الحلوطي يا رفيق

الحلوطي يا رفيق

أخيرا ترك يتيم مقعده على رأس الذراع النقابية للعدالة والتنمية للحلوطي، الذي أصبح أمينا عاما لنقابة الحزب الحاكم.
والذين يعرفون الحلوطي، يفهمون جيدا خلفيات هذا الانتخاب الذي له طعم التعيين. فهذا الأستاذ «الخجول»، الذي كان يدرس التربية الإسلامية في إحدى ثانويات القنيطرة، وجد نفسه على رأس النقابة التعليمية للحزب لكون القرار تم اتخاذه في الجلسات المغلقة لحركته الدعوية، التوحيد والإصلاح. وها هو الجناح الدعوي ذاته يختاره على رأس النقابة «الأم». وهذا ليس رميا بالغيب، بل إن تفسيره جاء حرفيا على لسان بنكيران في الكلمة التي ألقاها في مؤتمر النقابة، عندما قال: «هذا العمل الذي وصل إلى هذا المكان المشرف نشأ من الحركة الإسلامية، وانطلق تدريجيا سواء في مجاله السياسي أو النقابي»، بمعنى أن زعيم «الباجدة» يعترف بكون الحزب والنقابة مجرد امتداد للحركة الأم.
ومع ذلك لم يخجل وهو يؤكد على استقلالية هذه النقابة. ومن يتتبع مختلف المواقف التي أصدرتها هذه النقابة منذ تولي الحزب للحكومة، ويقارنها بمواقفها قبل هذه المرحلة، سيستنتج بسهولة مضمون التضليل الذي يمارسه قادة العدالة والتنمية وهم يقولون باستقلالية النقابة.
طبعا هذا التغيير في الأشخاص قدمته الكتائب الإعلامية للحزب على أنه «درس في الديموقراطية»، فقط لكون جامع المعتصم شارك في المسرحية كـ«أرنب سباق»، لكن الكتائب ذاتها لم تحدد المعنى الذي تعطيه للديموقراطية، وإلا ماذا نسمي طرد أحد المؤسسين الأوائل لهذه النقابة في الدار البيضاء، قبل أيام، فقط لأنه انتقد «مقدسي» الحزب أمثال الرميد ويتيم.
وماذا نسمي طرد عشرات المنتسبين للنقابة لمجرد انتقادهم لتواطؤ النقابة مع الحكومة في ما تحيكه ضد الموظفين.
ولكي نفهم جيدا حقيقة ما وقع باختيار حركة التوحيد والإصلاح للحلوطي أمينا عاما للنقابة، تجب العودة للانتخابات المهنية السابقة. فالذين اختاروا الحلوطي، ذا الشخصية الضعيفة تواصليا والبسيطة فكريا، هم أنفسهم الذين اختاروا حامل معطف بنكيران رئيسا لحركة التوحيد والإصلاح، وهو كما نعلم شخصية من نفس العيار.
فالحلوطي، في الانتخابات الأخيرة، لم يفز بعضوية اللجان الثنائية إلا بشق الأنفس، وأشياء أخرى الله يعلمها. وهو بهذا حالة تستحق أن تكون درسا في الفشل الذي يقود إلى النجاح، أي إلى مقعد في البرلمان للمرة الثانية، وتحمل مسؤولية نائب لرئيس مجلس المستشارين، بالرغم من حصوله على مقعدين يتيمين، في الجهة التي ينتمي إليها، حيث احتلت هذه الجهة ذيل قائمة الجهات في النتائج المحصل عليها من طرف هذه النقابة التي تدلل منخرطيها.
وما علينا إلا أن نحصي عدد القرارات الإدارية التي تستخرجها هذه النقابة يوميا من مديرية الموارد البشرية لوزارة التعليم قصد التودد للناخبين والناخبات سواء برغبتهم، أو من دون ذلك.
وهو ما جر مرارا على الوزارة دعاوى في المحاكم حول تسليم الوثائق الشخصية. وبالطبع يتم ذلك في مديرية يجد فيها إخوان وأخوات يتيم والحلوطي الدعم الكامل، خصوصا من طرف مديرها الذي وقع مؤخرا لسواد عيون هذه النقابة على تعيين لحارس عام، وليس حارسة عامة، للعمل في داخلية للإناث بثانوية بالقنيطرة، دون أن يفتح على الأقل المنصب للتباري أو يصدر في الأمر مذكرة لتنظيم الأمر، خصوصا وأن الأمر يتعلق بخريج للإدارة التربوية.
أما ما يتعلق بالتفرغات والإلحاق والوضع رهن الإشارة فلا يسعنا إلا ذكر احتجاجات نقابات كثيرة على السخاء الذي تتعامل به وزارات مع هذه النقابة، التي لا يؤمن غالبية المنتسبين إليها إلا بالكسب الشخصي، كما حصل مؤخرا من اتصالات ومواظبة على الاجتماعات والجلسات حينما راج أمر التوظيف بمجلس المستشارين من طرف فريق الحزب.
هذا الأسلوب الانتهازي في التعامل المطبوع بالتودد المصطنع ليس جديدا في سلوك هذه الفئة.
لنؤكد ذلك سنعود لما جرى في انتخابات مناديب العمال في القطاع الخاص، لنقف عند حقيقة «الإسلام» الذي يصر بنكيران على إلصاقه بالنقابة. فالقانون يقضي بضرورة التصريح بالمؤسسات التي ستعرف انتخابات داخل آجال كافية قصد إعلان لوائح الناخبين وإتاحة الفرصة للترشيح، مع إلزامية أن يكون العامل أو المستخدم مصرحا به لما يزيد عن سنة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
إلا أن ذلك لم يتم احترامه بالمطلق في العديد من المؤسسات الخدماتية والإنتاجية، وبتواطؤ مع وزارة التشغيل التي يقع تحت مسؤوليتها المباشرة تنظيم هذه الانتخابات عبر مندوبيات التشغيل.
ودونما حاجة إلى أن يستند ذلك إلى قانون، فتخليق هذا الجانب يعني تمكين الطبقة العاملة من تمثيلية حقيقية تعبر عن آرائها وتؤطر حركاتها.
لكن يبدو أن الحزب الميني شيوعي ووزيره «السارح» في قطاع التشغيل، لا علاقة لهم بالتخليق والتمثيلية ذات المصداقية وتأطير العمال، فربما تشغلهم «السرحة» عند بنكيران على الالتفات إلى هوية الحزب الحقيقية وأين ينبغي أن يصطف.
إن ما يستعصي على الفهم هو أن يكون حزب شيوعي وتقدمي مسؤول عن قطاع حيوي من حجم التشغيل وينصاع بنعومة لتعليمات بنكيران وتصريحاته حول ضرب الخدمات العمومية، من خلال تقليص التوظيف والإجهاز على مكتسبات اجتماعية تاريخية في التقاعد والتعاضد مثلا.
أما التنظيم الحزبي الذي جاءنا مدعيا الإصلاح والتخليق فهو يعلم تمام العلم الحقيقة بخصوص إجراء انتخابات مناديب العمال والمستخدمين، لكنه غير مكترث بها ما دام أنه استفاد من غياب الشفافية في تدبير الانتخابات وتحسنت تمثيليته وضمن مقعدا يؤهله لتقديم ترشيحاته لمجلس المستشارين والجلوس اليوم أو غدا إلى طاولات الحوار الاجتماعي الفارغة من الملفات المطلبية ومن جداول الأعمال وبالطبع من النتائج.
خلال هذه الفترة تجند وزراء وبرلمانيو الحزب بحزم أثناء الانتخابات المهنية ومكنهم بنكيران من الدعم المالي القوي في سبيل الحصول على المقاعد، ولا تهم في ذلك الطريقة.
لقد جاب رباح ولد العواوشة المغرب بطوله وعرضه من الشمال إلى الجنوب متصلا بمن يعرف ومن لا يعرف من أرباب المقاولات والشركات والمقاهي والطاكسيات، طلبا لاستمالة المناديب لتسجيل لوائحهم باسم نقابة زميليه يتيم والحلوطي.
وفعلا كان له ذلك في حالات كثيرة، لكنه وجد من لا يعترف إلا بسلطة الديموقراطية وأن العمال أحرار في اختيار من يناسبهم. هذا السلوك المبني على استغلال الموقع سار عليه في القنيطرة تلميذ بنكيران السي زويتن، الذي يفتخر بنكيران علنا بأنه أقنعه بالتخلي عن التعليم العمومي.
لقد اشتغل الرجل على قدم وساق من أجل جلب أكبر عدد ممكن من مستخدمي مؤسسات التعليم الخصوصي، فلا ننسى أن للرجل صفة مهمة وهي رئيس فيدرالية هذا القطاع، وبالطبع يزيد عن ذلك بقربه من أستاذه بنكيران.
هذا الإنزال المكثف الذي نهجه رباح جاء بعدما تأكد لهم ضعف الحلوطي على تحقيق النتائج المطلوبة في القنيطرة وخيبة الأمل التي تم جنيها بسيدي قاسم التي أصبح المسؤولون عن الحزب والنقابة في لائحة الذين ينتظرهم الطرد، خصوصا بعدما صوت غالبيتهم ضد قرار حزبهم، سواء في المجلس الإقليمي أو في مجلس الجهة بمقابل لا يعلمه إلا الله والنقابي الثقيل نائب الحلوطي، الذي ظل طوال الحملة الانتخابية لا يزور إلا المؤسسات التي تعنيه مباشرة كمرشح بدلا من الترويج لبرنامج النقابة كما يقول بذلك المنطق.
ونتيجة لذلك تلقى صفعة من طرف يتيم عندما لم يدرج اسمه نهائيا ضمن المرشحين لانتخابات مجلس المستشارين.
بماذا يفسر التأخير في الإعلان عن نتائج الانتخابات لأزيد من أسبوعين؟ بماذا يفسر طعن العديد من النقابات في النتائج المعلن عنها؟ بماذا يفسر عدم الرد على اتهامات واضحة بالتلاعب بالنتائج جاءت في أكثر من بيان نقابي؟
أمام كل هذه الأسئلة اقتدت الحكومة بالنعامة ودفنت رأسها في التراب.
فإذا كان هذا هو حال نقابة يتيم في القطاع الخاص، فإن وضعها في القطاع العام ليس أحسن، فقد تناولنا في مقال سابق الحرب السرية التي شهدتها الانتخابات المهنية الأخيرة، والتي شهدتها كل القطاعات العامة والخاصة في بداية يونيو الماضي، والتي أفرزت خريطة مشكوكا فيها كلية، لعبت فيها المتاجرة الحزبية الدور الكبير.
طبعا بعد هذه الانتخابات التي تمت على المستوى المحلي، تمت ما تسمى بانتخابات اللجان الثنائية على المستوى المركزي، حيث انتخب المنتخبون على المستوى المحلي ممثليهم على المستوى المركزي، وقد جرت مفاوضات عسيرة بشأن التحالفات، سيما وأن الخريطة النقابية الجديدة، وإن كانت على المستوى العام قد ضمنت تواجدا لنقابة يتيم في الرتبة الرابعة، إلا أنها تعرضت لضربة قوية في قطاع التعليم من طرف نقابة شباط.
فبعد أن فشل يتيم في اختراق تحالف موخاريق وريث سر بن الصديق، والأموي بوسبرديلة، والمعزوزي الرجل المريض، فإنه لم يجد بدا من التحالف، إما مع تيار عبد الرزاق الإدريسي أو مع نقابة شباط.
ونظرا لاستحالة ذلك مع النقابة الأولى، بسبب راديكاليتها، فإنه قدم الغالي والنفيس لشباط ليقبل التحالف معه، ففي العمل النقابي، بالمعنى المغربي الصرف للكلمة، لا مكان للمحرمات أو المبادئ، فخلف خطابات الشتيمة والسباب التي تبدو لنا مستعرة، هناك دوما، خطابات الود بين «الزعماء».
لكن الضربة التي لم يكن ينتظرها يتيم، بعد أن تلقى التطمينات من نقابة شباط، هي أن نقابة هذا الأخير، التابعة لحزب يدعي أنه سلفي، قررت عدم التحالف مع نقابة يتيم التابعة لحزب يدعي أنه إسلامي، وقررت بالمقابل التحالف مع نقابة عبد الرزاق الإدريسي الشيوعي.
نعم، فمن أجل تقزيم أي تواجد لنقابة يتيم في قطاع التعليم، وهو القطاع العمومي الأكبر، فرضت رياح السياسة أن يتحالف المعزوزي، الذي لطالما لقي مساندة واضحة من نقابة يتيم، مع «الكبار»، سيما وأن الانتخابات الأخيرة جعلت نقابته «إف دي تي» خارج النقابات الكبرى.
فنقابة الحزب الحاكم في التعليم، والتي يترأسها الحلوطي أيضا، لم يستطع أمينها العام الجديد في 2009 الحصول على مقعد، وبالكاد حصل عليه في الانتخابات الأخيرة.
ورجال ونساء التعليم في القنيطرة يعرفون جيدا تفاصيل المهزلة التي تعرضت لها هذه النقابة في التعليم بهذه الجهة. هذه النقابة رسميا خارج اللجان الثنائية. وكانت هذه الضريبة أدتها نقابة الحزب، جراء مساندتها العمياء لبنكيران في قراراته المضادة للموظفين ورجال التعليم خاصة، فإذا كان بنكيران يعاني من ذاكرة قصيرة، فإن رجال التعليم يتذكرون جيدا من أساء ويسيء إليهم، فتذكروا جيدا انبطاح النقابات وقرر نصفهم التصويت للمستقلين، وقرر أغلبهم التصويت للنقابات المعارضة، في حين تجاوزت نقابة حزبه العتبة بقليل، بفضل «التدخلات» الفعالة التي قام بها الوزير «السراح» الصديقي.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *