الطنز الكيراني (2/1)

الطنز الكيراني (2/1)

فجأة اكتشف عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المعين، أن هناك توزيعا غير عادل للثروة بالمغرب، وأن الوضع إذا استمر على ما هو عليه فإن الأمر لا يبشر بخير، والدليل على ذلك الاحتجاجات التي تتزايد في الشارع.
وربما يقصد بنكيران احتجاجات رجال التعليم في الرباط والتي نزلت فيها نقابته ومناضلوه بقوة وترددت فيها شعارات تتهكم من رائحة المخزن «اللي عطات».
فبنكيران الذي يهدد النظام بالشارع، عوض أن يتحمل مسؤوليته كرجل دولة ويشكل الحكومة لحل مشاكل الناس، لن يستطيع أن ينزل أعضاء حزبه إلى الشوارع لتطبيق وصيته التي يطالب فيها بالتضحية في سبيل كرامة الشعب، بل إن كل ما سيقوم به هو استغلال الحركات الاحتجاجية للقطاعات المهنية التي ساهم في تأزيمها طيلة خمس سنوات وإنزال مناضليه لمساندة هذه الاحتجاجات ونفخ صفوفها لإخافة النظام ومقايضته السلم الاجتماعي بالحقائب الوزارية.
والواقع أنه كلما اشتد الخناق على رئيس حكومة تصريف الأعمال والمكلف بتشكيل الحكومة المقبلة، ووجد نفسه في عزلة، إلا وبدأ في ممارسة لعبته المفضلة القائمة على منطق الابتزاز والضغط، فبعد مرور حوالي خمسة أشهر على إجراء الانتخابات، وفشله في تشكيل الحكومة، لجأ بنكيران على نهج «هبيل فاس» إلى أسلوب المزايدات السياسية و«التشيار بالحجر» في كل الاتجاهات، بدءا بتصريحاته بخصوص الزيارات الملكية إلى البلدان الإفريقية، والتي تلقفها أعداء الوحدة الترابية على طبق من ذهب، ثم مهاجمة من أسماهم بأصحاب الثروة، الذين اتهمهم تحت قبة البرلمان بالاغتناء من ثروات المغرب دون أن يقدم أي دليل على كلامه، مقابل رفضهم تقديم القليل من هذه الثروات للفقراء والطبقات الهشة، بل ذهب إلى حد تهديدهم بورقة الاستقرار التي أصبح يشهرها مثل فزاعة لابتزاز الدولة وتحصيل منافع سياسية أو انتخابية.
وبالمقابل لا يتوانى بنكيران في إشعال فتيل التوتر مع بعض الفئات الاجتماعية لإثارة الاحتجاجات والفتن ثم الركوب عليها، لتقديم نفسه كمنقذ من تهديدات الشارع، أي في نهاية المطاف فبنكيران يشبه ذلك الإطفائي الذي يشعل الحرائق لكي يضمن الاستمرار في عمله كإطفائي.
وقد لاحظنا كيف يعيش بنكيران وحزبه على وهم ضمان الاستقرار للمغرب منذ خروج مسيرات حركة 20 فبراير سنة 2011، والتي ركب على مطالبها للوصول إلى قيادة الحكومة، وها هو اليوم يرفع مطلب إعادة الثروة ليس من أجل سواد عيون الفقراء، ولكن في إطار مزايدة سياسية للضغط على عزيز أخنوش لقبول شروطه، بعدما وجد نفسه عاجزا عن تشكيل أغلبية حكومية منذ ما يزيد عن أربعة أشهر ونصف، وفي نفس الوقت رفضه التخلي عن كرسي رئاسة الحكومة، بعدما ذاق حلاوته طيلة خمس سنوات.
والواقع أن أول من يجب أن يعيد الثروة إلى الشعب هو بنكيران الذي يتقاضى راتبه الذي يفوق 10 ملايين سنتيم شهريا دون أن يشتغل منذ خمسة أشهر، ومعه برلمانيو حزبه الذين رفضوا التخلي عن تعويضاتهم خلال فترة عطالة البرلمان، كما أنه في الوقت الذي سارع إلى تمرير تقاعد الفقراء الذي يستهدف الآلاف من الموظفين، استطاع أن يضمن تقاعده المريح له ولأعضاء حكومته المنتهية ولايتها، والبالغ عددهم 40 وزيرا، تبلغ قيمته 39 ألف درهم شهريا يحصلون عليها مدى الحياة، مع حصولهم على منحة سخية تسمى منحة نهاية الخدمة قيمتها 70 مليون سنتيم.
وفي مقابل هذه الامتيازات التي ضمنها بنكيران لنفسه وزملائه الوزراء أقبر مقترحات إصلاح تقاعد البرلمانيين رغم وجود نفس المبررات التي دفعت بالحكومة إلى استهداف تقاعد الموظفين، وهي إفلاس صناديق التقاعد.
عندما كان بنكيران في المعارضة رفع شعار محاربة الفساد والاستبداد، وعندما صار في الحكم غيره بشعار عفا الله عما سلف، وعندما كان في المعارضة رفع شعار اقتسام ثروة الأغنياء مع الفقراء، وعندما صار في الحكم شرع يدافع عن اغتناء الأغنياء ويسحق الفقراء بالضرائب، مما يعني أن محاربة الفساد واقتسام الثروة ليست سوى شعارات للمزايدة وليست قناعات.
والدليل على ذلك أن بنكيران سبق له أن طرح سؤالا على شباط مطالبا إياه بالكشف عن مصادر ثروته وحجمها، وعندما نشرنا في هذا العمود ثروة شباط وعائلته بالأدلة والحجج، أصبح بنكيران ظلا لا يفارق شباط وصار بالمقابل يتهم أخنوش، الذي سبق أن قال عنه إنه ولد الناس، بالاغتناء، رغم أن شركات هذا الأخير تصرح لدى الضرائب بالأرباح وتعاملاتها مكشوفة، عكس شباط الذي لا أحد كان يعرف أنه يملك كل تلك الممتلكات، بما في ذلك مصالح إدارة الضرائب.
وإذا عدنا إلى خطب بنكيران منذ تحمله مسؤولية رئاسة الحكومة، سنجده يدافع بقوة عن الأثرياء والأغنياء، بحجة أنهم هم من يحركون الاقتصاد ولذلك لا تجب إخافتهم، حيث قال في الجلسة الشهرية بمجلس المستشارين، حول موضوع «تحديات المبادلات بين المغرب والاتحاد الأوروبي»، إن حكومته «جاءت لتسهيل الأمور على رجال الأعمال المغاربة، ولم تأت ضد مصالحهم الاقتصادية»، وفي جلسة أخرى حول الحوار الاجتماعي، هاجم بنكيران النقابات، فيما وجه رسائل الغزل إلى فريق «الباطرونا» بالبرلمان، بقوله «الأغنياء يطبقون القانون وعليهم أن يتمتعوا بعملهم وجهدهم لأنهم يساهمون في حركية الإنتاج».
وخلافا لما كان يقوله بنكيران عندما كان في المعارضة، بكون حزبه جاء للدفاع عن الفقراء، قال في تجمع خطابي عقدته شبيبة حزبه بمدينة القنيطرة قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة، إن مشروع حزبه ليس ضد رجال الأعمال ولا الأغنياء، كما أنه غازل هذه الفئة وأعلن أن حزبه يدعم الأغنياء، بقوله «واش بغيتونا نبقاو غير رباعة ديال المزاليط ولا كيفاش»، وأضاف قائلا «أيها الميسورون عيشوا كما تريدون وبرفاهية وكولوا واشربوا»، وفي نفس الوقت هدد بنكيران رجال الأعمال بورقة الاستقرار عندما خاطبهم «اللهم تكون ثروتكم ناقصة وبلادكم مستقرة ولا ثروتكم زايدة والبلاد ما فيهاش الاستقرار».
وإذا كان بنكيران اليوم يطالب بتنازل الأغنياء عن جزء من ثروتهم للفقراء، فمن حقنا أن نتساءل عن ماذا فعل بنكيران طوال خمس سنوات لإعادة الثروة إلى الشعب الفقير؟ ألم يفقر هو نفسه الشعب بالضرائب مقابل أن يغتني الأغنياء أصحاب البنوك وشركات التأمين والشركات العقارية الكبرى ؟
إن هذا بالضبط ما تكشفه الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط التي توجد تحت سلطته الحكومية، والتي أكدت أن المغرب يحتاج إلى 24 سنة لتقليص الفوارق الاجتماعية الحالية بما يناهز 50 في المائة، وأن هذه الفوارق هي أكثر حدة على المستوى المجالي، أي بين الوسطين الحضري والقروي، كما أن ثلثي المغاربة، الذين يعانون الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية يستقرون بالبوادي.
بنكيران، الذي يراكم الثروة من مدارس التعليم الخصوصي، لا يتذكر الفقراء سوى في الحملات الانتخابية عندما يريد أصواتهم لنيل مقاعد لأعضاء حزبه بالمجالس الجماعية والجهوية وبغرفتي البرلمان، أما حقوق هؤلاء الفقراء، فقد هضمتها حكومته بفضل القرارات التي اتخذتها على مدى خمس سنوات من عمرها، ومنها استهداف قدرتهم الشرائية برفع دعم صندوق المقاصة عن المحروقات وما نتج عنه من ارتفاع في أسعارها التي ألهبت نيرانها كذلك أسعار مواد استهلاكية أخرى، بالإضافة إلى الزيادات في قيمة الضرائب وتنويعها على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، مقابل التستر على المتملصين الكبار.
أما كل ما قدمه بنكيران للفقراء، فهو مبادرات إحسانية موجهة للاستهلاك الانتخابي، من قبيل منحة الأرامل والمطلقات، وحتى صندوق التماسك الاجتماعي الذي وضعته الحكومة تم استعماله كآلية محاسباتية لتحقيق التوازن المالي على حساب تمويل البرامج الموجهة لاستهداف الفئات الهشة والفقيرة، فلم يصرف أي درهم من الصندوق خلال سنتي 2012 و2013، في حين لم تتجاوز نفقات الصندوق خلال سنتي 2014 و2015 على التوالي 1,85 مليار درهم و2,2 مليار درهم، أي أن مجموع ما تم إنفاقه برسم الصندوق خلال أربع سنوات لم يتجاوز 4 ملايير درهم، في حين بلغت موارده خلال هذه الفترة ما مجموعه 12 مليار درهم، ولا نعرف أين صرفت الأموال الأخرى.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة