«الدرع الميت» لوادي مرتيل.. آلاف السكان يجاورون مصبا للصرف الصحي والمياه الملوثة

«الدرع الميت» لوادي مرتيل.. آلاف السكان يجاورون مصبا للصرف الصحي والمياه الملوثة

حمزة سعود
«الدرع الميت» لوادي مرتيل يؤثر سلبا على الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة التي تقع بجهة طنجة الحسيمة.. مجموعة من قنوات الصرف الصحي بالمدينة تصب بالوادي، بعدما تحول ابتداء من تسعينيات القرن الماضي إلى بؤرة ومستنقع للأمراض والأوبئة، بسبب المياه الراكضة والروائح الكريهة المنبعثة.
بجانب «الدرع الميت» لوادي مرتيل، تقطن 14 ألف نسمة من الساكنة، بحي نشأت وحداته السكنية بشكل عشوائي، بمساعدة أعوان السلطة.. مصادر محلية وثيقة الاطلاع كشفت لـ «الأخبار» بأن مصلحة إثبات الإمضاءات ببلدية مرتيل صادقت على العديد من العقود العرفية التي تهم أراضي تدخل في نطاق الملك العام المائي الطبيعي، وساهمت في عملية التجزيء غير القانوني لأراضٍ غير مجهزة.
«الأخبار» عاينت ميدانيا حجم التلوث الناجم عن قنوات الصرف الصحي التي تصب في «الدرع الميت» لوادي مرتيل، والأضرار الصحية التي يسببها لساكنة جاورت المكان منذ عقود بسبب هشاشة وضعيتها الاجتماعية.. مزيدا من التفاصيل في التحقيق التالي.

يضطر العديد من الوافدين على مدينة مارتيل الساحلية، من السياح القاطنين بجوار حي الديزة أو الأحياء المجاورة لوادي مرتيل، إلى ترك المدينة أو تغيير الوجهة أياما قليلة بعد إقامتهم، نظرا للروائح الكريهة المنبعثة من المكان خاصة خلال الساعات الأولى من كل صباح.
حي الديزة الذي يعرف توافد عدد مهم من السياح للاستقرار في منازله ووحداته السكنية خلال فصل الصيف، يعيش على وقع زيارات متكررة للسلطات العمومية وآلات الحفر لهدم منازل عشوائية جرى بناؤها بين هوامش الحي قبل أشهر.
حي الديزة الذي تقطنه العديد من العائلات والأسر التي سارعت إلى بناء وحدات سكنية بشكل عشوائي، يتنفس سكانه هواء ممزوجا بروائح كريهة منبعثة من مياه راكضة بالواد. أرضية الحي مازالت شبه رملية، وتضم قطعا أرضية تجري فيها أشغال البناء.
«الأخبار» عاينت حي «الديزة» في ساعات متأخرة من الليل. عقارب الساعة كانت تشير إلى الحادية عشرة ليلا. المشهد بين أزقة الحي يشير إلى أشغال الحفر والبناء. قطع الآجور والإسمنت والقضبان الحديدية المخصصة للبناء تبدو بارزة في مشاهد مألوفة لدى ساكنة الحي.
في ساعات متأخرة من الليل، تغوص أزقة وشوارع حي الديزة، في الظلام نظرا لقلة الإنارة بالأزقة وشوارع المدينة.. ، حسب شهادات استقتها «الأخبار» من ساكنة «الديزة»، فحالات السرقة داخل الحي تعرف نشاطا خلال الساعات المتأخرة من الليل.
في الساعات الأولى من صباح الغد، عاينت «الأخبار» انبعاث روائح كريهة، من «الدرع الميت» لوادي مرتيل الذي يجري استغلاله من طرف العديد من الجهات للتخلص من النفايات الصلبة والسائلة ومجاري الصرف الصحي.
«الأخبار» عاينت أيضا وحدات سكنية ومنازل متوزعة داخل الحي، تًخصص خلال فصل الصيف للكراء، لفائدة السياح والوافدين على المدينة، مقابل حوالي 300 درهم لليلة الواحدة، في شكل من أشكال الاستغلال التي تطال البناء العشوائي.
المعلومات المتوفرة تشير إلى أن حي الديزة يؤوي أزيد من 14 ألف نسمة من السكان، لجؤوا إليه ابتداء من تسعينيات القرن الماضي، لبناء وحدات سكنية بشكل عشوائي وسري بعد الحصول على تراخيص لـ «الترميم والإصلاح» من السلطات العمومية.

أمراض وأوبئة
في حديث لـ «الأخبار» مع ساكنة حي الديزة، كشفوا عن وجود نقاط سوداء تزيد من تلوث الوادي، أبرزها وجود مصب لمجاري الصرف الصحي، بالإضافة إلى استيعاب الوادي لكميات مهمة من المياه الملوثة.
المصب المخصص لمجاري الصرف الصحي بوادي مرتيل، يشير أحد ساكنة الحي، الذين تحدثت إليهم «الأخبار»، إلى أنه من بين الأسباب الرئيسية التي كانت تساهم في إصابة الساكنة بالعديد من الأمراض الجلدية والحساسية.
ونتيجة لارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، يعيش ساكنة «الديزة» على وقع معاناة مع الروائح الكريهة المنبعثة من «الدرع الميت» لوادي مرتيل، بسبب النفايات السائلة والصلبة وقنوات الصرف الصحي.
حسب مصادر محلية، فقنوات الصرف الصحي تصب في مجاري «الدرع الميت» لوادي مرتيل، بالإضافة إلى وجود قنوات للصرف الصحي تصب في شاطئي مرتيل والديزة.
ويؤثر «الدرع الميت» لوادي مرتيل بشكل سلبي على الجاذبية السياحية للمدينة، بسبب الروائح الكريهة المنبعثة، كما أن العديد من الجمعيات البيئية تندد بالوضعية التي تعيشها الأحياء المجاورة، نظرا لاعتبار الوادي بمثابة بؤرة للأمراض والأوبئة التي تتهدد الساكنة.
وجرى رصد استثمارات مالية لتهيئة «وادي مرتيل» قيمتها 880 مليون درهم، لحماية مدينتي مرتيل وتطوان من خطر الفيضانات وتحسين ظروف عيش الساكنة وتهيئة وإدماج بعض الأحياء، بالإضافة إلى تخفيف الضغط العمراني بمدينة مرتيل.

تراخيص «غير قانونية»
كشف مصدر وثيق الاطلاع، بأن العديد من المنازل بحي الديزة بمدينة مرتيل، جرى تشييدها ليلا، فوق المياه الراكضة، للدرع الميت لـ وادي مرتيل، من طرف فرق متخصصة في بناء الوحدات السكنية بشكل سريع، مسخرة من مافيا العقار بالمدينة.
وأفاد نفس المصدر بأن العديد من الوحدات السكنية بحي الديزة، جرى تشييدها دون استجابتها للمعايير المعمارية، أهم هذه المعايير تخصيص قنوات للصرف الصحي، ومراعاة علو مباني السكنى، الذي تطور مع مرور السنوات.
نفس المصدر، أشار إلى أن الأعوان يساهمون في منح تراخيص للبناء، يتم استخلاصها من طرف الراغبين في الاستقرار بحي الديزة، مقابل مبالغ مالية، عبارة عن إتاوات ورشاوى تُمنح للمسؤولين والأعوان.
وأوضح المصدر نفسه، أن مافيا البناء العشوائي تتحكم في عمليات البناء بحي الديزة، علما بأن هذه اللوبيات تساعد السكان الجدد على استخلاص الرخص المتعلقة بالوحدات السكنية والمنازل بالمدينة، وفق عقود للبيع.
وأكد نفس المتحدث، بأن الحصول على رخص المباني المنتشرة بحي الديزة، يمر عبر بناء المنازل ليلا بشكل عشوائي، وتقديم رشاو للأعوان بالمدينة، من أجل الاستفادة من تراخيص لـ «إصلاح وترميم» منازلهم التي جرى تشييدها بشكل سري.
وتؤكد ساكنة «الديزة» بأن الأوساط الشعبية بالحي، مستعدة وقابلة بجميع الحلول التعاقدية المتعلقة بإعادة هيكلة الحي، وتزويد منازله بقنوات الصرف الصحي، محملين الدولة مسؤولية تردي الأوضاع بالمنطقة.

أرباح فلكية لمافيا العقار
عاينت «الأخبار» بحي الديزة، جوانب متعلقة بالزيادات الموسمية التي تُسجلها أسعار بعض الوحدات السكنية المخصصة للسياح والزوار الموسميين القادمين من مدن مغربية مختلفة. الأسعار تتراوح بين 200 و350 درهما لليوم الواحد، مع إمكانية توفير منازل مخصصة للكراء بأسعار أقل.
يحكي محمد (اسم مستعار لشاب رفض الكشف عن هويته) لـ»الأخبار» أنه يقصد مدينة مرتيل الساحلية، بفضل شاطئها المتميز، حسب وصفه، معتبرا بأن تشييد المنازل قرب الوادي، يؤثر سلبا على توافد السياح والزوار على المدينة، مشيرا في نفس الوقت إلى أن «الديزة» رغم ذلك، يستقطب فئات مهمة من الوافدين والسياح نظرا للتكلفة المالية المناسبة للكراء.
مالك أحد المنازل بحي الديزة، في حديثه مع جريدة «الأخبار» أفاد بأن الشقق السكنية المخصصة للكراء، تمتلئ عن آخرها خلال شهر غشت تحديدا، بفضل ارتفاع الطلب وانخفاض الأثمنة المخصصة للشقق السكنية. وكشفت مصادر محلية بالمدينة أن فئات واسعة من ساكنة حي الديزة تخصص شققا سكنية بغرض كرائها، فيما يعمد العديد من السكان إلى إضافة طوابق أخرى إلى المباني المُشيدة وترميمها استعداد لكرائها خلال فصل الصيف.
المصادر نفسها أوضحت بأن مافيا العقار، تنشط في مجال بناء المنازل بحي «الديزة» بغاية تخصصيها للكراء واستخلاص مبالغ مالية لقاء ذلك، الأمر الذي يساهم في انتشار المباني والوحدات السكنية التي يجري بنائها بشكل عشوائي بالمدينة.

وزارة وأعوان ووسطاء
حمّل تقرير للمرصد المحلي للنزاهة ومناهضة الفساد بمرتيل، وزارة التجهيز والنقل مسؤولية الاستنزاف المستمر والتدمير الممنهج لشاطئ «الديزة»، بعد استغلال رماله في بناء الوحدات السكنية بشكل عشوائي بأحياء غير مهيكلة بالمدينة.
الوحدات السكنية التي يجري بناؤها بحي الديزة، تتم ليلا وفوق أرضية مائية.. حسب مصادر محلية، فخلال ساعات متأخرة من الليل يعمد أصحاب المنازل المنتظر بناؤها أو إصلاحها، في الشروع في عمليات التشييد، بشكل عشوائي، دون أدنى استجابة للمعايير والشروط المعمارية المُعتمدة.
حسب ما عاينته «الأخبار» بحي «الديزة» المجاور للدرع الميت لـ «وادي مرتيل» فالحي يعيش على إيقاع ضعف في الموارد والخدمات الأساسية، من مجاري الصرف الصحي والماء والكهرباء.
في تقرير عن المرصد المحلي للنزاهة ومناهضة الفساد بمرتيل، أشار إلى أن حي الديزة مازال يعاني من غياب تصميم للتهيئة العمرانية، وتلوث المياه الراكضة بمنطقة «الدرع الميت» لـ «وادي مرتيل»، وعدم خضوع المباني لأية ضوابط عمرانية، متعلقة بالمسافة الفاصلة بين المباني، وعلوها الأدنى والأقصى.
نفس التقرير سجل وجود استنزاف مفرط لرمال شاطئ «الديزة» في بناء المنازل والوحدات السكنية الجديدة في أحياء غير مهيكلة، خاصة حي «الديزة» الذي تحول إلى بؤرة لاستقبال المهاجرين الوافدين إلى المدينة.
وأورد التقرير الذي أنجزه المرصد المحلي للنزاهة ومناهضة الفساد بمرتيل، وجود أساسات لبعض المباني المهيئة للبناء وسط الملك العمومي المائي لوادي مرتيل، وترك المتضررين من عمليات هدمها في العراء دون توفير حماية أو مأوى بعد هدم مساكنهم.
وأشار تقرير المرصد، إلى تعدد الوسطاء في تسهيل عملية البناء من طرف أعوان السلطة وأعضاء المجلس البلدي لمرتيل والسماسرة والمضاربين، وتوفر ساكنة الحي على عقود بيع وشراء لقطع أرضية بحي الديزة، مصادق عليها من طرف مصلحة إثبات الإمضاءات ببلدية مرتيل.
وحسب التقرير نفسه، فثمن القطع الأرضية يتراوح بين 9 آلاف و50 ألف درهم، بمعدل 250 درهما للمتر المربع، الأمر الذي يدفع العديد من المهاجرين إلى الاستقرار بالحي، بعد تقديمهم رشاوي لفائدة الوسطاء، تتراوح قيمتها ما بين ألف و5 آلاف درهم.
ويؤكد سكان حي الديزة، بأنهم تعرضوا للابتزاز والتهديد والإغراء، قبل اختيارهم الاستقرار بحي الديزة، فيما تعهد الساكنة بالانخراط في أي عمليات لإعادة الهيكلة تحفظ حقهم في السكن اللائق.

منعم أولاد عبد الكريم : «الثروة الرملية لشاطئ الديزة تُستنزف من قبل مافيا العقار»
كشف منعم أولاد عبد الكريم، الرئيس المؤسس وعضو المرصد المحلي للنزاهة ومناهضة الفساد بمرتيل، بأن العديد من قنوات الصرف الصحي مازالت تصب في الدرع الميت لوادي مرتيل المجاور لحي الديزة.
وقال الرئيس المؤسس للمرصد، إن الدرع الميت لـ»وادي مرتيل» بات مرتعا للحشرات والأوبئة والمياه الملوثة القادمة من مجاري المياه بالمدينة، مشيرا إلى أنه بات عبارة عن مستنقع للنفايات الصلبة والسائلة.
نفس المتحدث أشار إلى أن المرصد سجل، انفجار إحدى قنوات الصرف الصحي في وجه المصطافين بشاطئ مرتيل، مؤكدا بأن الثروة الرملية للشاطئ تعرف استنزافا مستمرا بسبب استغلالها في بناء العديد من المنازل السكنية بأحياء عشوائية بالمدينة أبرزها حي الديزة.
واعتبر نفس المتحدث، بأن مشروع تهيئة وادي مرتيل من المنتظر أن يعيد الحياة إلى الدرع الميت للوادي، إلا أنه مازال متعثرا، مشيرا في نفس الوقت إلى أن الحي مهدد بالفيضانات ويفتقر لمركز للشرطة كما يفتقد لمعايير معمارية محددة بخصوص المنازل والوحدات السكنية بحي الديزة.
وأفاد نفس المتحدث، بأن حي الديزة الذي نشأ خلال تسعينيات القرن الماضي، كان عبارة عن منطقة لا أثر فيها للحياة البشرية، وكانت تستقطب العديد من الشركات المتخصصة في تصبير لحوم «الحوت» والسمك.
وأشار منعم أولاد عبد الكريم، إلى وجود أكثر من 14 ألف نسمة تقطن حاليا بحي الديزة، عائلات مهمة من هذه الساكنة تشتكي غياب قنوات الصرف الصحي والأمن ومجموعة من المرافق الصحية.
وخلص عضو المرصد المحلي للنزاهة ومناهضة الفساد بمرتيل، إلى أن أعوان السلطة بالمدينة يساهمون في انتشار السكن غير اللائق بأحيائها الهامشية والتي يجري استغلالها من طرف مافيا البناء العشوائي.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة