الملف التربوي

الصمدي يستغرب من مواد في مشروع قانون إطار ترأس لجنة صياغته

كاتب الدولة في البحث العلمي اختار الاصطفاف ضد توجهات الدولة ووصف الفرنسية بـ«لغة المستعمر»

تتواصل الاصطفافات الإيديولوجية بخصوص الجدل الذي يعرفه المغرب حول لغات التدريس، بدخول منتدى يترأسه كاتب الدولة في التعليم العالي والبحث العلمي وتتشكل هيكلته التنظيمية من قيادات نقابية ودعوية في حركة التوحيد والإصلاح، (دخوله) على خط الجدل، بوصفه اللغات الأجنبية بـ«لغة المستعمر». ويأتي هذا الموقف المتطرف بعد أسبوع واحد من محاضرة ألقاها وزير التربية الوطنية والتعليم العالي سعيد أمزازي، دعا فيها إلى اعتماد اللغات الأجنبية في التدريس، وأيضا بعد أسبوعين من بيان صادر عن رؤساء الجامعات، ومنهم من أشرف خالد الصمدي شخصيا على دعمهم، سواء لنيل ولاية ثانية في مناصبهم، أو تعيينهم تعيينات جديدة، اعتبروا فيه أن ولوج عالم المعرفة يتطلب اللغتين الفرنسية والإنجليزية. هكذا اختار كاتب الدولة في التعليم العالي والبحث العلمي الاصطفاف في خندق حزبه وحركته الدعوية بدل الاصطفاف في خندق مؤسسات الدولة.

اللغات الأجنبية لغة مستعمر
طالب المنتدى الوطني للتعليم العالي والبحث العلمي، الذي يترأسه كاتب الدولة في التعليم العالي والبحث العلمي، وتتشكل عضويته من قيادات نقابية ضمن ما يسمى النقابة المغربية للتعليم العالي التابعة لحزب العدالة والتنمية، (طالب) الدولة بمواصلة «تدريس كل المواد باللغة العربية في كل الأسلاك التعليمية، والعمل على تطوير عملية التدريس تلك وتحسين جودتها».
وحث المنتدى الوطني، الذي تم نقل مقره من تطوان إلى الرباط عندما جرى تعيين خالد الصمدي كاتبا للدولة في التعليم العالي، (حث)، في بيان صادر عنه حول مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، «على إلزام المحيط الاجتماعي والاقتصادي والإدارات والإعلام باستعمال اللغة العربية من أجل الرفع من حظوظ إدماج الخريجين في سوق العمل». ودعا البيان إلى «تسريع تفعيل القانون القاضي بإنشاء أكاديمية اللغة العربية على غرار أكاديمية اللغة الأمازيغية حتى تقوم بدورها في مواكبة تعميم استعمال اللغة العربية». كما أوصى البيان بـ«تشجيع اعتماد مسالك باللغة العربية في التعليم العالي، مع تخصيص بعض الوحدات فيها للتدريس باللغات الأجنبية الأكثر تداولا وتلاؤما مع التخصص؛ وتشجيع الترجمة إلى اللغة العربية والتحفيز عليها؛ واتخاذ كل التدابير واعتماد كل الوسائل اللازمة لتيسير التدريس باللغة العربية وتشجيع الإقبال عليها».
واقترح بيان المنتدى، الذي أسسه خالد الصمدي سنة 2005، «إعداد وتأهيل أساتذة متمكنين من بعض اللغات الأجنبية وإعادة تأهيل الأطر الحالية، خاصة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ وتمكين الطلبة من إتقان لغتين أجنبيتين عند انتهاء مسارهم الدراسي». وسجل المنتدى، في بيانه، «استياءه الكبير من تبضيع وتسليع التكوين والتعليم، خاصة بعد إحداث مؤسسات هجينة للتعليم العالي تعرض تكويناتها بالمقابل، بل وبأثمنة تفوق إمكانات الأغلبية الساحقة لأسر الشعب المغربي، واستنزافها لكفاءات التعليم العالي والبحث العلمي العمومي من أساتذة وباحثين». ورفض المنتدى الوطني، الذي شكل النواة الأولى للإطار النقابي التابع للحزب في قطاع التعليم العالي، (طالب) بعدم «التخلي عن مجانية التعليم، مقترحا، في المقابل، فرض رسوم على مداخيل مؤسسات التعليم العالي المؤدى عنه بجميع أصنافه، على أن توجه هذه المداخيل لدعم التعليم العالي العمومي».

الوزير ضد رؤساء جامعات عينهم بنفسه
يأتي هذا الموقف في سياق التجاذب السياسوي الذي يشهده المغرب بخصوص لغات التدريس، غير أنه موقف مليء بالمفاجآت لكون الأمر يتعلق بكاتب دولة مكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، حيث اللغتان الرسميتان للبحث العلمي والتراسل الإداري بين كتابة الدولة والجامعات والكليات ومؤسسات التعليم العالي غير التابعة لها هي اللغتان الفرنسية والإنجليزية، وخاصة في التخصصات العلمية والتقنية. وهو ما يضفي على موقف كاتب الدولة طابع المزايدات السياسية لا غير، بحكم أن الحزب الذي ينتمي إليه والحركة الدعوية التي كان عضوا فيها لسنوات قبل استوزاره، يدعمان بشدة الإبقاء على اللغة العربية لغة وحيدة في التدريس بدل التعددية اللغوية أو اعتماد مبدأ التناوب اللغوي في لغات التدريس.
المفاجأة الأخرى في موقف كاتب الدولة، هي أنه اختار الانحياز لحزبه بدل الحرص على وحدة الموقف مع رئيسه المباشر سعيد أمزازي ومرؤوسيه رؤساء الجامعات، ومنهم رؤساء حرص شخصيا على تعيينهم، في إطار صفقات لتمرير مشروع شخصي يقف وراءه كاتب الدولة، ويتعلق بالمسالك الجامعية للتربية، والذي يعرف تعثرا كبيرا شأن المشاريع التي وقف وراءها، منذ مشروع تكوين 10 آلاف إطار تربوي، وهو المشروع الذي مايزال بعض خريجيه يحتجون في شوارع العاصمة، لكونهم وجدوا أنفسهم عاطلين، بخلاف الوعود التي قيلت لهم ساعة إطلاق هذا المشروع قبل خمس سنوات.
موقف خالد الصمدي جاء نشازا، أيضا، بحسب متتبعين، لكونه ناقض موقف رئيسه سعيد أمزازي، والذي لا يخفي دعمه لاعتماد اللغات الأجنبية في التدريس، سواء في التعليمين الإعدادي والثانوي أو في التعليم العالي..، عندما أكد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، في كلمته أخيرا بإحدى الجامعات الخاصة بمدينة فاس، على أن أغلب الطلبة الذين درسوا المواد العلمية بالعربية بالسلك الثانوي يعانون بالجامعة وأغلبهم لا يحصلون على شهادات جامعية.
وأضاف أمزازي أن العديد من الطلبة يغادرون الجامعة في سنتهم الأولى بسبب عائق اللغة، وهذا الأمر يشكل مشكلة بالنسبة للأساتذة أنفسهم بسبب عدم وجود مستقبل يفهم دروسهم بالفرنسية، مؤكدا على أن 43 في المائة من هؤلاء الطلبة يغادرون الجامعة في سنتهم الثانية أو الثالثة دون الحصول على أي شهادة، سواء ديبلوم الدراسات الجامعية أو ديبلوم الإجازة، بسبب معاناتهم مع اللغة التي لا يفهمونها والتي تغيرت بعد حصولهم على شهادة الباكالوريا. وأشار الوزير، في كلمته أيضا، إلى أن المعطيات المتوفرة، وبحكم كونه عميدا سابقا لكلية العلوم، لاحظ أن هناك هدرا جامعيا خطيرا، بسبب لغة التعليم بالعربية في الإعدادي والثانوي، والاصطدام بالفرنسية بالجامعة.

استغراب الصمدي من مشروع ترأس لجنة صياغته
الموقف الذي صدر عن كاتب الدولة، لا يقف وجه الغرابة فيه عند حدود كون الصمدي عضوا في الحكومة يفترض أن يدافع عن موقف الوزارة التي ينتمي إليها، بل لكون البيان الصادر عنه يتحدث عن «استغرابه» من «إدراج المادة 31 في مشروع القانون الإطار، ولاسيما الفقرة التي تتحدث عن التناوب اللغوي»، حيث تساءل كثيرون كيف لشخص أن يكون صادقا في استغرابه هو الذي ترأس اللجنة التي وضعت هذا المشروع، بل وكان رئيسا للجنة التي كلفت بتعديل المشروع، عقب الرأي الذي تقدم به المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وهو الرأي الذي انحاز بوضوح إلى مفهوم التناوب اللغوي وخصص له مساحة كبيرة، يدعو فيها المجلس إلى تنويع لغات التدريس. بل إن كاتب الدولة في التعليم العالي كان «نشيطا» في المجلس الأعلى عندما كان مجرد مستشار في ديوان رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، حيث ساهم في صياغة العديد من الوثائق التي يظهر فيها بوضوح تناقض رأيه الحالي مع ما كان يقوله ويدعمه في المجلس. وفسر الملاحظون هذه المواقف، أيضا، بكون كاتب الدولة تعرض لابتزاز أو ضغوطات من طرف حزبه، إذ، في الوقت الذي لا يتردد وزير القطاع في الدعوة إلى اعتماد الفرنسية لغة للتدريس، فإن الصمدي وجد نفسه مضطرا للانحياز إلى حزبه وحركته الدعوية بدل الانحياز للسياسة الرسمية للدولة، والتي وضع الملك محمد السادس خطوطها العريضة، عندما تحدث في خطاب 20 غشت الماضي عن ضرورة «وضع برنامج إجباري على مستوى كل مؤسسة، لتأهيل الطلبة والمتدربين في اللغات الأجنبية لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر، وتعزيز إدماج تعليم هذه اللغات في كل مستويات التعليم، وخاصة في تدريس المواد العلمية والتقنية». ووجه الغرابة هنا، حسب ملاحظين، ليس هو أن الصمدي لم يكن يدري بمسألة التناوب اللغوي، فهذا غير صحيح إطلاقا، بل بكونه يشرف على قطاع التعليم العالي والذي يفترض أن يحتضن هذا التوجيه الملكي بخصوص إجبارية لغات التدريس في المواد العلمية والتقنية.
ويأتي هذا التناقض ليظهر من جديد حجم الشرخ بين وزير القطاع سعيد أمزازي وكاتب الدولة خالد الصمدي، شرخ يقول عنه بعض المطلعين عن قرب على العلاقة بين المسؤولين، إنه وصل إلى درجة القطيعة، وإن اللحظات القليلة التي تواجدا فيها، لا يتعدى فيها التواصل بينهما حدود الصور الإعلامية التي تلتقط لهما، مستدلين على ذلك بحملة الإعفاءات التي قام بها سعيد أمزازي لعدد من المسؤولين في قطاع التعليم العالي، وجلهم أعضاء في حزب العدالة والتنمية، آخرهم إعفاء مديرة الموارد البشرية، القيادية الإسلامية جميلة العماري من منصبها، وتعيين مسؤولة جديدة كانت تترأس ديوان الوزير السابق للتربية الوطنية رشيد بلمختار، وهي مقربة جدا من سعيد أمزازي، منذ أن كانت كاتبة عامة لجامعة القاضي عياض بمراكش.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق