شوف تشوف

الخيل مربوطة والحمير تزعرط

تشكو كل الأحزاب تقريبا من ندرة الأطر، فكل ما تتوفر عليه الطبقة السياسية هو المؤهلات الحنجرية التي تجعلها قادرة على الصراخ والعويل والتنابز بالألقاب وكيل الشتائم.
أما الأفكار الخلاقة والمشاريع البناءة فليس لها منها نصيب.
ولذلك فمن المستعجل تنظيم ملتقيات ومنتديات للبحث عن الأطر في الخارج، وإعطائهم ضمانات على عدم تعرضهم للتقوليب الذي تعرض له أُطر قبلهم أغروهم بترك مناصبهم في كندا والعودة إلى المغرب للعمل في المؤسسات العمومية الكبرى،ONE على سبيل المثال، وفِي الأخير «صدقو لا ديدي لا حب الملوك».
إذا كانت هناك دول وأمم تقيم مهرجانات للمخترعين ومعارض لاختيار أحسن وأذكى الاختراعات وأجود الكفاءات فإننا نحن لدينا مهرجاناتنا التي ننظمها على شرف الحيوانات.
فلدينا مهرجان الجمل بكلميم ومهرجان الفرس ببني ملال ومهرجان الحمار في زرهون، وهذه السنة فقد كان نصيب لقب ملكة جمال الحمير حمارة اسمها كليوباترا. لا بد أن كليوباترا الحقيقية التي حكمت عرش مصر ستتقلب جثتها المحنطة داخل صندوقها الذهبي عند سماعها لهذا الخبر.
وفجأة أصبح الحمار المغربي الموضوع المفضل للمواقع الاقتصادية، خصوصا بعدما اكتشفوا أن الحمير المغربية المصدرة تنعش التجارة الخارجية للبلد.
فقد انتبه المراقبون الاقتصاديون إلى أن صادراتنا من الحمير المغربية الأصيلة نحو الصين ارتفعت بشكل ملحوظ بعدما ازداد الطلب عليها مؤخرا، فالصين تستورد سنويا حوالي 80.000 رأس من الحمير بسبب حاجتها لها في الصناعات الطبية التقليدية، خصوصا من أجل استخراج مادة الجيلاتين ومواد طبية تصلح لإيقاف النزيف الحاد وعلاج فقر الدم وانخفاض الصفائح الدموية.
ومن أجل الاستجابة لطلبات هذه الصناعة الدوائية تحتاج الصين إلى حوالي 1,8 مليون طن من الحمير، مما سيجعل أسعار الحمار المغربي ترتفع، ومما سيساهم أيضا في تغيير النظرة السلبية التي للمغاربة نحو الحمار.
وفي المغرب إذا لم يتم استعمال الحمار «شخصيا» في تصفية الحسابات السياسية كما سبق أن فعل شباط عندما وضعه في مقدمة مسيرته، فإن صفته هي التي تستعمل، أي «تاحيماريت». والمغاربة مشهورون بسرعة غضبهم ونزوعهم إلى استعمال الشتائم بسهولة بالغة، وأحيانا بدون مبرر. وأسهل شيء يمكن أن تسمعه من فم المغربي أو المغربية إذا ما «طار» لأحدهما هو «الحمار لاخر»، أو «الحمارة لخرى».
وهذه الشتائم نسمعها أكثر في طرقات المملكة. خصوصا عندما ينشب خلاف مروري على الطريق. وأحيانا لمجرد أنك استعملت حقك الطبيعي في «الدوبلاج». فهناك نوع من المغاربة يكره أن تتجاوزه في الطريق، وإذا تجاوزته فإنه يعتبر ذلك انتقاصا منه واحتقارا لسيارته و«العودان» التي تنام في محركها.
وغالبا عندما يكون زجاج النوافذ مغلقا يمكنك أن ترى شفتي السائق المغربي الغاضب تتحركان بشكل يجعلك تقرأ عليها «على حمار كي داير»، أو «حمارة» إذا حدث فعل التجاوز من قبل امرأة.
وإذا كان البعض يستعمل الحمار لتصفية حساباته السياسية مع خصومه، والبعض الآخر يستعير منه صفة «تاحيماريت» لشتم خصومه وتحقيرهم، فإن حوالي خمسة عشر مليون مغربي يقطنون في القرى والبوادي يعرفون «بحق» الحمير ولا يستطيعون الاستغناء عنها، ببساطة لأن حياتهم بدونها ستتحول إلى جحيم.
والحمار، على عكس ما يروج عنه، ليس حيوانا غبيا، بل لديه ذاكرة قوية. ويستطيع أن يتذكر الطرق التي سلكها ويعود عبرها لوحده بدون صاحبه. والذين يشتغلون في التهريب في منطقة «جوج بغال» بين المغرب والجزائر، يعرفون عماذا أتحدث. فوسيلة الاتصال الوحيدة بين المغاربة والجزائريين هي الحمير العابرة للحدود.
والواقع أن الحكومة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالاهتمام بمصير الحمير، خصوصا وأن لائحة صادرات المغرب نحو الخارج تشير إلى وجود هذه الحيوانات ضمن الأصناف الحيوانية التي يصدرها المغرب.
والمغرب من أهم مصدري الحمير في العالم. وحسب إحصائيات مكتب الصرف، فالمغرب يصدر سنويا نحو إسبانيا وفرنسا حوالي 1500 حمار. وليس أي حمير من فضلكم، وإنما الحمير «الأصيلية»، يعني حمار «دوريجين». فالحمير عندنا مثلها مثل البشر، هناك الأصليون وهناك المزيفون. بالإضافة طبعا إلى «الكياضر»، والتي لا أحد يطلبها منا في الخارج فتبقى عندنا في الداخل «تزعرط» في الوقت الذي تظل فيه الخيول مربوطة.
وهناك اليوم في إسبانيا وإيطاليا والكثير من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، اتجاه إلى استيراد الحمير لاستعمالها في السياحة الجبلية. وهناك بلديات في إيطاليا أصبحت تشتري الحمير لاستعمالها في التخلص من القمامة، بحيث يتم إطلاق سراحها في الشوارع لكي تأكل الأزبال، عوض الاحتفاظ بها في حدائق الحيوان وصرف الميزانيات الباهظة على إطعامها.
وعندنا في المغرب سبقت البلديات نظيرتها الإيطالية في ذلك. ويكفي أن تتجول في بعض الأحياء بالمدن المغربية لكي تصادف قطعانا من الحمير تدس رؤوسها في «طاروات الزبل» لتقلبها وتلتهم محتوياتها، التي غالبا ما يكون «الميخالا» قد مروا عليها قبلها ونهبوا محتوياتها.
والمغرب يتوفر على احتياطي مهم جدا من الحمير، ولذلك ففي اتفاقية التبادل الحر التي وقعها المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية يحضر الحمار كإحدى المواد التجارية التي يستقبلها الأمريكيون من المغرب.
وإذا كان الحمار المغربي يعاني من الحيف والظلم وتشويه الصورة، فإن الحمار الأمريكي استطاع أن يصل إلى البيت الأبيض، وليس إلى «الفوريان» كما يحدث عندنا. فالحمار رمز الحزب الديمقراطي يحكم العالم اليوم بالتناوب مع الفيل. ومن يدري، فربما يرق قلبه لحال إخوانه في المغرب فيمد إليهم حافره في التفاتة حمارية نبيلة.
وربما لهذا السبب ظل الحمار المغربي معفى من الضرائب الجمركية في اتفاقية التبادل الحر بين الرباط وواشنطن. «سعداتو، ما محتاج يشارك لا فقرعة، لا يخلص لا فيزا لا ضريبة». وليس مثل آلاف المغاربة الذين يشاركون في القرعة الأمريكية سنويا ويدفعون سبعة آلاف درهم ثمن الملف، وفي الأخير ترفض القنصلية الأمريكية بالدار البيضاء منحهم التأشيرة لعدم توفرهم على الشروط المهنية المطلوبة.
ترى، من هو الحمار الحقيقي في كل هذه الحكاية؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق