CAM – Campagne Mobile-Top

الرواية الأخرى لـ «مغرب الميني جيب»

الرواية الأخرى لـ «مغرب الميني جيب»

عبد القادر بوزيد ممثل ومنتج ولد بمكناس لعائلة مسلمة، تشارلز دحان رجل أعمال أمريكي ولد بدوره بمكناس لعائلة يهودية، رقية الدغوغي ربة بيت ولدت بمدينة أسفي لعائلة مسلمة، ونيكول الغريسي كاتبة وناشطة ولدت بالدار البيضاء لعائلة يهودية، يقدمون على صفحات «الأخبار»، «روايتهم الأخرى» عن «مغرب الميني جيب».

عبد القادر بوزيد: «كنا رجالا ونساء نرتاد المسارح وقاعات السينما والشواطئ»
كانت هناك ضوابط لهذا الاختلاط المحدود والفتيات يكن رفقة عائلاتهن

عبد القادر بوزيد، ممثل ومنتج، ولد ونشأ بمكناس، لكن في نظره مكناس، والرباط، والدار البيضاء، وطنجة، وحتى القنيطرة وغيرها من مدن مغرب ما بعد الاستقلال، كانت تتشابه، ليس ببناياتها، بل بسلوكيات ساكنتها.
يستحضر عبد القادر ذاك الشاب طالب الثانوية الذي كان يدرس في إحدى ثانويات مكناس، ويقول: «الاختلاط وقتها لم يكن واردا، لم يكن متقبلا، ولم يجرؤ أحد على كسره، في أواخر السبعينات بدأ يسمح بالاختلاط في المدارس، لكن على أيامي أنا في الستينات كنا ندرس في ثانويات خاصة بالذكور، والإناث يدرسن في ثانويات خاصة بهن… كان يمكن مصادفة النساء في الشارع، في السوق، وحتى في الشاطئ والجامعة، باستثناء المدرسة لم يكن مسموحا بالاختلاط».
«لحشوما» و«لعيب» حسب مفاهيم ذاك الزمن لم تمنع شبابه وشاباته من المواعدة، يحكي عبد القادر أنه أيامها كان هناك سلوك متداول بين أبناء الطبقة المتوسطة والغنية بشكل خاص، وهو ما سماه بـ«دائرة الحفلات»، ويصفها عبد القادر قائلا: «كنا كل أسبوع نتفق على إقامة حفل بمنزل أحد أصدقائنا، بدعوى الاحتفال بعيد ميلاد أحدنا، حتى أنه كان يحدث أن تجد شخصا واحدا يحتفل بعيد ميلاده لمرات في الشهر كحجة منا لنحصل من عائلاتنا على الموافقة بإقامة حفل في المنزل، أو حضوره في منزل أحد الأصدقاء، وتحت أنظار عائلاتنا، وبحضور الفتيات من زميلاتنا في الدراسة، كان هذا السلوك شائعا أيامها بين أبناء وبنات الثانوي والجامعة، كنا نرقص «السلو»، وكانت الفتيات يغادرن الحفل مع حلول السادسة مساء، كانت تلك فرصتنا للمواعدة واللقاء بشريك أو شريكة الحياة بعيدا عن القيود المفروضة على الفضاءات العامة وقتها».
دائرة الحفلات لم تكن الشكل الوحيد من أشكال المواعدة في ذاك الزمن، يواصل عبد القادر حاكيا: «كنا ونحن طلاب في الثانوية نغادر مدارسنا ونتجه فورا نحو ثانويات الإناث، هناك نقف منتظرين صديقاتنا أو فتيات لفتن انتباهنا، كنا نمارس المواعدة حسب ظروف ذاك الزمن، لم يكن مقبولا أن ننفرد بالفتيات بعيدا، كنا نلتقي بفتياتنا داخل مجموعات، نتمشى في الشارع العام مجتمعين، كنا نتواعد في شكل مجموعات تجنبا للقيل والقال، وكنا نتفادى التجول في ثنائيات بعيدا عن الشارع العام تجنبا لرجال الشرطة الذين لم يكونوا ليترددوا في ابتزازنا».
السينما، المسرح، والمراكز الثقافية الأجنبية، فضاءات عامة كان عبد القادر وأقرانه وقتها يقصدونها من أجل طلب المعرفة والمتعة، فحسب عبد القادر «كان أمرا معيبا وقتها ألا ترتاد هذه الأماكن، وكان أمرا ينتقص منك إن لم تكن متابعا لآخر أخبار السينما والمسرح ولا ترتاد المراكز الثقافية ودور الشباب، كان الأمر بمثابة نزهة الأصدقاء الأسبوعية، وأيضا مظهرا من مظاهر الانفتاح وقتها».
كان مسموحا للإناث بولوج هذه الأماكن، لم يكن للحجاب وجود بين نساء ذاك الوقت، وكانت النساء يرتدن الفضاءات العامة لكن حسب عبد القادر الشباب يأتون رفقة أصدقائهم، في حين الفتيات كن يرتدن القاعات السينمائية والمسارح مرفوقات بعائلاتهن.

تشارلز دحان:
«درست في ثانوية فرنسية مختلطة.. كنا مسلمين ويهودا ومسيحيين ندرس في نفس الفصل»

ولد تشارلز دحان بالمغرب سنة 1948، وعاش فيه إلى غاية 1967 ، ورحل إلى أمريكا سنة 1973، وهناك شق طريقه في عالم البيزنس، عين ممثلا للجالية اليهودية المغربية في أمريكا، يشغل أيضا منصب نائب رئيس الفيدرالية العالمية لليهود المغاربة.
يقول تشارلز في رسالته: «ولدت في مدينة مكناس، كانت وقتها مقسمة لثلاث مدن في مدينة واحدة، المدينة الجديدة حيث يسكن غالبية الفرنسيين، وبضع عائلات من اليهود والمسلمين، وكنت بدوري أسكن مع عائلتي هناك، والملاح حيث يقيم اليهود، والمدينة حيث يقيم المسلمون. درست في ثانوية بول فاليري الفرنسية، كنا نرتدي مثل الفرنسيين، ونلتزم بكل الأنشطة الثقافية والرياضية في المدرسة، دون أن يؤثر تماشينا مع الموضة ومع الحداثة في شكلها الفرنسي على ممارستنا بانتظام لطقوسنا الدينية. كنا ندرس في ثانوية تقوم على الاختلاط، لا أقصد هنا الاختلاط بين الذكور والاناث فقط، بل الاختلاط حتى بين أتباع الديانات المختلفة. في الفصل الواحد كنا ندرس فتيانا وفتيات، مسلمين، ويهودا، ومسيحيين، تجمعنا صداقة عظيمة لا تزال مستمرة إلى اليوم».
كان المغرب جميلا في نظر تشارلز، ولا يزال جميلا كما يقول، إلا أن عددا من التغيرات طرأت عليه يقول تشارلز في ختام حديثه: «وقتها كان تواجد النساء في المقاهي مستحيلا، الاختلاط كان مسموحا به في قاعات السينما، المسابح، لكن ليس في المقاهي، كنا وقتها نقيم حفلات بشكل أسبوعي، كنا نقيمها في منازلنا، ونذهب إلى السينما مرة في الأسبوع على الأقل، وكان المسبح فضاء مهما نتردد عليه مع حلول شهر يونيو، الأزياء كانت وقتها أكثر تحررا من اليوم، النساء اليوم يرتدن المقاهي، لكن أزياء المغاربة أصبحت تميل إلى التيار المحافظ أكثر بكثير مما كانت عليه وقتها، الأزياء اختلفت…اختلفت كثيرا عما كانت عليه في شبابنا نحن».

رقية الدغوغي:
«تربينا على احترام الدين والتقاليد والتسامح في جو من الحداثة والحشمة»

رقية، ربة بيت، زوجة، أم، وجدة، ومع ذلك خطابها على فيسبوك وتعليقاتها تفوح بروح حداثية، ترجع رقية هذا الأمر إلى أنها عاشت في مدينة آسفي وسط خليط من المسلمين واليهود والبرتغاليين والاسبان والفرنسيين.
تقول رقية في حديثها لـ«زمان»: «في فترة الستينات والسبعينات كنت مراهقة، تربيت على احترام الدين والتقاليد والتسامح في جو من الحداثة والحشمة… شعر منسدل، تنورة قصيرة أو فستان، كنا نرتاد المسارح وقاعات السينما، أساتذتنا كانوا حريصين على أن نرتاد المسرح مرة في الشهر على الأقل، كنا كطلبة نشتري بثمن بخس تذكرة المسرح، ومن كان منا يحصل على نقط جيدة في قواعد اللغة الفرنسية كان يحصل على تذكرة مجانية… كان العرض يبدأ مع الساعة التاسعة مساء ولم تكن المدينة مضاءة كما هي الآن ومع ذلك كانت آمنة جدا».
لم تكن الثقافة والفضاءات الثقافية وحدها ما يشد اهتمام رقية ورفيقاتها في ذاك الزمن، بل كانت دور الشباب أحد الفضاءات التي يتردد عليها فتيات وفتيان المدينة، تحكي رقية أن أساتذتهم كانوا حريصين على تعليمهم شبانا وشابات كرة السلة، وكرة اليد، والكرة الطائرة، والسباحة، وأن منافسة رياضية بين المدن المجاورة كانت تتم بشكل أسبوعي.
تقول رقية: «كنا فتيات وفتيانا نمتطي نفس الحافلة ونتوجه إلى دار الشباب لنشارك أو نحضر لقاء رياضيا، صداقة قوية كانت تجمع كلينا بدون أدنى تمييز».
الميني جيب، التنانير الطويلة، البنطلون، كان لباس رقية وصويحباتها، في حين كانت أمهاتهم يرتدين الحايك أو الجلباب بلثام شفاف، تحكي رقية في ختام حديثها لـ«زمان» أنهم كعائلاتهم كانوا يحرصون على ممارسة الشعائر الدينية، واحترام التقاليد، دون أن يمس ذلك بمتابعتهم لكل أشكال الحداثة التي كان يعرفها مغرب ذاك العصر.
وتقول رقية «كنا نقيم الحفلات في الأندية وفي منازلنا كنا نرقص التشا تشا التويست الروك والمامبو… لقد كنا ننطلق في حب الحياة، محملين باحترام كبير لديننا ولتقاليدنا وأيضا لديانات جيراننا وأصدقائنا».

نيكول لغريسي:
«الشارع كان نموذجا للتعايش فيه تجد الجلباب والبدل العصرية والميني جيب»
كل ذلك يتعايش تحت ضوابط مجتمع مغربي منفتح لكنه قائم على التقاليد والحشمة

نيكول لغريسي، كاتبة وناشطة، ولدت بالدار البيضاء لموظف يهودي مغربي، رفض وزوجته الرحيل عن المغرب. تحكي نيكول أن والدها الذي شهد فترة لجوء يهود أوروبيين إلى المغرب، وفترة حماية السلطان المغربي لرعاياه من المغاربة اليهود، قال لزوجته في 1967 «لن نترك تاريخنا هنا الذي يفوق ثلاث ملايين سنة ونرحل إلى أرض غريبة، نحن مواطنون مغاربة وعشنا دوما هنا كمواطنين مغاربة».
تقول نيكول إنها التزمت بقرار والديها، ورفضت بدورها الرحيل عن المغرب، وتضيف في اتصال هاتفي بها: «أنا سعيدة بأني لم أرحل حتى يمكنني أن أتحدث إليكم عن هذا المغرب الذي لم تعرفوه، مغرب التعايش، ومغرب المحبة قبل أن تهز أركانه ثقافة غربية تلغي روابط العائلة، وأحداث تاريخية أخافت اليهود المغاربة، وجعلت نظرات الشك تحل محل نظرات الاحترام الذي عشنا فيه، ولا زلنا نحن اليهود القلة المتبقية هنا تحارب من أجل استعادته».
حسب نيكول، الدار البيضاء، كانت باريس صغيرة، مدينة حديثة وعصرية، تتعايش فيها الديانات الثلاث، وتقوم على احترام تام للآخر، وديانته، وثقافته. تقول أن نيكول أن المغرب كان يعيش انفتاحا حسب معايير تلك الفترة، انفتاح قائم على التبادل المحترم بين أتباع الديانات المختلفة، على التعرف على الثقافات المختلفة، وعلى احترام ضوابط مجتمع مغربي تقليدي.
تقول نيكول «كنا نحتفل برأس السنة، وبأعيادنا اليهودية دون أن يسائلنا أحد، أو أن نتدخل في أحد، تربينا على قيم مغربية لم تفرق بين القيم المسلمة والقيم اليهودية، كان المسلمون أبنائي وإخوتي وجيراني وأصدقائي، وكنت كذلك بالنسبة إليهم، كان احترام الآخر عنوان تلك المرحلة من المغرب».
«مسألة الاختلاف لم تطرح يوما في حياتي، كنت واعية بمواطنتي كمغربية، ولم أكن مضطرة لأتصرف بشكل آخر غير الشكل الذي أنا عليه»، تقول نيكول في اتصال هاتفي، وتواصل متحدثة عن مغرب الستينات قائلة: «لقد عشنا في جو من التسامح، وتربينا على يد مغاربة مسلمين، كنا سعداء، كانت العائلة ما يجمعنا قبل أن يتم تصدير النموذج الأوروبي إلينا كنموذج قائم على العزلة والفردانية».
تبدو نيكول تائهة في تحديد من كان وراء توقف الانفتاح الذي شهده مغرب ذاك الزمن، تقول نيكول: «خروج الفرنسيين، تعريب المدارس، ومغربة المقاولات، قلص من مظاهر التمدن الذي كانت تعرفه مدن المغرب»، لكن نيكول تعود تستطرد قائلة: «لحشوما كانت جزءا من التربية التي قدمها لنا آباؤنا وقدمناها بدورنا لأبنائها، لحشوما ربت أجيالا من المغاربة المستقيمين والمقاومين لكارثة الحداثة، ارتداء إحدى فتياتنا لتبان الخيط الوحيد String كان يجعل وجوهنا ورجالنا تحمر خجلا».
تقول نيكول أن أبناء المدن في مغرب الستينات كانوا يقيمون الحفلات بشكل يومي تقريبا، وتضيف أن الاختلاط كان مسموحا به بشكل لا يسيء إلى تقاليد مغرب ذاك العهد، وتتذكر مناسبة «الميمونة» حيث تفتح أبواب منازل اليهود المغاربة على مصراعيها، وحيث المسلمون أول من يأتي لزيارة جاره اليهودي لتقديم تهانيه بهذه المناسبة محملا بـ«صواني الحلويات»، ومقدما أجمل عبارات التبريكات، «لقد افتقدنا حتى طقوس وعبارات اللباقة وما يعرف بـ«الصواب»، والتي كانت تقليدا مغربيا قحا وقتها»، تقول نيكول.
وعن الشارع تتذكر نيكول وتحكي: «بالشارع كان هناك تعايش بين الجلباب والبدلة والميني جيب والبنطلون، «لقد كنا شعبا نموذجيا في إعطاء درس حول التعايش مع مختلف الثقافات والديانات»، تقول نيكول في ختام الحديث إليها، وأنهي الاتصال على وقع جملتها: «لا بد لهذا المغرب أن يعود».
لكن هل هذا المغرب سيعود فعلا ونحن على أبواب انتخابات تشريعية لم يرشح فيها يهودي واحد ولا تم فيها الحديث عن إحياء هذا التعايش الذي عرفه «مغرب الميني جيب» وأقفله «مغرب اللحية»؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة