الرواية الأخرى لـ«صوت الشعب» هكذا يكشف البسطاء وسكان المناطق النائية عن تطلعاتهم

الرواية الأخرى لـ«صوت الشعب» هكذا يكشف البسطاء وسكان المناطق النائية عن تطلعاتهم

«بغيت مدرسة ديال بصح»…
«أقطن بدوار تمنصورت نواحي ورزازات، أستيقظ صباحا باكرا وأقطع مسافة طويلة لأصل إلى المدرسة. نادرا ما يأتي المعلم، وحين يأتي يكون عصبي المزاج، في منزلنا يوجد تلفزيون، أريد أن أكون في المدينة، حيث رحل أغلب أصدقائي مع آبائهم، صديقي الوحيد الذي بقي في الدوار قال لي إن هناك بلدا آخر أفضل من المدينة، نذهب إليه بالطيارة، هناك توجد مدرسة جيدة، ومعلم يعامل التلاميذ جيدا، ولعب كثيرة. في الإجازة المدرسية، نقضي الوقت وصديقي في الركض، الدوار يكاد يكون فارغا من سكانه، لا يوجد مع من نلعب، أحضر لي خالي دراجة هوائية نذهب على متنها إلى المدرسة، وفي الإجازة نطوف الدوار بها، وحين نمل نأتي إلى هنا حيث «العين»، ونتسلى بالبحث عن السمك الصغير التائه بين المياه القليلة فنصطاده بأيدينا. أرى والدي كيف يأتي إلى هنا رفقة رجال الدوار للبحث عن الماء حين يضرب الجفاف البلاد، لا أريد أن يأتي يوم أضطر فيه إلى حمل الفأس للحفر بحثا عن الماء، بدل حمل حقيبتي والذهاب إلى مدرسة ليست بعيدة، ويستقبلني فيها معلمي بابتسامة مرحبة».

«اهتموا بالسياحة حتى لا ينقطع رزقنا…»
«عمري 16 سنة، أقطن بمرزوكة وأشتغل جمالا، أقود الجمال التي يمتطيها السياح الأجانب والمغاربة الذين يأتون إلى هنا من أجل قضاء بضع ليال في الصحراء. أحوال الطقس لا تكون دوما مناسبة لتنظيم الرحلات إلى داخل الصحراء، وبالتالي فرزقنا متوقف على أحوال الطقس، لكن هذا يمكن الصبر عليه، ما لا نصبر عليه هو الإهمال لقطاع السياحة. يأتي إلينا سياح من كل بقاع العالم، تعلمت عددا من الكلمات من لغات مختلفة، نستمع إلى قصصهم، وأيضا إلى شكواهم، وكلما سمعت شكواهم شعرت بأن قلبي سيتوقف من الخوف، فأنا أمام شخص هو مصدر رزقي، وأنا أعيل أطفالا كثرا هم إخوتي زائد والدي ووالدتي، أي إهمال في حق السياحة، وفي حق السياح، هو إضرار بنا، ليس نحن فقط الذين نمتهن الإرشاد في الصحراء، بل أيضا أصحاب سيارات الدفع الرباعي، حين تم رفع سعر البنزين والضريبة على سيارات الدفع الرباعي، لم يأخذ صاحب هذا القرار المجحف بعين الاعتبار أن ليس كل مالك لسيارات مثل هاته، هو بالضرورة رجل ثري، فكثير من أبناء المنطقة دفعوا الغالي والنفيس من أجل امتلاك سيارة من هذا القبيل، يؤجرونها لأصحاب وكالات الأسفار التي تنظم رحلات في المناطق الوعرة، أي زيادة على أصحاب الوكالات تضر بنا نحن أيضا، أي إهمال في السياحة يضر بنا نحن أيضا… فلماذا هذا الإصرار على الإضرار بنا؟».

«بغيت طريق تحمينا من الفيضان ومن العطش»
«أقطن بدوار تمنصورت نواحي ورزازات، ورزازات معروفة في العالم، لكن ما لا يعرفه العالم أن في داورنا أناسا يموتون بسبب الماء، إما عطشا حين يضرب الجفاف البلاد، وإما غرقا حين يضرب الفيضان هذه الأرض. نحن نحمد الله ونشكره على كل شيء، ولا نعترض، لكن حين نرى أن العبد يمكنه فعل شيء ولا يفعل، فهذا ما يوجعنا. مرشحون سياسيون لا يأتون إلى هذا الدوار إلا وقت الانتخابات، كل الأطياف السياسية مرت من هنا، وكلها وعدتنا بأنها ستهتم بالدوار وبسكانه، لكن وعودهم كانت كاذبة، كل الأحزاب بدون استثناء. نحن لم نطلب الكثير، هناك شباب عاطلون في الدوار، هناك أطفال لا يجدون طريقا إلى المدرسة، كل هذا نصبر عليه، لكن أن نعيش كل يوم تهديدا بالموت غرقا أو الموت عطشا، فهذا ما يفوق صبرنا. كل سنة نضطر إلى أن نتجمع في هذا المكان، رجالا وأطفالا وشيوخا كل من بلغ القدرة على الصوم يجتمع هنا من أجل الحفر بحثا عن مياه تروي عطشنا، نحفر وقد نجد الماء وقد لا نجده، كثير منا أغمي عليه وهو يحفر، ولا إسعاف ولا مستوصف قريب من هنا، نسعف فاقدي الوعي ببعض المياه والسكر، والكثير من الدعوات. نحفر كثيرا حتى نجد عين الماء، ونذهب إلى منازلنا قلقين، ففي أي لحظة يمكن أن تمطر أمطارا فيضانية لا تذهب فقط بما حفرناه، بل قد تذهب بأرواحنا جراء الفيضان.
مرشحون كثر مروا من هنا وطلبنا منهم طلبا وحيدا، أن يشيدوا طريقا تسهل مرور المياه بدل اختناقها فتتحول إلى فيضان يجرفنا، وبدل هدرها فلا نجدها حين يضرب الجفاف أرضنا. لكنهم أمطرونا بالوعود، وتركونا نعاني وحدنا خوفنا من الموت عطشا، أو الموت غرقا».

«بغيت نخدم بلا ما نخاف»
«أسكن قريبا من عيون أم الربيع، في فترة البرد لا نجد شيئا نفعله، لذلك ننتظر الربيع والصيف، نأتي إلى هنا حيث بداية الشلال، ونضع جسرا خشبيا نكتب بجواره «ثلاثة دراهم» في لافتة من «الكارطون»، ونعلقها بين الصخور، يفهم السائح المار من هنا أن عليه أن يدفع لنا مبلغ ثلاثة دراهم من أجل المرور إلى حيث الشلال، هناك من يدفع على أساس أنه يقدم لنا مساعدة، وهناك من يرفض الدفع على أساس أننا نقوم بشيء غير قانوني، وهناك من يتشاجر معنا ويهددنا بالشرطة. نقف بين اللافتة والجسر في انتظار الثلاثة دراهم وفرائصنا ترتعد خوفا من أن يكون بين المارين شخص سيتسبب في قطع مصدر رزق ننتظره كل ربيع وصيف. أريد أن أعمل دون أن أشعر بأي خوف، هذا مصدر رزق اختلقته بنفسي، ومع ذلك لا أنعم به».

«بغيت منتزه لا يقفل لا نهارا ولا مساء»
«أنا بائع غزل البنات منذ سنوات، آتي إلى هنا عشية كل يوم، أقف بجوار هذا المنتزه القريب من محطة القطار بمراكش، أبيع غزل البنات للصغار والكبار، ولا يقطعني عن العمل سوى واجب الصلاة، أترك عدتي هنا أمام المنتزه وأتوجه إلى المسجد. أنا راض بما قسمه الله لي من رزق، لكن ما يحزنني كثيرا هو حين أسمع صفارة حارس المنتزه تعلن عن حلول وقت إقفال المنتزه. لماذا يقفلونه؟ أين سيذهب هذا الرجل وهذه المرأة اللذان خرجا مساء من أجل التنزه؟ سيذهبان إلى المقهى؟ إلى الساحة؟ إلى منزل أحد الأهل؟ هذه الخيارات التي بقيت لهما، لكن هما يريدان القدوم إلى المنتزه والتمتع بجمال خلق الله، الله خلق هذا الجمال، والعبد يمنعه عن باقي العباد. بأي حق؟ يمكن لهم أن يوفروا رجالا لحراسة المكان من المفسدين، لكن أن يمنعوا الدخول إلى المنتزه فهذا أمر مجحف، لو كان الذي اتخذ هذا القرار يملك حديقة يتنزه فيها كما يشاء، فالله يزيدو، لكن ليس كل الناس يملكون هذا الأمر، والله رزق من لا يملكونه مثل هذا المكان ليتنزهوا فيه رفقة عائلاتهم، أطفالهم، أو حتى وحيدين، لكن العبد اختار أن يضيق على العباد ما منحه الله لنا، نريد منتزها يفتح طوال اليوم والليل، نريد مكانا نروح فيه على أنفسنا بعيدا عن ضيق المساكن».

«بغيت مكان ترفيه خاص بالمتقاعدين»
«أقطن في مدينة سلا، تقاعدت في سن مبكرة، ومنذ ذاك الوقت لا أجد مكانا أرفه فيه عن نفسي، لا أحب الجلوس في المقاهي، ومللت منها. أبنائي كبروا وكل واحد منهم ملهو في مشاغله، وزوجتي تدير المنزل، وأجد لدي الكثير من الوقت ولا أعرف ماذا أفعل به. أحب لعب «ضاما»، آتي إلى هنا في ساحة الحي لألتقي بعشاق «ضاما» مثلي، نقضي الوقت في لعب شيء نحبه، لكن حين تمطر أو تكون الشمس حارقة أو البرد قارسا، نحرم من هذه المتعة، يصعب علينا لعب «ضاما» في الساحة غير المغطاة. أحزن للأمر، وأقول لنفسي دوما: ماذا لو كانت الساحة بها بضعة أماكن مخصصة للعب «ضاما» ومغطاة تقي اللاعبين من تقلب أحوال الطقس، ولا تحرمهم من المتعة الوحيدة التي يكسرون بها ألم التقاعد؟ نريدهم أن يعتنوا بالمواطن المتقاعد، نريد أن نشعر أن تقاعدنا هو بداية حياة جديدة لنا، وليس نهايتنا».

«بغيت حفيدي يعيش في ظروف أحسن من ظروفنا»
«أقطن غير بعيد عن معتقل اكدز، عشنا ظروفا قاسية حتى ونحن لا علاقة لنا لا بالاعتقال ولا بالسياسة ولا بالمعتقلين، لكن تواجدنا بالقرب من المعتقل كان بمثابة حظر تجول علينا وعلى أبنائنا. اليوم، يقولون إن الظروف تغيرت، هذا ما نتمناه، لكن لا نرى شيئا قد تغير، نحن هنا كل واحد فينا يتكفل بالآخر، العائلة، الأهل، القبيلة، كل واحد خرج من هذا المكان لا بد وأن يساعد الباقين.. لا نعرف جهة أخرى يمكن أن تساعدنا، حين أمرض يأتي ابني ليأخذني إلى المستشفى، يأتي أخي ليساعدني ببعض المال، تقتني عائلة زوجتي لنا بعضا من الأكل والشرب، من زيت ودقيق وسكر وشاي، نقضي به أمورنا.. أحيانا نرى مرشحين يأتون إلينا طالبين أن نعطيهم صوتنا، لا أعرف ماذا يريدون أن يفعلوا به، فأنا لا أراهم بعد ذلك. ما أريده أن يكون مستقبل حفيدي أفضل بكثير مما عشناه نحن والآباء، لا أريد أن يهاجر حفيدي كما اضطر أغلب أبنائي لأن يفعلوا.. أريد أن أستمتع بأبنائي وأحفادي وهم بجواري، لا أن يضطروا إلى الهجرة من أجل المال والصحة والرعاية والعناية الحسنة. لا أعرف كيف، فالله وحده من يعلم، لكن أريد لحفيدي أن يعيش مستقبلا أفضل بكثير».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *