الرواية الأخرى لـ«ملف الصحراء»

الرواية الأخرى لـ«ملف الصحراء»

سيد طلال، في نظركم ومن موقعكم كخبير استراتيجي، ما هي الأخطاء التي ارتكبها المغرب في ملف الصحراء؟
لا أريد الحديث عن الأخطاء، فالكل يتحدث عن الأخطاء، لذلك أفضل الحديث عن مقترحات يمكن أن يكون لها تأثير إن هي طبقت كما يجب، وألخصها في محورين أساسيين يجب علينا كمغرب أخذهما بعين الاعتبار للمساعدة في حل قضية الصحراء.
أولهما، ما نسميه بالإنجليزية «Delegitimisation «، وهي تعني إطلاق حملة الهدف منها تهميش عدد من المواقف أو الآراء السياسية من أجل نزع أو رفع الشرعية.
هناك أمور ليست لها شرعية، وليست بالضرورة شرعية قانونية، بل هي أشياء لا يمكن ترديدها في الفضاء السياسي، مثلا في العالم لا يمكن الحديث عن القتل أو المجازر بطريقة إيجابية.
مثال آخر وهو أنه لا يمكن لأحد في دوائر القرار السياسي في العالم، أن ينكر الحقيقة التاريخية للهولوكوست، وإن فعل لحظتها ستنزع عنه المصداقية، بل أكثر من ذلك سترفع عنه الشرعية، والرأي العام لن يأخذه بجدية.
نحن في المغرب، وصلنا، بالنسبة لملف الصحراء، إلى مستوى يستوجب ضرورة رفع الشرعية عما يسمى «الاستفتاء».

  • هل تقصد تنحية الاستفتاء كحل من الحلول المطروحة في قضية الصحراء؟

ما أعنيه أن دوائر القرار في ملف الصحراء يجب أن تشن هجوما على أي جهة أو شخص يرى في مسألة الاستفتاء الحل الوحيد أو حتى واحدا من الحلول المطروحة. يجب أن يصبح هذا هدف المغرب للسنوات القادمة، وقتها، حين تزيح الاستفتاء كأداة من الأدوات التي تطرحها لحل مشكل الصحراء، يبقى أمامك حل واضح وهو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

  • لكن حين أثارت تصريحات بان كي مون الأخيرة المغاربة دولة وشعبا، ذهب بعض المحللين السياسيين والمتحزبين المغاربة، إلى أن المغرب تسرع في طرح الحكم الذاتي كحل بديل، وأنه كان اقتراحا سابقا لأوانه، حتى أن بعضهم قال وقتها إن الاستفتاء هو حل أكثر نجاعة من مقترح الحكم الذاتي..

طريقة التفكير هاته خاطئة، لأنه لا يمكن القول إن علينا أن نبقى تابعين لقرار ولحل لم يثبت نجاعته ولن يثبته. لذلك فمقترح الحكم الذاتي بديل قوي وبديل له مصداقية، وفي نظرنا يجب الاستمرار في هذا الطرح، وأن يبقى المغرب بسلطة على الصحراء، وبلدا آمنا داخل حدوده بما فيها الصحراء.
وبما أن سؤال الاستفتاء لا يزال مطروحا كحل لملف الصحراء، فهو يعني أن هؤلاء المدعمين للاستفتاء يساهمون مباشرة في الوضع الكارثي لأكثر من مائة ألف شخص متواجدين في تندوف بدون مستقبل، هذا إجرام في حق هؤلاء الناس، والمغرب يجب أن يفهم المنظمات الدولية، خاصة التي تتحدث بلغة حقوق الإنسان وتدعي النضال من أجل ما تسميه «حقوق الشعب الصحراوي»، أنه لا يحق لهم الحديث عن حقوق الإنسان ما داموا لا يتحدثون عن هؤلاء الصحراويين المتواجدين في تندوف، وحينها لن تكون لدى هؤلاء النشطاء لا مصداقية ولا شرعية.

  • حسب هذا المفهوم، فحتى المغاربة الذين يرون في الاستفتاء حلا ممكنا، هم أشخاص يساهمون في ما وصفته بـ»الإجرام» بسبب المتواجدين في مخيمات تندوف؟

نعم، أي شخص يتحدث عن الاستفتاء أو يطرحه كحل أو يرى فيه أنه حل ممكن، هو شخص يساهم في هذا الإجرام الذي يطول المتواجدين بمخيمات تندوف، والأمين العام للأمم المتحدة حين كان في تندوف، كان يرى أناسا يعيشون في وضع كارثي، ما كان على بان كي مون فعله هو أن يتساءل لماذا هؤلاء الناس يعيشون في هذا الوضع؟ ولو كان منح نفسه بعضا من الوقت وفكر في سبب هذا الوضع، لوجد الجواب في أننا نتبع طريقا لا تؤدي إلى حل مشكل هؤلاء الناس وتحسين وضعهم، بما يليق بكرامة الإنسان، لأن الاستفتاء غير قابل للتطبيق.

  • في نظركم، لماذا هو غير قابل للتطبيق؟

المغرب حاول مع الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة أن يطبق الاستفتاء ولكن واجهته عراقيل واقعية، من قبيل أن أول قاعدة للاستفتاء أن تعرف من يستفتى، فليست هناك طريقة تعرف بها من هو صحراوي ومن هو غير صحراوي، ومن ينتمي لمنطقة الصحراء المتنازع عليها ومن لا ينتمي. والبوليساريو قدمت أسماء أشخاص وقبائل تنتمي للصحراء الموريتانية والجزائرية، والمغرب قدم أشخاصا وصفوا من قبل البوليساريو بأنهم غير صحراويين.
هذا من ناحية، وحتى إذا كان هناك استفتاء، فكيف يمكنك أن تتصور أشخاصا عاشوا لأكثر من أربعين سنة في مكان منغلق شبيه في انغلاقه بانغلاق سكان كوريا الشمالية، أغلب هؤلاء الأشخاص هم واقعون تحت تضليل إعلامي تربوي واجتماعي مغرض يقوم على الحقد على المغرب. هؤلاء الناس لا يعرفون ما هو المغرب، كيف ستختار بلدا تجهل عنه الكثير ولا تعرف عنه إلا ما قدم لك منذ صغرك؟ وأنت تتعلم أن تكره هذا البلد، فكيف ستقوم بالاختيار المناسب؟

  • تحدثتم عن وجوب شن حملة من المغرب لرفع الشرعية عن الاستفتاء، في نظركم كيف يمكن ذلك؟

صناع القرار في العواصم الدولية ليسوا بالضرورة مهتمين بموضوع قضية الصحراء، ولن يبذلوا أي جهد من أجل الاهتمام به. لهذا وحده المغرب مطالب ببذل كل الجهود من أجل التأثير في موقف النخب الدولية.
على المغرب أن يربط في حملته هاته بين تشبث بعض الدوائر بالاستفتاء كحل شرعي للقضية الصحراوية، والوضع الكارثي للمتواجدين بتندوف. على المغرب أيضا أن يعي أن هذا عمل ليس سياسيا أو دبلوماسيا فقط، بل عمل فكري، عمل على النخبة المفكرة أن تروج له، وبعدم فاعلية الاستفتاء، وبوقوف الاستفتاء وراء الوضع الكارثي في مخيمات تندوف، النتيجة ستكون ما نسميه بالإنجليزية «Paradigm shift»، بمعنى أنها ستخلق تحولا جذريا في الرؤية التقليدية لدوائر القرار في حلحلة النزاعات أينما كانت، بما فيها قضية الصحراء.

  • تحدثتم عن أنكم ترون أن حل نزاع الصحراء يبدأ من محورين: أولهما رفع الشرعية، ماذا عن المحور الثاني؟

ثاني محور مهم يجب الأخذ به في استراتيجية حل نزاع الصحراء، هو ما يطلق عليه بالإنجليزية «lawfare»، وتعني «حرب القانون»، والمقصود به استعمال القانون كأداة في الحرب كما يستعمل الجنود والجيوش والأسلحة في الحرب التقليدية، كذلك يجب على المغرب أن يفهم أن عليه شن حرب القانون هاته.
العالم يتوجه يوما بعد يوم نحو القانون، وشرعية القانون، وقوة القانون الدولي، ونحن علينا أن نستعمل قوة القانون، لأنهم هم يشنون حربا قانونية ضدنا، ونحن أيضا علينا أن نتعلم قواعد هذه الحرب ونشنها بدورنا وبقوة. على المغرب أن يشن حربا قانونية في أي مكان ذكر فيه اسم المغرب بطريقة سلبية، أو عولج فيه ملف الصحراء بطريقة لا تلبي مصالح المغرب.

  • في نظركم، ما الذي على المغرب فعله لشن الحرب القانونية هاته؟

هناك مجموعة من الخطوات الاستراتيجية التي يمكن للمغرب أخذها في حربه القانونية، على سبيل المثال، على المغرب أن يقوم بحملة تستند على القانون الدولي لإحصاء المتواجدين بمخيمات تندوف، وكذلك على المغرب أن يشن حملة قانونية ضد البوليساريو لتنحية ما يسمى «الجمهوية الصحراوية» من عضوية الاتحاد الإفريقي، فمن الناحية القانونية هذه الجمهورية لا تتوفر على مواصفات الدولة حسب تشريعات القانون الدولي، وبالتالي فعضويتها في الاتحاد الإفريقي ليست قانونية.
على المغرب أن يتعلم كيف يهاجم بالقانون، لا أن ينتظر هجومهم ثم يعمد إلى الدفاع، المغرب هو من عليه شن هجوم متواصل وحرب قانونية مستمرة.

  • لكن، هل يسمح الوضع العالمي والإقليمي والداخلي للمغرب بأن يتخذ موقف الهجوم؟

كثيرون يقولون إن المغرب لا زال قوة ناشئة ولا يملك بعد القوة حتى يتحول من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم، مثلما تفعل الجزائر التي تختار دوما الهجوم.
لا أعتقد أننا دولة أضعف من الجزائر، بالعكس نحن دولة تتمتع بالاستقرار الذي هو أمر نادر في كثير من البلدان المجاورة، وباستقرار اقتصادي لا يتواجد حتى في بعض الدول الأوروبية.
المغرب دولة ناشئة ولديها مستقبل، لكن إن كان هناك من موضوع أهم للمغرب من أي شيء، فهو قضية الصحراء. ليس لدينا فقط الاستقرار السياسي والاقتصادي، ولكن أيضا شرعية تسمح للمغرب، بل تفرض عليه القيام بالهجوم، وعلى المغرب أن يعي أن شن حرب هجومية قد يكون أقل تكلفة بكثير من اتخاد موقف دفاعي، موقف الهجوم هو أكثر نجاعة للتطرق لقضية الصحراء دوليا.

  • التطرق إليها أم حسمها؟

مع كامل الأسف، لا يمكن الحديث عن الحسم، فلا زال الطريق طويلا أمام قضية الصحراء، هذا يعني أيضا أنه لا زالت هناك عقبات كثيرة أمام ملف الصحراء تستلزم صبرا وحنكة في معالجته. نحن محتاجون لهذا الوقت لبدء استراتيجية مكثفة لتنمية الصحراء، وتحويلها إلى عضو اقتصادي قوي في المغرب، الذي يجعل وضع حقائق على الأرض ويشكل خيارا استراتيجيا أمام من لا زالوا تحت تأثير وهم الانفصال.

  • لكن هذه الحقائق على الأرض تستفز الجزائر والبوليساريو فتمارس الأولى ضغوطاتها على الاتحاد الأوروبي وأيضا أمريكا ودول أخرى، وتحرك آلتها الدبلوماسية في كل مكان من أجل وقف تنمية المغرب اقتصاديا لصحرائه، بدعوى أن المغرب بلد مستعمر؟

نعم صحيح، يجب أن نكون مستعدين لذلك، ولهذا أعود إلى النقطة التي تحدثت عنها، وهي أن علينا أن نبادر إلى شن «حرب القانون»، وتطوير الدرع القانوني للمغرب، وهذا ما سيسمح للمغرب بالاستمرار في مسيرته الاقتصادية والتنموية، علينا أن نكون مهاجمين حتى لا نترك مجالا للجزائر ولا البوليساريو في مسعاهما بعرقلة المسيرة الاقتصادية للمغرب ولصحرائه.

  • سيد طلال، عملت في عدد من المؤسسات الاستراتيجية بأمريكا، من موقعك الآن كخبير استراتيجي، وفي ظل استعداد أمريكي للانتخابات الرئاسية، من الأصلح لقضية الصحراء ترامب أم كلنتون؟

مهما كان الرئيس القادم ترامب أم كلينتون، على المغرب أن يشن حملة تخدم قضيته الوطنية الأولى، فحلها لا يتعلق بالرئيس الأمريكي القادم بل بما يبذله المغرب من مجهود في الترويج لقضيته وحلها لصالحه.
حقيقة إن كلينتون كشخص متعاطفة مع المغرب، لكن يجب أن نفهم عقلية الأشخاص الذين قد يلتحقون بإدارة هيلاري كلينتون، لا يمكن أن نعرف من سيكونون، قد لا يكونوا بالضرورة متعاطفين مع الجزائر، لكن ليس معنى هذا أنهم سيكونون متعاطفين مع المغرب، هم سيتبعون التقارير التي ستمررها لهم الإدارة التي كانت مرافقة لأوباما. هناك أيضا أشخاص بيروقراطيون لن يتغيروا، وهناك أناس سيبقون متواجدين لأن لديهم علاقة بأوباما وبهيلاري، قد لا يقومون بشيء ضد المغرب، ولكن ليس معنى هذا أنهم سيقومون بشيء يفيد المغرب، حتى لو لم يكن لديهم أي موقف معارض لبلدنا ولقضية الصحراء.
لذلك، على المغرب أن يفهم أن القرار في حسم مصير ملف الصحراء لصالح المغرب، هو في يده وحده وليس في يد أي دولة أخرى او جهة أخرى، لذلك أعود لما قلته في بداية الحوار أنه لا بد من رفع الشرعية عن الاستفتاء من سلة الحلول المطروحة.

  • في الختام، سيد طلال، ما هي الخطوات الاستراتيجية التي ترى أن على المغرب القيام بها للتأثير في صناع القرار في أمريكا من أجل موقف لصالح المغرب في قضية الصحراء؟

العاصمة واشنطن من أكثر عواصم العالم انفتاحا، بمعنى أنها متقبلة للآراء الجديدة، وفيها ما يكفي من معاهد تفكير، ومعاهد التفكير هاته هي نفسها حاضنة لهذه الأفكار التي تتحول في ما بعد لسياسة. معاهد تفكير كثيرة وقوية وجامعات ومفكرون ونخب، وكلها تتواصل مع بعضها البعض حتى مع صناع القرار في أمريكا، مثلا تفكير أوباما في ما يخص الشرق الأوسط، هو عصارة لنقاشات أساتذة الجامعة في شيكاغو، ستفهم أن أوباما أنصت لهؤلاء ويطبق السياسة إذا أردت أن تعرف ماذا فعل وماذا لم يفعل في سوريا أو بورما أو تركيا، ستستمع للشخصيات المفكرة في معاهد التفكير، وستجد أن هذا المحاضر الفلاني أو العلاني تحدث فأنصت إليه أوباما وأخذ بما يقوله.
ومع ذلك، فمعاهد التفكير هاته لا يجب التعامل معها كزبون، لكن كمناظر فكري يقدم حلا جديدا بديلا عما يسمى «حل الاستفتاء».
كثيرون في الغرب يطرحون مسألة الاستفتاء، في أغلب الأحيان، بشكل اوتوماتيكي، كما رأينا في بريكسيت والكيبيك واسكتلندا، ولكن هذا الاستفتاء احتكر المخيلة الفكرية للنخبة السياسية والفكرية، وهذه فرصة المغرب لأن يظهر للعالم أن الاستفتاء ليس بالضرورة أن يكون جيدا، بل أحيانا كثيرة بدل أن يكون جزءا من الحل يتحول في حد ذاته إلى مشكل.
المغرب لديه فرصة لأن يلفت انتباه الغرب، ويلقي الضوء على «عدم شرعية حل الاستفتاء»، ويظهر أن هناك حلولا بديلة للغرب، وكذلك لعدد من الدول الإفريقية والآسيوية التي تعاني الآن، أو ستعاني في المستقبل من المصير الكارثي نفسه بسبب ما يسمى «الاستفتاء».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *