدد اللغوي والتنوع الثقافي إلا من خلال منظومة التفاعل والتداخل والتمازج اللغوي والثقافي والإنساني. فليست هناك جهة موحدة خالصة (homogène) كل الجهات تعترف بتداخل العناصر المكونة للهوية المغربية. إلا أنه من خلال نهج مبدأ الترابية، يمكن أن تشكل بعض الجهات نموذجا لجهات ذات حدود هوياتية لغوية وثقافية، أي أن للجهة شخصيتها التي تميزها عن باقي الجهات الأخرى في إطار نموذج جهوي يجعل من الخصوصية الثقافية واللغوية رافعة للاندماج الوطني.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة