الزين ومافيا التشكيل

صالونات فخمة في فيلات الأحياء الراقية، وردهات أبناك كبرى ومؤسسات تجارية مزينة بلوحات رواد الفن التشكيلي المغربي من أمثال بنعلال والغرباوي والشرقاوي والدمناتي وصلادي والقاسمي والدريسي ولبيض وغيرهم.
لكن المشكل أن بعض هذه اللوحات الثمينة التي يستثمر فيها الأثرياء أموالهم، ليست سوى نسخ مزورة من «إبداع» عدد من التشكيليين المغاربة الذين بارت بضاعتهم وفضلوا الخروج من السنوات العجاف عبر تزوير لوحات الرواد وتسويقها عبر شبكات مافيوزية وسط صمت مريب من قبل الوسط التشكيلي الوطني الذي هو على علم أكيد بما يجري، وتسجل ذاكرتهم جيدا أسماء المزورين الذين اغتنوا بشكل مباغت ودون وجه حق.
وحده الراحل عبد اللطيف الزين امتلك في فترة ما شجاعة فضح هذا الواقع الموبوء وأحدث رعبا حقيقيا وسط عصابة التزييف التي استباحت ذاكرة الأموات، وعبثت بألوانهم وبواكير إبداعهم، وامتد تطاولها لينال من لوحات أجانب عاشوا بالمغرب مثل ماجوريل ونسخت أعماله التي كان عليها طلب كبير.
وكان الزين يملك صفة خبير فني محلف لدى المحاكم المغربية بعد أن ساد اللغط حول ظاهرة التزوير، فألقى محاضرة عام 2011 في موضوع ما سماه «أيادي الفن الوسخة» التي تلجأ إلى «كل أنواع الحيل والخدع والضغوطات والإرشاء وضروب أخرى من التخويف لتحقق أهدافها»، وهي نفس الجماعة التي كانت تشتري بأثمنة بخسة لوحات فنانين يعيشون ضائقة مالية مزمنة وتعيد بيعها بالملايين، كما سجل الزين وجود فراغ قانوني في الميدان التشكيلي مما مكن «الأيادي الوسخة» من أن تصول وتجول دون حسيب أو رقيب.
ولا شك أن معركة من هذا المستوى تتطلب نفسا طويلا وقدرا كبيرا من الصمود في وجه مصادر الضغط المتحكمين في السوق التشكيلية بقوة المال وغياب التشريع.
لذلك كان لابد للزين أن يلقي السلاح ويتفرغ لتأسيس النقابات الفنية ويخوض معارك داخلها ضد الطامعين في إزاحته من منصب الرئاسة، كما كان لابد أن يخوض تجارب استثنائية لمزاوجة التشكيل مع «الموسيقى الروحية» أو لينظم معارض فردية، وهي مهام استغرقت كل وقته ليعود الصمت المطبق حول معضلة التزوير، في انتظار أن ينبري جيل جديد من التشكيليين المغاربة يكون قادرا على أن يفجر المسكوت عنه ويفضح التواطؤات حفاظا على ذاكرة الرواد العصاميين الذين مات بعضهم جوعا على مقاعد حدائق الغربة، أو اضطروا لتسليم أعمالهم مقابل كسرة خبز أو سقف يقيهم شر التشرد والضياع. فهذه المعركة ليست معركة الزين وحده، فله فضل السبق ولا يمكن أن نلومه إذا هو لم يستطع أن يواصل لوحده حمل السيف لتطهير الميدان من جماعات منظمة لا قبل له بها، ويكفيه أنه دشن الفصل الأول من معركة قد تكون حاسمة إذا ما استعاد الجيل الجديد من التشكيليين الوعي بضرورة حسمها وإعادة الأمور إلى نصابها، عوض أن ينهمكوا هم أيضا في مشاغل هامشية لا طائل من ورائها، ويهملوا معركة إعادة الاعتبار إلى جيل سابق أعطى كل شيء ولم يحظ بأي امتياز، حتى لا يظل الفن التشكيلي المغربي أيضا ضحية فلسفة «شوف وسكت».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.