الدخول الثقافي وتجدد الأسئلة حول هيمنة السياسة على الرأي العام

الدخول الثقافي وتجدد الأسئلة حول هيمنة السياسة على الرأي العام

المصطفى مورادي
كل مجالات الحياة العامة تشهد دخولا جديدا بعد غشت، فنسمع عن الدخول السياسي وما يرافقه من عودة البرلمان والحكومة لعملهما، والدخول المدرسي وعودة التلاميذ والمدرسين والإداريين لإجراءات التحاقهم بالفصول الدراسية، والدخول الاجتماعي حيث تضع النقابات والتنسيقيات والتعاضديات وغيرها أجندات هدفها الدفاع عن المأجورين. ومن أبرز أشكال هذا الدخول، نجد الدخول الثقافي، الذي يفترض أن يكون مرافقا لعودة الحيوية والحركية إلى المؤسسات الثقافية، سواء الرسمية منها أو المدنية. لذلك تكون مناسبة الحديث عن الدخول الثقافي تجديدا لأسئلة محيرة ما فتئت تطرح دوما في مشهدنا الثقافي الوطني، من قبيل: هل نملك فعلا دخولا ثقافيا على النحو الذي نجده ظاهرا في مجالات أخرى؟ ما هي أهم تجلياته؟ وهل استئناف المهرجانات التي ما فتئت تتكاثر في مختلف المناطق، هو علامة على دخول ثقافي؟ ثم ما هي نسبة مساهمة الثقافة في صناعة الرأي العام، وتحديدا مساهمتها في الحياة العامة؟ أليس استمرار مركزية السياسة والقرار السياسي والخبر السياسي على مختلف النقاشات، هو علامة على ضعف تأثير الثقافة؟ هل رأينا في المغرب أن العرض الافتتاحي لفيلم أو معرض تشكيلي أو عرض مسرحي أو موسيقي أو توقيع رواية أو ديوان، قد سرق الأضواء من السياسة والسياسيين؟
الإشكالية هنا واضحة، هي استفادة السياسة وحدها بشكل كبير من هامش الحرية الذي ميز المغرب في العقدين الأخيرين، لكن الثقافة لم تستفد إطلاقا، بدليل ضعف دور المثقفين عموما في ريادة الرأي العام وتوجيهه نحو فهم أكثر عقلانية للقضايا المصيرية. فالأكيد الآن، هو أن الثقافة المغربية كانت تعيش حركية كبيرة عندما كانت الدولة تقمع، فظهر مثقفون حقيقيون كان تأثيرهم على مجريات الحياة العامة كبيرا، تجاوز بكثير الحياة الثقافية.

دخول ثقافي.. هل خرجنا؟
في الدخول المدرسي، نجد عبارة متداولة هي عودة التلاميذ إلى المدرسة والطلبة إلى الجامعات، وعودة الأساتذة إلى مقرات عملهم.. لذلك فهو «رجوع» إلى مدرسة وجامعة ظلتا على حالهما، ولم يتغير فيهما شيء. إن «الدخول»، بالمعنى الذي أعطي للثقافي، يعني الجدة والتطور، لذلك عندما نتكلم عن الدخول المدرسي، نستطيع أن نلاحظ حركية حقيقية في المكتبات مثلا، حيث يصل الازدحام إلى مستويات قياسية لاقتناء الكتب المدرسية ومختلف الحاجيات، ولذلك يرتبط هذا النوع من الدخول بحركية اقتصادية كبيرة جدا. لكن إذا ما حاولنا أن نقارن هذا بما يحدث على المستوى الثقافي، ونحاول تتبع ماذا يعنيه الدخول الثقافي على مستوى مبيعات الكتب والروايات والذهاب إلى دور السينما والحركية على مستوى العروض الفنية المختلفة، فالأمر لا علاقة له إطلاقا بكل ما يحدث في المجتمعات الحية، حيث يتم تجسيد الدخول الثقافي في أشكال كثيرة من الاحتفالات والتدشينات، في المتاحف الفنية وفي الأوبرات والمسارح ودور النشر، وغالبا ما يتم الاتفاق على تيمة معينة يتم الاشتغال عليها طوال السنة. ومن الطبيعي أن نجد مساهمة المؤسسات الثقافية والتربوية والأكاديمية كلها مساهمات فعالة في هذا المجال، حيث دأبت الدول الغربية على تدشين دخولها الثقافي في بداية شتنبر من كل سنة، ويستمرّ حوالي شهرين، ما يجعله مناسبة لطرْح العناوين الجديدة التي أصْدرتها دورُ النشر والمؤسسات والجهات الناشرة للكتاب أو الداعمة له، وتقدَّرُ بالآلاف العديدة.. وللوقوف وقفات تأمل من أجل تقييم حصيلة ما أنجِزَ خلال الموسم الثقافي الذي مضى، وتسطير برنامج الأنشطة الثقافية المُزمَع إنجازها خلال الموسم المقبل، ولتوزيع الجوائز على الأعمال الجديدة المُتوَّجة، وما أكثر الجوائز التي توزَّع، في الدول المتقدمة، في هذه الفترة من السنة، وجائزة «نوبل» للآداب نفسُها تُمنَح لمُسْتحِقّها خلال أكتوبر.
وبهذا كلِّه، يحقّ الحديث عن دخول ثقافي فِعْليّ في تلك الدول، التي تهتم بالشأن الثقافي والفني والأدبي اهتمامَها بسائر الجوانب الحياتية من اقتصاد وسياسة وغيرهما، ابتداءً من شهر شتنبر على مشارف توديع فصل الصيف واستقبال فصل الخريف الذي يجعلونه فصل عطاء ثقافي ثرّ، وإنْ سبق أوانَ التساقطات المطرية وإزهار الطبيعة.
أما عندنا فلا أثر لهذا كله، ففي الجامعات لا علاقة لما يجري فيها من أنشطة على قلتها، بأسئلة الراهن المغربي، وفي الإصدارات غالبا ما تظهر دواوين لشعراء مغاربة محترمين، وروايات ودراسات نقدية، ومع ذلك لا توجد أي حركية ثقافية للتعريف بها أو مناقشتها. فالذي يظهر جليا الآن هو أن الثقافة التي تؤثر فعلا في الرأي العام هي ثقافة غير الثقافة التي نعرف. فعندما ظهرت الرواية الجوفاء لأحلام مستغانمي والمسماة «الأسود يليق بك»، وبالرغم من هزالتها ورتابة موضوعها الموغل في الاستيهامات المكبوتة، رأينا كيف تهافت الجميع لاقتنائها لكون كاتبتها هي جزء من دائرة تسويق عالمية، مركزها دبي، أي أن ما كان في السطح حركية ثقافية سببها رواية ما هو في العمق إلى حركية اقتصادية، لمستثمرين، اختاروا تنمية ثرواتهم في الاستثمار في الكتابة، فنجدهم يصنعون الفزاعات الأدبية والكاتبات البطلات من ورق.

مبالغة ومغالاة
إن أي حديث عن دخول ثقافي حقيقي في المغرب، على غرار الدخول الجامعي أو السياسي.. في ظل هذه المعطيات، يحمل قدرا كبيرا من المبالغة والمغالاة.
فهذا الدخول يظل رهينا باستراتيجية ثقافية؛ تروم إعطاء المثقف دوره الحقيقي داخل المجتمع، وتخليق الفضاء الثقافي؛ ليستأثر بدوره المحوري على مستوى التنشئة الاجتماعية، وترجمة هواجس المواطن. وهذا لن يتأتى طبعا إلا من خلال دمقرطة مختلف المؤسسات المحسوبة على هذا القطاع؛ باتجاه الانفتاح الحقيقي على كل المثقفين والمبدعين وإنتاجاتهم.. كما يتوقف أيضا على القضاء على ظاهرة الأمية المستشرية في جزء كبير من جسد المجتمع المغربي؛ وعلى إقرار برامج سنوية منتظمة ترتبط بترجمة كتب ورصد الإمكانيات الضرورية لضمان عدد معقول من الإصدارات الجديدة. والواقع أن المغرب، وعلى غرار العديد من البلدان العربية؛ لا زال يتبوأ مكانة متدنية على مستوى النصيب الهزيل والمحتشم المخصص لهذا القطاع الحيوي.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *