MGPAP_Top

السعودية ولبنان.. الصيرفي والزبون

ليس منطقياً، في موازين العلاقات بين الحكومات ـ خاصة حين لا تكون واحدة متكافئة مع الأخرى، على أي نحو، في مضمار السياسة والنفوذ الإقليمي والاقتصاد… ـ أن تسدد الحكومة الأقوى مساعدات بقيمة 4 مليارات دولار، فلا تردّ الحكومة الأضعف بهدية بسيطة هي محض توقيع على بيان تضامن سياسي. هذه، كما هو معروف، حال حكومة المملكة العربية السعودية مع حكومة لبنان، أو بالأحرى: مع وزير الخارجية في هذه الحكومة، جبران باسيل؛ الذي فضّل التضامن مع «حزب الله»، الحليف الداخلي، على التضامن مع صيرفي المليارات الأربع!
فإذا ذهب المرء أبعد، فاستعرض التاريخ المالي للعلاقات السعودية ـ اللبنانية (قرابة 70 مليار، خلال 25 سنة، على المستوى الحكومي؛ فضلاً عن استثمارات وودائع لأفراد سعوديين تبلغ 10 في المائة من مجموع الودائع الأجنبية في لبنان)؛ فإنّ موقف الوزير اللبناني لم يعد يُحتسب في باب الجحود المحض، فقط، بل هو إهانة أيضاً، واستهزاء بالصيرفي، واستهانة بموقعه ومكانته. والأرجح أنّ الطرف المهان، إذا جاز استخدام هذه الصفة، كان قد تفهم مواقف سابقة مماثلة، نجمت عن قبضة الهيمنة التي يفرضها «حزب الله» على سياسات لبنان الخارجية، والداخلية أيضاً بالطبع؛ لولا أنّ السيل بلغ الزبى هذه المرّة، والإهانة كانت أشدّ مضاضة من أن تهضمها المملكة، خاصة وأنّ الحكاية تمسّ واحدة من أشدّ نقاط الصراع حساسية بين السعودية وإيران.
في عبارة أخرى، كان الصيرفي السعودي ينتظر من الزبون اللبناني (رغم أنّ الأخير لا يستحق هذه الصفة تماماً، لأنه إنما يتلقى المساعدات ولا يردّ بأيّ مقابل)، أن يقيم ـ في أقلّ تقدير، وليس أعظمه ـ مفاضلة مالية عادلة مع الصيرفي الآخر، الإيراني.
إذْ كيف للوزير باسيل أن يُعلي شأن طهران (برنامج مساعداتها المقترحة للبنان لا يزيد عن 100 مليون دولار، يُشترط استثمارها في إعمار الجنوب غالباً)؛ مقابل إذلال شأن الرياض… ذات المساعدات التي تُعدّ بعشرات المليارات؟ ومتى كان الاستثمار الفردي السعودي في لبنان (قرابة 12 مليار دولار)، يعادل أي استثمارات فردية إيرانية، إذا وُجدت هذه أصلاً؟
هكذا تسير معادلة التصعيد الراهنة في العلاقات السعودية ـ اللبنانية، من حيث الشكل بادئ ذي بدء؛ الأمر الذي يستبطن مستويات أخرى عديدة، بعضها جديد لبناني (أدوار «حزب الله» في اليمن وسوريا والعراق)، أو جديد سعودي (سياسات الملك سلمان بن عبد العزيز، بالقياس إلى سلفه الملك عبد الله)؛ وبعضها قديم، مقيم، يخصّ ملفّ الصراع على المحاور والنزاعات ومناطق النفوذ والمخاوف والمطامع، بين السعودية وإيران؛ وثالثها اقتصادي محض، بالمعنى النسبي لتأثير العوامل الاقتصادية على سياسات الرياض (أسعار النفط، واضطرار المملكة إلى التقشف، والحدّ من الإسراف الفاحش في الإنفاق على السياسة الخارجية).
ولا يُنسى هنا أنه، إلى جانب هذا العقاب الذي يمارسه الصيرفي السعودي بحقّ الزبون اللبناني، لوحظ مؤخراً أنّ الجهات السعودية باتت تتردد كثيراً، وتماطل أحياناً، في ضخّ تمويلات لمشاريع استثمارية حكومية في مصر، رغم أنها اعتُمدت رسمياً في عهد الملك عبد الله.
وغنيّ عن القول إنّ المتضرر الأكبر في هذا التصعيد الراهن بين السعودية ولبنان، هو الاقتصاد اللبناني أولاَ، وبصفة عامة، في قطاعات السياحة والودائع والاستثمارات؛ ثمّ، على نحو مباشر، قرابة 300 ألف مواطن لبناني يعملون في المملكة، وإذا تضرروا فلن يكون ذنبهم في عنق «حزب الله» أو الجنرال ميشيل عون أو تشوهات المشهد السياسي اللبناني، فحسب؛ بل كذلك في عنق خيارات سياسية/ مالية سعودية تتخبط دهراً بين مليك وآخر، ثمّ تستقرّ في ساعة نقمة على… العقاب الجماعي.

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة