الخارجية المغربية مولت الحج وأثرت في محيطها وهكذا تأسست

«كيف كان سفير مغربي يتحمل مسؤولية تمثيل بلاده في بلد تجاوز الثورة الصناعية في حين أنه كان لا يزال منبهرا بمنظر القطارات والسيارات؟ كان المغرب ينتظر من سفرائه أن يعززوا حضور البلد في الخارج لكن بعض المؤشرات التاريخية تقول إنهم كانوا بعيدين تماما عن إنجاز ما كان موكولا إليهم. الخارجية المغربية كانت متألقة فقط في ما يتعلق بالعلاقات مع المسلمين والعرب، وهكذا كان المغرب سباقا إلى تخصيص مساعدات مالية سنوية لإنجاح مواسم الحج»

كيف كان السفراء المغاربة متأخرين عن إيقاع الحياة في أوربا ؟
المطلوب منك أيها السفير أن ترتدي جلبابا شديد البياض، وتنتعل بلغة مخزنية صفراء، وتقف أمام بوابة القصر، في انتظار التعيين الرسمي. طقس قديم، ضارب في عمق تاريخ المغرب. حتى بعد أن تغيرت أمور كثيرة وأصبح المشترك الوحيد بين سفراء الأمس واليوم، هو الجلباب وحده، فإن أرشيف السفراء المغاربة يستحق فعلا أن نتوقف عنده.
عندما يتحرك المغرب ليعزز حضوره في الساحة العالمية، فإن أول ما يحركه هو تعيينات السفراء في العواصم العالمية. لكن الأمور لم تكن تسير بهذا الشكل في القديم، وإلى حدود سنة 1860، كانت الدبلوماسية المغربية أبعد ما تكون عن الدبلوماسية وكانت تفصل بينها وبين الدول الأخرى مراحل كثيرة، بدا وكأن المغرب لن يتجاوزها إلا بتعويض جميع «المسؤولين» المغاربة وقتها وتعويضهم بآخرين لديهم احتكاك بما يقع على الأقل، في الدول الأخرى.
في أيام الملك الحسن الثاني، كان للمغرب نوعان من «السفارات» سفراء دائمون، طيلة مدة تعيينهم، وسفراء خاصون بحسب الأزمات والأوضاع. النوع الأول يتم تكليفه بتمثيل المغرب في الدول التي يتم تعيينه فيها، فيم النوع الثاني يسكن الطائرات والفنادق، في أغلب المهمات التي توكل إليهم. ولعل أشهر نموذج على المبعوث الملكي الخاص، هو الراحل عبد الهادي بوطالب. حيث تزامن وجوده في العراق، مع الانقلاب الذي أنهى الملكية في العراق، وتزامن وصوله في مهمة خاصة إلى ليبيا بسقوط السنوسي ووصول القذافي إلى السلطة. كما كان شاهدا على الصراع العربي الذي كانت سوريا طرفا مؤثرا فيه أيام حافظ الأسد. كان بوطالب دائما يُرسل في الأوقات الحرجة، وفي عز الأزمات العربية خصوصا ليبلغ رسالة الملك الحسن الثاني أو يتولى مسألة المفاوضات.
قبل ذلك، عندما كان الحسن الثاني وليا العهد، لوحظ وقتها أن والده أوكل إليه مسألة تدبير العلاقات الخارجية للمغرب، وهكذا كان ولي العهد يسهر يوميا على إعداد قاعة القصر الملكي بالرباط لاستقبال الوفود الرسمية سنة 1956 لتقديم التهاني إلى المغرب إثر حصوله على الاستقلال. وكان وقتها أن توجه وفد رسمي مغربي إلى بلغاريا وبعض دول أوربا الشرقية، وتم استقبالهم بحفاوة هناك، وركز الوفد على نقل تجربة تلك الدول في ما يخص احتواء المنخرطين في المقاومة بعد حصول البلاد على الاستقلال. وحسب بعض المصادر التاريخية فإن الوفد المغربي فهم أن الدولة أحدثت مؤسسة للتواصل مع أولئك المقاومين وتم إدماجهم وإدماج عائلات المتوفين منهم، داخل المجتمع. وحسب نفس المصادر فإن الملك محمد الخامس كان يسأل شخصيا عن خلاصة تلك الزيارة وما يمكن أن تفيد به تجربتها في مجال الانتقال.
لم يكن سهلا توفير الجيل الأول من السفراء الذين راهن عليهم المغرب، خصوصا في الدول الأوروبية، إلا أن أولى التعيينات كانت قد انطلقت في وقت مبكر، قبل أن يصبح الحسن الثاني ملكا، فقد بوشرت التعيينات أثناء ولايته للعهد، ورغم أن الملك محمد الخامس كان يترأسها، إلا أن هندستها كان فيها حضور قوي للأمير الذي كان يرسم الدبلوماسية المغربية بكثير من الحذر.
لنعد الآن إلى ما قبل ذلك. إلى أيام البعثات التي كانت تشد الرحال إلى الدول الأوروبية لتمثيل المغرب. المثير فيها أن السفراء لم يكونوا يملكون فكرة واحدة عن طبيعة الدول التي سيذهبون إليها في مهام رسمية. أغلبهم كان رصيدهم العلمي لا يتعدى الأمور الفقهية، حيث كانوا ضليعين في أمور الدين، لكنهم بعيدون تماما عن السياسة، وهكذا ضاع على المغرب أن يفوز بمواقف دبلوماسية.
السؤال الذي طرحه كثير من المهتمين بتاريخ الدبلوماسية المغربية وماضيها، يتعلق بالكيفية التي كانت تقترح بها تلك السفارات الخاصة التي كانت عبارة عن رحلات، وماذا جنى منها المغرب؟
الجواب أن هناك سفريات بادر إليها المغرب لتعزيز حضوره لدى الدول الغربية، لكنها للأسف لم تكن تحمل أهدافا سياسية ولا اقتصادية، لأن الأشخاص الذين أوكلت إليهم لم يكونوا يتوفرون على أية خبرات في المفاوضة والحديث، بل كان دورهم ميكانيكا يقتصر على التحية وتسليم المكتوب أو تلاوته، فيم يتولى الترجمة غالبا أحد الأجانب الذي يفهم العربية، ويقفل السفير عائدا من حيث أتى.
في حين أن هناك سفريات أخرى كانت باقتراح من الأوروبيين، لكن دورها بقي محدودا هي الأخرى، لأن السفراء الذين تم تكليفهم لم يكونوا يتوفرون على أي خبرة في مجال المباحثات الدبلوماسية ولم يكن بمقدروهم الفوز بموقف مؤازر للمغرب، ما دام انبهارهم كله منصبا على البنايات والسيارات وما كانت تتوفر عليه أوروبا. المثير أيضا أن بعض السفراء وصفوا الدول التي زاروها بـ«بلاد الكفار» في حين أن المهام الدبلوماسية التي ذهبوا فيها، كانت بهدف تعزيز العلاقات. وهكذا يتضح كيف أن شرخا كبيرا كانت تعاني منه الدبلوماسية المغربية.
الفقيه، والعلامة، لم يكن يصلح ليمثل المغرب في الغرب، لأن ما ينقصه هو إتقان أبجديات السياسة والتأثير في الآخر، وليس تلاوة الرسائل التي تكون شديدة الرسمية، في حين أن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ عندما تنتهي تلاوة الخطابات.

حين كان وزراء الخارجية يحفظون القرآن الكريم ولم يسبق لهم السفر إلا للحج
لم يكن في هذا التوصيف سبّ أو تنقيص من الدبلوماسية المغربية التي اقتحمت أوربا في وقت مبكر، كانت فيه أغلب دول العالم غارقة في الحروب والأزمات الاقتصادية. فالمغرب كان مؤثرا بالخارج، خصوصا في أوربا، ووصلت الصداقة بينه وبين التاج البريطاني مراحل متقدمة في وقت كانت فيه بريطانيا لا تنظر إلى بقية دول العالم إلا على أساس أنها مستعمرات.
لكن بالرجوع إلى المراحل الأولى للدبلوماسية العصرية المغربية، أي ابتداء من سنة 1900 والسنوات القليلة التي قبلها، سنجد أن الدبلوماسية المغربية اتخذت طابعا آخر، وأن الظروف التي كان يمر بها العالم وقتها حتّم على المغرب أن ينفتح خارجيا، وهكذا بدأت أولى الأحداث التي كانت فيها الخارجية المغربية حاضرة، وبقوة.
لنبدأ هنا بتنقيب مضن في أولى الآثار التاريخية، الأجنبية دائما، والتي تصف حالة وزارة الخارجية. المراجع التاريخية المغربية تعج بالأحداث التي تم فيها إرسال وفد مغربي إلى أوربا، لكن لا أحد منها، إلى الآن، تكرم بتقديم وصف دقيق لوزارة الخارجية المغربية خلال الفترة التي بدأ فيها المغرب باستقبال الوفود الأجنبية بشكل غير مسبوق. عندما كانت فاس عاصمة إدارية وسياسية للمغرب، فإن وزارة الخارجية لم تكن تبعد عن القصر الملكي إلا خطوات قليلة، وكانت محسوبة على «الحي» الذي كان يسكن فيه كبار رجال القصر وأغنى العائلات الفاسية. الصحفي «لاورنس» كان من الذين استقبلهم وزير الخارجية الذي كان وقتها واحدا من أبناء عائلة الفاسي، واسمه عبد الله، وقد تردد اسمه كثيرا في الكتب والمراسلات الرسمية التي تؤرخ لأولى السفريات الدبلوماسية التي مثلت المغرب بالخارج. هكذا كان مكتب وزير الخارجية وهكذا كان محيطه: «وزير الشؤون الخارجية، لم يكن مقيما بفاس، لكنه كان ممثلا بكاتبه في فاس، عبد الله الفاسي، المقرب من المولى عبد العزيز، والذي كان يفترض فيه أن يكون أقوى رجال المخزن. معرفته بالقرآن الكريم كبيرة جدا وعميقة، لكنه لا يعرف أي شيء آخر. كان يمضي ساعات طوالا جالسا في مكتبه يدردش مع الكتّاب في ديوانه، وكان هذا الأمر يبعث على الضجر. المكتب الذي يجلس فيه يعد أهم مكتب في الوقت الذي تمر فيه البلاد بأزمة خانقة، كان المكتب واسعا جدا، مساحته 12 قدما مربعا، وكان على الجهة اليمنى من دار المخزن، كان الوزير يجلس فوق حصير مفروش على أرض المكتب، يمتد إلى جميع الأركان إلى أن يلتصق بالجدران المتسخة. مكتبه عبارة عن طاولة خشبية لا يزيد علوها عن 8 إنشات. كل رجل يجلب معه قلما ومحبرة للمداد، ويأخذها معه في نهاية اليوم.
حتى الآن، رغم كل الاحتقار والتعالي المفترض، الذي ينظر به رجال المخزن للنصارى، فإنهم يطمعون بشدة في امتلاك أشياء النصارى وأغراضهم. الساعة الذهبية هي الأغلى إطلاقا، ويرغبون في امتلاكها.
دعاني الفاسي مرة إلى داره، وفي غرفة خاصة في بيته، طلب مني أن أبعث له ساعة ذهبية من لندن وقال مؤكدا: «لكنها يجب أن تكون أكبر من ساعة قايد القصبة».
ولكي يظهر لك المسؤولون المغاربة مدى معرفتهم بتاريخ الأوربيين، فإنهم، في بعض المناسبات يتطرقون إلى مواضيع تهم التاريخ الأوربي.
في يوم من الأيام سألني عبد الله الفاسي: «هل تعرف نابليون؟ هل سبق وأن حاربته؟».
أما السكرتير الخاص به، وليوضح لي أنه عارف بالتاريخ الأوربي فقد سألني إن كنت قد التقيت مرة بـ«أوليفر كرومويل» مشيرا إلى أن له رأيا في الموضوع: «كرومويل كان جنديا جيدا، لكنه رجل إنكليزي سيئ، ويجب أن يودع في السجن. هل لا يزال قائدا؟»
لحسن الحظ تخلصت من مأزق الرد على تلك الأسئلة الصعبة، عندما جاء «مخزني» يناديني لكي أقابل السلطان».
من المرجح أن تكون هناك مبالغات في هذه الشهادة التاريخية، ما دام صاحبها قد قدمها سنة 1909 بدون صور مرفقة، وهو ما يدل على أنه اعتمد على الوصف فقط أكثر من التوثيق، ولن يكون مستبعدا أن يسرح بخياله بعيدا، أو يروي وقائع سمعها من محيط موظفي القصر الذين ربطته بهم علاقة وطيدة.

هذه قصص سفراء ومبعوثين مبتدئين كان يتوقف عليهم مستقبل المغرب
بعيدا عن الرحلة الإبريزية التي جرت أطوارها سنة 1860، والتي كانت تعد واحدة من أول المهام الدبلوماسية لوزارة الخارجية عندما أحدث المغرب تغييرات كبيرة على سياسته الخارجية، فإن ما كُتب عنها، كان يعد مصدرا للتنكيت أكثر منه تأريخا لمهمة دبلوماسية، إذ كشفت الكتابات الرسمية التي وثقت للزيارات المغربية إلى الخارج في مهام دبلوماسية، كتهنئة الملك جورج السابع على وصوله إلى العرش وغيرها من المناسبات الكبيرة التي بعث فيها القصر من يمثله عند الأوروبيين، خصوصا فرنسا وبريطانيا. كشفت هذه الكتابات أن هناك فرقا ثقافيا كبيرا بين السفراء المغاربة والدول التي زاروها بصفتهم سفراء وليس سياحا عاديين.
لكن ما يهمنا في هذا الملف، هو كيف أن مستقبل المغرب الدبلوماسي كان متوقفا على هؤلاء. الجواب أن المغرب لم يكن يملك خيارا، وكان لا بد أن تمر الدبلوماسية المغربية بهكذا مراحل، لم تنته هذه المعضلة إلا بتعيين سفراء كانوا قد درسوا بأوربا وعرفوا الحياة الأوروبية عن قرب، وتكون لديهم مستوى ثقافي ومعرفي يؤهلهم للتواصل.
سيكون من المثير أن نقرأ ما جاء في أحد أعداد التايمز، سنة 1904، وهو واحد من الأعداد الخاصة التي أصدرت خصيصا للتوثيق لزيارة رسمية قام بها وفد بريطاني رفيع المستوى إلى المغرب، ونشرت الجريدة مقالات مطولة اعتبرت وقتها كتغطية رسمية وحصرية كان فيها محرر الجريدة حاضرا إلى جانب الوفد الدبلوماسي. إليكم هذه الفقرة من مقال افتتاحي صادر باللغة الإنجليزية:
«وصلنا إلى القصر الملكي ساعة الغذاء. كان علينا أن نقضي أولى ساعات الصباح في التنقل عبر العربات التي جئنا بها معنا خصيصا في السفينة لنتنقل من ميناء طنجة إلى المدينة التي يوجد بها القصر الملكي. لم يكن في استقبالنا في طنجة إلا موظفو القنصلية ولم نقض بها إلا حوالي الساعة ونصف، ليتقرر أن نواصل الرحلة إلى القصر الملكي. انطلقنا مع أولى ساعات الصباح قبل طلوع الشمس. عندما وصلنا كان التعب واضحا على وجوهنا، وكان الوفد الذي خصص لاستقبالنا عند مدخل المدينة مأخوذا بالعربات وكأنهم يرونها لأول مرة. كانوا يسلمون علينا وأعينهم تتفحص العربات. كنا نتوقع أن يكون وزير الخارجية على دراية بنا لكننا اكتشفنا أنه لا يفهم كلمة مما كنا نقوله له، وكان يكتفي بتحريك رأسه مصافحا، لكن كان في الوفد الرسمي معنا موظفون يتحدثون العربية بطلاقة لأنهم قضوا سنوات في مهمات دبلوماسية في المشرق. كان مثيرا أن نرى وزير الخارجية، وبدا أنه لا يربطه بالخارجية أي شيء. لم يستقبلنا الملك إلا في اليوم الموالي، وبدا منشغلا جدا، لكنه خصص لنا وقتا كافيا للحديث، وعرض عليه الوفد الرسمي مجموعة من الاتفاقيات وشرحوا له محاسنها وماذا سيستفيد بلده في حالة التوقيع عليها. جرت الأمور بسلاسة، لكن وزير الخارجية كان صامتا طوال الوقت ولم يتحدث ولم يلق كلمة ترحيبية ولا افتتاحية. لكن الملك تحدث معنا عن سفريات سابقة لوفد اختاره والده ليمثل المغرب في بريطانيا وفرنسا، وحكى لنا كيف أن تلك السفريات لم تعد على المغرب بأي نفع اقتصادي. أخبره السيد السفير أن بريطانيا مستعدة لدعم المغرب سياسيا واقتصاديا ورحب بأي وفد رسمي مغربي في الأيام المقبلة. لكن يبدو أن القصر لم يكن يملك أسماء دبلوماسية مغربية للقيام بهذه المهمة».
هذا المقال جاء مطولا، في صفحتين من الجريدة، وما يهمنا هنا، ليس الزيارة الرسمية البريطانية إلى المغرب، لكن ما يهمنا أكثر هو التذمر الرسمي المغربي من لا جدوى الزيارات التي يقوم بها السفراء المغاربة إلى فرنسا وبريطانيا في ذلك الوقت. والسبب راجع، حسب المقال، وحسب المنطق أيضا، إلى أن الذين يتكلفون بمهام دبلوماسية لتمثيل المغرب في الخارج، لم يكونوا مؤهلين لتلك المهام، ولم تكن لهم من التجارب الدبلوماسية أو السياسية ما يسمح لهم بإبرام الاتفاقيات أو الصفقات، ولا رسم معالم طريق الدبلوماسية المغربية بالخارج، وهذا ما جعل موقف المغرب يبدو ضعيفا خصوصا سنة 1912.

سفراء إلى تركيا وإيطاليا وإسبانيا لا يفقهون في السياسة وآخرون لتقديم التعازي والتهنئات فقط
لم يكن من السهل على الخارجية المغربية أن تجد نفسها دون أن تتوفر على أطر يليقون بالمهام الدبلوماسية التي أوكلت إليهم. فرق كبير بين ما كانت تعيشه الدولة المغربية خلال سنوات 1850 و1900 وبين ما كانت تعيشه أوربا من ثورة صناعية واقتصادية. كيف لسفير مغربي أن يقوم بمهمة دبلوماسية غاية في الأهمية تتمثل في تهنئة الملوك والرؤساء الجدد، ويتباحث معهم بشأن مستقبل العلاقات بين بلدانهم وبين المغرب، وهو لم يطرد بعد دهشته من الفرق الكبير بين بلده والبلد الذي حل به. المشكل المشترك بين عدد من السفراء، الذين كانوا كلهم مؤقتين ولم تدم رحلاتهم أكثر من شهر، هو انبهارهم بمعالم الحياة وعدم قدرتهم على فهم الظواهر المحيطة بهم، كالسيارات والقطارات. خصوصا وأنهم لم يكونوا على اطلاع مسبق بما يجري في البلدان الأوربية ولا لغاتها ولا خصوصيات الحياة بها.
لكن كيف كان يتم التنسيق لتلك الرحلات؟ كل ما هنالك أن المغرب كان يتلقى دعوات مباشرة تأتي إلى القصر مباشرة، أو عن طريق دبلوماسيين كانوا قد بادروا إلى زيارة المغرب لتشجيع العلاقات لكي تأخذ طابعا رسميا، وهكذا كان يتم اختيار من يمثل القصر هناك، ويسمى وفدا رسميا يتكون من السفير الذي غالبا ما يكون واحدا من المقربين من الملك ولا تكون بينه وبينهم واسطة حتى يستأمنه على ما ينبغي أن يقوله هناك باسم القصر. ويرافقه كاتب لتدوين الرحلة، وغالبا ما يكون هؤلاء الكتاب حافظين للقرآن الكريم وتطغى على تقاريرهم لغة عتيقة جدا.
تكون الرحلة متعبة، هذه أيضا نقطة مشتركة بين جميع الرحلات الدبلوماسية التي مُثل فيها المغرب بالخارج. هكذا كان الأداء الدبلوماسي المغربي باهتا، بشهادة المغاربة أنفسهم، إذ أن كل ما دون بشأن الرحلات المغربية إلى الخارج لا يتعدى أن يكون انطباعات عن الأمكنة والأشخاص والعادات والظواهر التي شاهدها مدون الرحلة برفقة السفير المغربي. في حين غابت مضامين اللقاءات، هذا إن حدثت فيها مفاوضات حقيقية، إذ إن الملاحظ من أغلب الرحلات الدبلوماسية أن الوفد المغربي لم يكن يقضي إلا دقائق قليلة في تسليم الرسائل، أو إلقاء كلمة باسم الملك، وينتظر رد الدولة المضيفة، وإلى ذلك الحين، يحرص الأوروبيون دائما على إبهار الضيف المغربي بمظاهر الحياة الغربية.

عندما كانت الخارجية المغربية ترسل مساعدات مادية إلى الحج
كانت الموازين وقتها تختلف، فالخارجية المغربية على عهد الحسن الأول، كانت قد قررت تخصيص مساعدات مالية سنوية تُرسل مع الوفد المغربي إلى الحج، كمساعدة من الدولة للقائمين على شؤون الحج وراحة الحجاج. وتوجد إشارات تاريخية قصيرة تؤرخ لهذا الباب لكنها لا تتوفر بالتفصيل عن كيفية إصدار تلك المساعدات ولا طريقة توزيعها ولا الأطراف المباشرة التي تستفيد منها. لكن الأكيد أن المغرب كان يخصص أموالا مهمة توجه كمساعدات تُصرف لصالح المشرق، قبل أن تتأسس الدولة السعودية.
ولم تكن السعودية وحدها من استفاد من مساعدات المغرب، بل حتى الدول القريبة من المنطقة، ونقصد الجزائر وتونس وحتى ليبيا. إذ كان المغرب يخصص مساعدات مهمة، وتصرف بشكل رسمي، باسم الدولة المغربية. لم تكن تلك المساعدات تتلخص في الدعم المادي فقط، بل حتى العسكري، إذ أن المغرب سبق له مؤازرة الليبيين، عندما كانت بعض القبائل تسيطر على الطريق البحرية شمال ليبيا، وعرقلت نشاط السفن الأمريكية التي تمر من البحر الأبيض المتوسط لتخرج منه إلى المحيط الأطلسي، وكان لهؤلاء الذي لقبوا في ما بعد بالقراصنة، دور كبير في شل الاقتصاد الأمريكي لتتحرك القوات الأمريكية بقوة عسكرية لقصف أماكن نشاط «القراصنة» ويرسل الملك الليبي طلبا إلى المغرب، على عهد والد الحسن الأول، يطلب فيه مساندة مغربية، فكان أن أرسل المغرب على الفور سفنا تحمل مساعدات إلى ليبيا وكاد المغرب أن يتورط في مواجهات مع أمريكا جراء ذلك التدخل، لولا أن الخارجية الأمريكية أرسلت وفدا رفيع المستوى إلى المغرب، لتستفسر عن سر وجود سفن مغربية وقفت إلى جانب السواحل الليبية، وتم تجاوز الأمر بطريقة دبلوماسية، لم يخسر فيها المغرب علاقته مع ليبيا، ولا مع الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن المغرب وقتها لم يكن يتوفر على جهاز دبلوماسي قوي، وكان التدخل متمثلا في موقف السلطان المغربي الذي ارتأى بنفسه أن يحرص على ألا يغضب الأمريكيين الذين كانت تجمعهم علاقة طيبة مع المغرب، على خلفية الموقف المغربي الذي كان سباقا إلى الاعتراف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.

حين ارتدى السفراء ربطة عنق وصارت الدبلوماسية المغربية عصرية
كان على الخارجية المغربية أن تنتظر إلى أن يتمكن جيل من أبناء المغاربة من الدراسة بالخارج، لتعين أول جيل للسفراء المغاربة الجدد في الدول الغربية. كان هذا بالضبط مباشرة بعد سنة 1957، سنة واحدة فقط بعد حصول المغرب على الاستقلال.
المثير في الأمر أن الملك محمد الخامس وقتها كان بعيدا تماما عن مجريات هذه الأمور، بالرغم من أنه كان يحظى بعلاقات وطيدة مع زعماء غربيين، إلا أنه ارتأى أن يوكل أمر تدبير العلاقات الخارجية إلى ابنه الحسن الذي كان وقتها وليا للعهد، فكان أن هندس الخارجية على مقاسه وبحسب خبرته الكبيرة جراء علاقته مع الأوروبيين. وهكذا كان يتنقل بسيارته الرياضية المكشوفة كل صباح من مقر إقامته الخاصة خارج القصر الملكي، إلى داخل القصر ليقف على الاستعدادت، التي كانت تقام بشكل شبه يومي، داخل القصر الملكي لاستقبال الوفود الأجنبية القادمة إلى المغرب فور حصوله على الاستقلال.
كان الملك محمد الخامس يكتفي باستقبال الوفود ويترك المجال لولي عهده لكي يتولى النقاشات التي تدور غالبا في فضاءات مغلقة داخل القصر الملكي، بالكاد يسمح فيها بالتقاط صورة أو صورتين، لتستمر المحادثات التي نادرا ما كان يحضرها السياسيون، إذ كان البارز الوحيد فيها هو الحسن الثاني، وليا للعهد، جالسا في طاولة إلى ممثلي الوفد الأجنبي.
هذه السياسة الخارجية المغربية كانت مدروسة، ولعل المرات التي بدا فيها الملك محمد الخامس مسيطرا على الخارجية المغربية، هي الزيارات الرسمية المغربية إلى الخارج على عهده من 1956 إلى 1960، إذ كان واضحا جيدا أن الحسن الثاني ولي للعهد، اكتفى بدور المرافق الثانوي، في حين كان الملك محمد الخامس ضيف شرف على الدول التي زارها بمعية ابنه، ولم تكن الاحتفالات التي تقام على شرفه إلا تمهيدا للمفاوضات التي يتولاها الحسن الثاني شخصيا، والتي كان لها دور كبير في إطلاق الأوراش الأولى في مغرب ما بعد الاستقلال.
بعد ذلك جاء دور تعيين السفراء، وقد تم اختيارهم بعناية بالغة، حيث أوكلت سفارات محدودة، تمت جدولتها بعدد الدول الكبرى التي يهم المغرب أن يحتفظ بعلاقات وطيدة معها، وينشئ فيها سفارة مغربية رسمية بسفير يتولى التنسيق بين الملك وخارجيات تلك الدول. وهكذا تم اختيار عدد من الأطر الذين استفادوا من فرصة الدراسة في أوروبا خصوصا، وتم تعيينهم سفراء للمغرب، اعتمادا على مستواهم في اللغات الأجنبية، لكن التركيز كان أكبر على انتماءاتهم العائلية، وقربهم من القصر الملكي. لكن مباشرة بعد وصول الملك الحسن الثاني إلى الحكم، كان عليه أن يعيد جدولة السفارات، رغم أن المغرب وقتها لم يكن يتوفر بعد على سفارة في الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تقود العالم، واكتفى المغرب باللعب على حبل العلاقات الإقليمية أولا، بحكم قربه من أوربا، والدول العربية. لكن الملاحظ أن أقوى المهام الدبلوماسية التي كانت تهم المغرب في سنوات الخمسينات والستينات، لم يقم بها سفراء معينون بالطريقة الرسمية، وإنما مغاربة اختارهم الحسن الثاني شخصيا واستدعاهم لتيكلفوا بالمهمة الرسمية التي لم تكن في الغالب تستغرق إلا أياما قصيرة فقط، ليعودوا إلى المغرب، ولعل أشهر من قام بمثل هذه المهام هو الراحل عبد الهادي بوطالب، حيث سبق إرساله إلى العراق وليبيا في عز الأزمات الإقليمية والصراع العربي-العربي، وكانت مهمته تتلخص في تمثيل الحسن الثاني هناك وتبليغ رسالته ثم العودة إلى المغرب، إلى أن تم تعيينه سفيرا في الولايات المتحدة عندما كان تركيز الملك الحسن الثاني كله منكبا على ملف الصحراء، لذلك كان أول ما فكر فيه الملك الحسن الثاني، هو اختيار سفير في الولايات المتحدة الأمريكية، ويوصيه بشكل مباشر على أن يعمل على ترسيخ الموقف المغربي من قضية الصحراء وإثارة الملف هناك وتحريكه.
هكذا انتقلت الدبلوماسية المغربية من سفراء فقهاء لا علاقة لهم بالسياسة ولا العلاقات الدولية، إلى سياسيين جمعوا بين الخبرات المبكرة لمغرب ما بعد سنة 1956 وحضروا عددا من الأحداث الدولية الإقليمية واستفادوا من فرص الدراسة بالخارج حتى يكون حضورهم كسفراء أو دبلوماسيين مغاربة لدى الدول الغربية منسجما مع الأدوار السياسية المنوطة إليهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.