الزواج والشقة

بمقهى هادئ جميل، انزويت في الركن كالعادة رفقة صديقي ورفيق عزلتي الكتاب. طلبت قهوة وبدأت القراءة. فجأة وصلني صوت غريب، فاستدرت بسرعة، كانت يد رجل سبعيني مندسة بين فخذي امرأة خمسينية استرخت في جلستها وفتحت ساقيها مغمضة عينيها تتصنع اللذة، تتأوه وتتفاعل مع مداعبات رفيقها العجوز. عندما رآني الرجل سحب يده، ففتحت المرأة عينيها وعدلت من جلستها ورجعت تكمل حديثها، غير آبهة بوجودي. المشهد دام بضع ثوان لكنه جعلني أنشغل عن القراءة وأتابع بقية الحديث لمعرفة القصة، الرجل لا يتكلم كثيرا، أما المرأة فبدت ممثلة بارعة ومستعدة لأي شيء من أجل أن تكون لها شقة، قالت له: «شوف أحبي إلى شرتي ليا الدار تاحد ميدخل ليها من غيرك، بقا مع امرتك.. وأنا ديالك بلا زواج.. والله أحبي ماكنكذب عليك غادي تبقى تجي عندي وقت ما بغيتي»..
الشقة، هذا ما يشغل بال العديد من الباحثات عن الاستقرار داخل أو خارج بيت الزوجية.. لا تهم السبل من أجل الحصول عليها، المهم هي الدار.
أما «أمينة»، جارتي التي قاربت الخمسين، فسارعت إلى بيع الشقة التي ورثتها عن أمها من أجل أن توفر المال للزواج من رجل سقط عليها من السماء ذات مساء بالحديقة المجاورة لبيتها، حيث اعتادت الجلوس للترفيه قليلا عن نفسها. جلس جنبها رجل حسن الملامح تبادلت معه أطراف الحديث، ارتبكت فرحا عندما اقترح عليها الزواج، صدقت كل كلمة قالها هو الآتي من مصر، وليس له عمل ولا أوراق إقامة بالمغرب. قبل لقائه كانت تبكي كل مساء على مخدتها، فقد تعبت من الوحدة ومن التجول والتسوق والأكل والنوم بمفردها. اقترح عليها الغريب السفر إلى أحد البلدان الإفريقية من أجل توثيق عقد الزواج لأنه لا يتوفر على أوراق الإقامة بالمغرب، دفعتها سذاجتها ورغبتها الطاغية في الزواج إلى قبول عرضه، سافرت معه شهرا إلى ساحل العاج، حيث زوجهما هناك رجل دين مسلم، وحيث قضت أوقاتا ممتعة أنستها كل أيام الوحدة والغبن واليأس.
مر شهر العسل. لم تحزن على مالها ولا على بيع البيت الذي ورثته عن أمها، كانت مقتنعة أن لا ثمن لسعادتها ولاستقرارها. رجع الزوجان للعيش بالمغرب، فرحت كثيرا بزواجها وفرحت أكثر بزوجها وكانت تعامله أحسن معاملة، لم تكن تضايقه ولا تبخل عليه باهتمامها وحنانها، لا تزعجه بالسؤال والكلام الكثير، تطبخ له ما لذ وطاب من الأطعمة، تنظف له ثيابه، تشجعه عندما يقول لها إنه يبحث عن عمل، وكل صباح دون أن توقظه أو تخدش حياءه تترك له مصروف اليوم على الطاولة مع وجبة الفطور. وعندما يعود في المساء وتراه حزينا تطمئنه قائلة إن أجرتها تكفي لاثنين، ريثما يتحسن وضعه ويجد حلا لبطالته. مرت شهور قليلة نفدت فيها كل مدخراتها ولم يبق لها غير أجرتها الشهرية، لكن صبرها مع زوجها وحبها له لم ينفد.. غير أن حدسها في الأيام الأخيرة وخوفها كان في محله، حيث أخذ عريس الغفلة ذات صباح مصروفه اليومي وخرج ولم يعد.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة