CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
970 250x

الرواية الأخرى لـ «قانون الفنان»

الرواية الأخرى لـ «قانون الفنان»

عقد الفنانون المنتمون إلى «النقابة المغربية لمحترفي المسرح»، وهي أكبر نقابة تمثيلية للفنانين الدراميين (المسرح السينما التلفزيون) في المغرب، وعضو في الفيدرالية الدولية للممثلين وفي لجنتها التنفيذية، مؤتمرهم الاستثنائي يومه السبت الثالث من سبتمبر استعدادا لعقد المؤتمر العادي بهدف تجديد هياكل النقابة واختيار النقيب القادم. ويأتي عقد مؤتمر نقابة الفنانين بالتزامن مع استعداد المغرب لانتخابات تشريعية يتصارع أطرافها على كل وسائل الاستقطاب والفن أكثرها استعمالا، وبعيد المصادقة بالإجماع على تعديلات طالت قانون الفنان بالبرلمان، ومع ذلك خلقت هذه المصادقة جدلا كبيرا في وسط الفنانين.
الدكتور مسعود بوحسين، نقيب الفنانين، ويوصف أيضا بـ«العقل المدبر» للتعديلات التي عرفها قانون الفنان، يخص جريدة الأخبار بـ«الرواية الأخرى» التي لم ترو بعد عن هذا القانون الذي أثار جدلا كبيرا.

  • حصل قانون الفنان على المصادقة البرلمانية بالإجماع في وقت سياسي تميز باقتراب الانتخابات وصراعات سياسية قوية وفي مجال حساس وهو الفن، ما سر هذا التوافق؟

لم يكن أمر استكمال مسطرة المصادقة على مقترح القانون رهينا بأية ظرفية سياسية، إذ أن مرحلة ما قبل الانتخابات عادة ما يتم فيها الإسراع بإخراج القوانين المتبقية التي تطلبت مدة طويلة، بل وكما هو مرجح كثيرا ما يقوم البرلمان حتى بتنظيم دورة استثنائية لكي لا تبقى العديد من القوانين معلقة، ولاسيما حين تكون عبارة عن مقترحات قوانين وليست مشاريع قوانين بمعنى أنها صادرة عن المؤسسة التشريعية بحيث يتطلب بقاؤها معلقة ضرورة وجود فريق أو فرق تتبنى المقترح من جديد مع تشكيل برلمان جديد.
ثانيا المصادقة على مقترح تتميم وتغيير قانون الفنان بالإجماع نزعت عنه إمكانية أي تأويل سياسي ضيق لسببين: الأول لأنه مقترح قانون وضع باسم الأغلبية البرلمانية وثانيا لأن مسطرته التشريعية عرفت مشاركة إيجابية للمعارضة في غرفتي البرلمان معا وتجلت في المصادقة بالإجماع في كل مساره التشريعي. وهذه إشارة مهمة أن هذا الملف لم يقحم في أية مزايدة أو صراع أو تدافع سياسي وهذا أمر إيجابي نظرا لوضعية الفن الحساسة كما أشرت.

  • لكن هل كانت هناك حاجة فعلية لإجراء هذه التعديلات أو لإخراج قانون فنان في حلة جديدة؟

كانت الحاجة إلى قانون الفنان ملحة في الوقت الراهن بالذات بسبب تزايد الشكاوي والتظلمات التي تصدر عن العديد من الفنانين زيادة عن الحالات الاجتماعية التي تظهر من حين لأخر على فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، وهي في الواقع ليست سوى جزء يسير من حالات عديدة تفضل الصمت والتحمل وتخشى إظهار تذمرها خوفا من أن تفقد فرص عمل بالمستقبل الشيء الذي خلق حالة غريبة داخل المشهد الفني الوطني، بحيث إن الشكل الذي يبدو عليه ظاهريا شيء وواقعه المسكوت عنه شيء آخر، والذين يخرجون للتعبير عن تظلمهم كثيرا ما يلجؤون إلى المواقع الاجتماعية عوض اللجوء إلى القضاء أو التظلم كتابة للنقابة وكثيرا ما تكون شكواهم عامة وشفوية لأن تسمية الاشياء بمسمياتها يفكرون فيها كخطر على مستقبلهم المهني، إنه شيء من الشكوى المعلقة في الفضاء أملا في تدخل أو التفاتة من جهة ما دون أن يغامروا بحرق أوراقهم.
هذا السلوك معروف لدى الفنانين ليس في المغرب فقط، بل في العالم بأسره وينبغي تفهمه. هناك قاعدة يؤمن بها كل المتمرسين في العمل النقابي الفني عبر العالم تقول: «تضمن القوانين والتعاقدات الجماعية الملزمة ما لا يضمنه التعاقد الفردي، لأن غاية الفنان من عمله ليست مادية فحسب، بل معنوية أيضا».
ومن هذه الزاوية قد يغلب الطابع الفردي على المصلحة الجماعية من قبيل التنازل عن الحقوق والصبر قصد الاستمرارية في الاشعاع وهذا الوضع لا يزيد المجال الفني إلا تدهورا.
كما أن رغبة الفنان في تعزيز رصيده الرمزي قد تقود البعض بفعل التنافسية بين الفنانين أحيانا إلى محاولة تقويض كل محاولة للتنظيم لا تراعي طموحه، وفي هذه الحالة يستغل رمزيته التي راكمها لإبداء مواقف متسرعة تجاه كل مبادرة تسعى لتنظيم مهنته. وبالتالي يصبح رأيه مسموعا ومؤثرا بفعل تلك الرمزية التي اكتسبها مما يجعل أية مبادرة قابلة لـ«البلوكاج» ولو من طرف فنان واحد مؤثر في الرأي العام مما قد يقود الفاعل السياسي إلى التراجع أو التريث تجنبا للجدال الذي يمكن خلقه في وسائل الاعلام بسبب فرد واحد أو مجموعة أفراد.
ومع كل تأجيل يزداد المشكل تفاقما وتزداد سلطة من يستغل نقطة ضعفه هذه لتدجينه وإخضاعه من قبل بعض المنتجين والمنتجين المنفذين وكأن لسان حالهم يقول: لك الرمزية عبر الشهرة والبساط الأحمر ولي المال. وهنا ليس الابداع فقط من يصبح في خطر، بل حرية الابداع ومصداقية وجودة العمل الفني التي تحتفي بالفنان الخنوع وتدجن أكثر الفنانين جرأة واستقلالية كما يمكن توجيههم بشكل سهل بما فيها تأليبهم على منظماتهم المهنية بفعل التحكم في صنع رمزيتهم واستمرارها على حساب حقوقهم المادية والاجتماعية.
بطبيعة الحال أنا لا أعمم ولكن هذه الحالات واقع.

  • القانون بعد المصادقة عليه عرف جدلا كبيرا ومعارضة من قبل عدد من الفنانين الذين اعتبروا التعديلات مجرد إضافات تحاول ما وصفوه بـ«تدجين الفنان»، ما ردكم؟

الذين يقولون مثلا بأن قانون الفنان والمهن الفنية جاء ليدجن الفنانين ولا سيما باعتبار فناني العروض أجراء وتطبق عليهم أحكام مدونة الشغل أو ما يعادلها مخطئون. بل العكس هو الصحيح فنون العرض الحية والمسجلة عادة ما تقوم فيها بعملية الانتاج أو تنفيذ الانتاج مؤسسات لأنها فنون جماعية وتتطلب تنظيما يحول عملية التعاقد شئنا أو أبينا إلى عقد بين أجراء ومقاولة سواء كان هذا العقد محددا أو غير محدد المدة.
وبالتالي ما هو الاحسن أن تكون هذه العلاقة محددة بقانون أو لا؟ غياب القانون يمنح الامتياز دائما للذي يمسك المال وهنا يكمن التدجين الحقيقي. أنا أقرأ الموضوع من زاوية أخرى: ربما هناك حلم أن يصبح الفنان نفسه منتجا لأعماله وهذا أمر لن يمنعه منه أحد، لكن في مجال فنون العرض التي هي جماعية سيحتاج إلى فنانين وتقنيين وإداريين آخرين، هو فنان لكنه منتج أو منفذ انتاج في هذه الحالة.
بعض الدافعين بهذا الاتجاه ينطلقون من فكرة ضيقة: «حيد لهاداك وعطيني أنا باش ندير حتى أنا داك الشي اللي كان كيدير هداك» بمعنى أننا ندور في نهاية المطاف في أحلام ريعية متمركزة حول الذات في حين أن القانون قواعد مجردة، وحجة حرية الابداع في هذه الحالة مجرد الية لقمع حرية الابداع والبحث الحالم عن الاستفادة المباشرة، لأن موضوع الدعم أو طلبات العروض موضوع تنافس والقانون يضمن بشكل غير مباشر استثماره في العمل الفني وفق ضوابط يحددها القانون ونصوصه التنظيمية..
ثانيا: الذين يعارضون توجه القانون من هذه الزاوية مخطئون لأنهم لا يفرقون بين الوضع الاعتباري والوضع الاجتماعي للفنان. ومخطئون أيضا لأنهم «بمثاليتهم» يكرسون وضعا متخلفا تقليدانيا بإخراج العمل الفني من إطار العمل ويسقطون عن الفنان صفة المواطنة دون أن يعوا ذلك بالاعتقاد الخاطئ أنه فوق المواطنين وبأن وضعه الاعتباري يجب أن يمنحه امتيازا. كيف سيقنن هذا الامتياز والحال أن الحق غير مضمون قانونا؟ واقع الحال ومنطق التشريع عكس ذلك تماما.
ولذلك فعكس ما يعتقد هؤلاء وضعية الاجير تعضد وتقوي رمزية الفنان وحريته، لأنها تضمن حقوقه الاساسية بشكل جماعي، وتحقق توازنا بينه وبين المقاولة الفنية التي يمكنها أن تستغل رغبته الجامحة في الابداع على حساب وضعه ومستقبله المهني. وسيأتي يوم سيقولون فيه: «الحمد لله أن هناك قانون».

  • حاول الكثيرون الركوب على القانون خاصة بعد حصوله على المصادقة بالإجماع هل يمكن أن ترووا للقراء الظروف التي أتت فيها المبادرة لتعديل القانون؟

تعديل القانون كان مطلبا قديما وقد أدرجته وزارة الثقافة ضمن مخطط الحكومة التشريعي، والتي كانت تجمع المعطيات حول الموضوع، بعدها تقدم فريق العدالة والتنمية بمقترح تعديل انطلاقا من لقاء دراسي نظمته في هذا الموضوع. وبعدها تم الاتفاق على أن يسحب فريق العدالة والتنمية مقترحه وتقديم مقترح جديد باسم الاغلبية الحكومية في البرلمان بعد تنقيح وتطوير المقترح الأول وكانت مساهمة وزارة الثقافة والمعارضة فيه فعالة.
بالنسبة لنا كنقابة، مساهمتنا كانت من خلال تحريك الملف الذي كنا نتوفر على رؤية واضحة بخصوصه، ونظمنا ورشات تقنية كنا ندعو لها الوزراء المعنيين والمسؤولين الاداريين المعنيين. كما كانت هذه الورشات تتم وبحضور خبراء أجانب مطلوب منهم أن يسمعوا لمداخلاتنا ونقاشنا وأن يفيدونا بتجربتهم كما كان الخبراء المغاربة ولاسيما في القانون يصححون ويوجهون وقد سهل هذا المنهج تقريب وجهات النظر والتشبع بحيثيات التوجه. بعد طرح المقترح للنقاش واصلنا نفس النهج عن طريق لقاءاتنا بتنسيقنا مع النقابات الأخرى التي لها رغبة في التغيير عبر مقترحات تعديل مبررة موجهة لوزارة الثقافة أو لبعض الفرق البرلمانية أو عبر لقاءات مع بعض الفرق البرلمانية أوفي مجلس المستشارين وكان للنواب والمستشارين فضل النقاش والإضافة والضبط والتحسين والغربلة. ولذلك فالقانون عكس ما تذهب له بعد التأويلات ساهم فيه الجميع. وبالطبع نحن كنقابة فنية ليست لنا صفة المشرع، لكن هذا لا ينفي أن نشتغل على هذا الملف عبر مرافعاتنا واقتراحاتنا ذات الطبيعة القانونية والتقنية وليست المطلبية فقط. المنهجية التشاورية الحقيقية هي هذه هي ألا تكتفي بالمطالب، بل أن تقترح وأن تقنع وأن ترافع.. وكذلك فعلت منظمات أخرى.

  • لكن راج أنكم استفردتم كهيئة نقابية باقتراح التعديلات وبالإبقاء عليها رغم معارضة هيئات أخرى قد تكون أقل تمثيلية لكن القانون يهمها، كيف تردون على ما ذكر؟

غير صحيح تماما. دورنا كان ترافعيا واقتراحيا ولسنا في موقع القرار لكي نفرض رأيا أو توجها. القانون ساهم فيه الجميع بقدر متفاوت. إذ بمجرد ما تم الانتهاء من المقترح وأحيل على وزارة الثقافة من قبل مجلس النواب قامت هذه الأخيرة بإعطاء نسخة منه إلى المنظمات المهنية وقدمت الهيئات المهنية وجهة نظرها ومقترح تعديلاتها. وقدمنا أيضا مذكرة في الموضوع مشتركة بعد نقاش وتفاهم مع النقابة المغربية للمهن الموسيقية والنقابة الحرة للموسيقيين المغاربة، اتحاد كتاب المغرب، جمعية خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة، وقدمت الكثير من المنظمات المهنية الأخرى وجهات نظرها بشكل منفرد، طيلة مسار مسطرة القانون بما فيها هيئات مرتبطة بالسينما والسمعي البصري. وكان للنواب الحسم، وأعتقد أن هذا ساعد في تقريب وجهة نظر الفرق البرلمانية باعتباره نابع من حسن نية الجميع في تحقيق التوافق. كما أن بعض الهيئات ساهمت بشكل فعال في رفع اللبس عن بعض القضايا التي أثيرت طيلة مساره التشريعي وأخص بالذكر مجال المسرح والموسيقى. لن أخفي أن مساهمتنا كانت نوعية ومؤثرة ولكن ليس بسب آخر سوى أننا كنا مفيدين في مسار القانون بمعنى أننا قدمنا خبرة تقنية وقانونية كنا نتوفر عليها وأخرى بمساعدة خبراء أجانب عبر علاقاتنا الدولية ولم نقدم المطالب. مجال المطالب لم يحن دوره بعد هو مرتبط بالنصوص التنظيمية أساسا.

  • الفن مجال مدر للربح لبعض الاشخاص النافذين والقانون أتى بتعديلات قد تتعارض مع مصالح هؤلاء ولو على حساب الفن والفنانين كيف مارسوا ضغوطاتهم؟ وكيف تعاملتم معها؟

بالفعل كانت هناك محاولات للتشويش على مسار القانون من طرف البعض بمحاولة زرع الفتنة بأسباب واهية منها مثلا أن مقترح القانون مصاغ على مقاس خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في حين أن مقترح القانون ليست فيه أية إشارة أو امتياز لهذه الفئة، أو أن قانون الفنان يحمي الفنانين خريجي المعهد أساتذة التعليم الفني، في حين أن القانون يتحدث عن الفنانين الموظفين بشكل عام بغاية تقنين حق مرتبط بحرية الابداع حتى لا يضر بشروط المنافسة العادلة في التعاملات الاقتصادية الفنية ويراعي مصلحة الادارة التي يشتغلون فيها.
كما تهجم البعض على النقابة من هذا الباب باعتبار رئيسها خريجا للمعهد المذكور في حين أن القانون الاساسي للنقابة لا يمنحه سوى صلاحية الناطق الرسمي باسم المكتب الوطني الذي ليس فيه سوى أربعة خريجين من المعهد من اصل أربعة وعشرين وموقف النقابة من القانون حسم في المجلس المركزي الذي هو أعلى هيئة تقريرية بين مؤتمرين بشكل تداولي ديموقراطي.
كما كانت هناك محاولات للضغط المباشر من خلال الترويج لكون القانون يحصر حرية الابداع، في حين أن هذا الطرح غير وارد تماما لأن مقترح القانون ينظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية للإنتاج الفني فقط، في محاولة يائسة للزج به في معترك التجاذبات السياسية وهو الشيء الذي لم يتم لحسن الحظ لكونه كان موضوع توافق بين الأغلبية والمعارضة وعرف مشاركة مهمة لوزارة الثقافة وأطرها.

  • السيد بوحسين في ختام روايتكم الأخرى عن «واقعة قانون الفنان» ماذا بعد قانون الفنان؟ هل توقفت مسيرة إعادة الاعتبار للفنان في المغرب مع هذه التعديلات؟

في القانون في حد ذاته ما يفيد الفنانين بشكل مباشر، لكن نتائجه المباشرة الأخرى مرتبطة بالنصوص التنظيمية والاتفاقيات الجماعية. ليس على المستوى القصير فقط، بل على المستويين المتوسط والبعيد الأمد القانون يمنح الجميع مجالا لتنظيم المهن الفنية. ويضمن حماية حقوق جميع الأطراف. والمرحلة الأصعب هي تنزيل نصوصه التنظيمية التي تتطلب من الفنانين والمنظمات المهنية الكثير من التعقل والشجاعة في مواجهة كل من يحاول الرجوع إلى الوراء وإدامة الانتظارية والشكوى، كما سيتطلب من الحكومة المقبلة ولاسيما وزارتي الثقافة والاتصال الكثير من الشجاعة السياسية في تنزيل القانون ضدا عن أية محاولة لاستغلال تضارب المصالح لأن الأمر لا يتعلق بأفراد بل بتنظيم قطاع تعتريه الكثير من مظاهر الفوضى.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة