الطلّاب يطلب ومرتو تصدق

الطلّاب يطلب ومرتو تصدق

إحدى الدراسات الأوربية الرسمية التي نشرتها «الديلي ميل»، كشفت مؤخرا عن فشل «الاتحاد الأوربي»، في بلوغ أهدافه المسطرة، من المساعدات المالية الإنسانية، التي يقدمها، سنويا لبلدان نامية، من بينها المغرب.
وقد أشارت الدراسة إلى أن المساعدات الإنسانية، للاتحاد الأوربي يتم فقدانها، بين ما قالت عنه «السرقة» و«التخزين».
التقرير يتحدث عن «فشل» المغرب في صد الهجرة الجماعية للمهاجرين غير النظاميين صوب «الاتحاد الأوربي»، والتي قال التقرير إنه خصص لها مساعدات مالية بقيمة 508 ملايين يورو، دون جدوى.
عندما نراجع التقارير الأوربية والغربية عموما حول الهجرة نلاحظ أن الغرب ينتظر من المغرب أن يستمر في لعب دور الدركي وحارس الحدود الأوربية من الأمواج العاتية للمهاجرين الأفارقة والعرب الهاربين من الدول الفاشلة التي أسقطت شعوبها أنظمتها دون أن يكون لديها بديل آخر غير الفوضى.
والحال أن أوربا يجب عليها أن تتوقف عن مطالبتنا بلعب دور دركي الحدود، لأجل سلامة أمنها الداخلي، لأن المغرب بدوره يعيش مشكل هجرة ولم يعد بلد عبور بل إنه أصبح بلد إقامة واستقرار.
فرنسا تريد إرسال مجرميها وإرهابييها من أصول مغربية إلى المغرب بعد تجريدهم من الجنسية الفرنسية، والحال أن هؤلاء المجرمين فرنسيون قبل كل شيء، وهم نتاج لسياسات اجتماعية واقتصادية فرنسية، وبالتالي يجب على فرنسا أن تحل مشكلتها مع أبنائها فوق التراب الفرنسي.
ألمانيا ضغطت من أجل إعادة المهاجرين السريين إلى المغرب بعدما هددت بقطع المساعدات والدعم، والحال أن هؤلاء المهاجرين سافروا، في إطار حرية التنقل التي يكفلها الدستور، إلى تركيا ومنها دخلوا ألمانيا، ما يعني أن الخطأ ليس في بلد المغادرة وإنما في بلد الاستقبال ألمانيا التي لم تعرف كيف تحمي حدودها.
السويد ضغطت لكي تعيد إلى المغرب أطفاله القاصرين، بعدما حولت ملفهم إلى ورقة رابحة في المفاوضات لإعادة المياه إلى مجاريها مع المغرب.
وحتى الجزائر أصبحت تعتقل مهاجرين مغاربة وتطالب المغرب بوقف تدفق المهاجرين على أراضيها، والحال أن الجزائر هي المعبر الطبيعي لكل قوافل المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء، سواء بغرض التسلل إلى المغرب بحثا عن سبيل للعبور نحو أوربا، أو بغرض الالتحاق ببؤر النزاع في ليبيا ومعسكرات البغدادي والحركات الجهادية.
الجميع يريد أن يلصق بالمغرب تهمة تصدير المهاجرين السريين والحال أن المغرب غارق حتى الأذنين في بحر من المهاجرين السريين.
ويكفي أن ينزل الواحد منا لأي سوق أو شارع أو ساحة لكي يسمع الشحاذين بكل اللهجات الأفريقية المعجونة بالدارجة والآيات القرآنية، ويسمع السوريين يستعرضون محنتهم رفقة أطفالهم وزوجاتهم، حتى أن هناك مساجد أصبحت أبوابها حكرا على عائلات السوريين بعدما نجحوا في طرد المتسولين المحليين.
أما على الأرصفة فالمهاجرون الأفارقة أصبحوا ينافسون، بطاولاتهم التي يعرضون عليها مراهمهم وهواتفهم وتماثيلهم وأدوات زينتهم، الباعة الجائلين المغاربة.
وفي كل المدن والقرى المغربية هناك اجتياح للمهاجرين السريين القادمين من دول جنوب الصحراء، وطبعا فنحن لسنا ضد الهجرة بل ضد التساهل العشوائي في الحدود.
وإذا استمر المغرب على هذه الوتيرة فسيأتي يوم يدفع فيه ثمن تساهله في قضية حماية الحدود، وسنعيش مشكلة كبيرة بسبب الهجرة العشوائية.
مشكلة المهاجرين من دول جنوب الصحراء بالمغرب والخطوات التي أقدمت عليها الدولة، في إطار تسوية وضعية الآلاف من الأفارقة بالمغرب، موضوع ستكون له انعكاسات مستقبلية.
حاليا الوضعية مستقرة، خصوصا مع توفر الدعم الأوربي، ولكن هل الدولة لديها مخطط مستقبلي عندما يصبح لدينا الجيل الثالث من أبناء هؤلاء المهاجرين؟
هل الدولة تضع في حسابها أن أوربا قد يأتي عليها زمن تشتد فيه الأزمة عليها فتقطع الدعم المخصص للمغرب لملف الهجرة، وهو ما نتشممه بوضوح من التقرير الأوربي الذي أشرنا إليه؟
هناك ملاحظة لا أحد انتبه إليها، وهي أن الكنائس تعرف انتعاشة كبيرة ونشاطا منقطع النظير بفضل توافد المهاجرين الأفارقة المسيحيين عليها، وهذا طبعا يدخل ضمن حقوقهم الدينية التي لا أحد ينازعهم فيها.
لكن هل الدولة عندها سياسة في هذا المشهد الديني الجديد، وكيف ستتعامل مع هذه الأقلية المسيحية التي ستتحول من هنا إلى 10 أو 20 سنة عندما سيصل تعدادها إلى مليون أو مليوني مسيحي يجب تشييد كنائس جديدة لهم لتمكينهم من أداء شعائرهم الدينية؟
هل الدولة لديها استعداد لمنحهم حق الجنسية، أو القبول بهم في الانتخابات البلدية والتشريعية؟
وكيف ستتصرف الدولة معهم في حال وقعت لا قدر الله أزمة اقتصادية أو مالية مثلما حدث في أوربا؟
ألن يصبح هؤلاء المهاجرون عالة على الدولة، فلا هي قادرة على تحمل مواطنيها ولا هي قادرة على تحمل ضيوفها، بحيث سينطبق عليها المثل المغربي القائل «الطلاب يطلب ومرتو تصدق».
إن أوربا عندما فتحت ذراعيها للمهاجرين فلأنها كانت تعيش أزهى فتراتها الاقتصادية وكانت بحاجة للأيادي العاملة لتحريك عجلة الإنتاج. أما نحن في المغرب فـ«شمن ازدهار عندنا» حتى نفتح البلاد لكل المهاجرين واللاجئين، «مالين البلاد ومبوطلين بقا لينا عاد نخدمو البراني». وحتى بنو جلدتنا من المغاربة يهاجرون سرا ويقدمون أنفسهم كلاجئين في نقط الحدود بالدول الأوربية. وفي بعض المناطق من المغرب «حنا نيت راه لاجئين، السوريين براسهم إلى شافونا غادي نبقاو فيهم».
علينا أن نكون واضحين مع أنفسنا، الهجرة التي تفد إلى المغرب ليست هجرة نوعية، وأغلب المهاجرين يمارسون مهنا غير مهيكلة ولا يفيدون الاقتصاد الوطني في شيء.
وبغض النظر عن المخاطر الأمنية التي يطرحها تواجد كل هذه الأفواج من المهاجرين السريين، الذين لا تملك عنهم وزارة الداخلية أية وثيقة أو بصمة، بالتراب الوطني، فهناك مشاكل أخرى ذات طابع اجتماعي تنتج عن هذا الوضع غير الصحي.
والدولة عندما تقرر استقبال مهاجرين يجب أن تضمن لهم شغلا ومسكنا وحدا أدنى من الكرامة، أما أن نفتح أبوابنا للمهاجرين لكي يفترشوا الأرصفة وينضافوا إلى طابور العاطلين المحليين الذي يزداد طولا يوما عن يوم، فهذه مقامرة حقيقية باستقرار البلد.
علينا أن نحمي حدودنا جيدا، فلا عيب في ذلك، لأن كل الدول التي تفكر في أمنها القومي تفعل ذلك، حتى لا نجد أنفسنا بعد عشر سنوات من اليوم غارقين في مشاكل الهجرة المتوحشة حتى الأذنين، وآنئذ سيكون الوقت قد فات لتدارك الأمر.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *