الطنز الكيراني (2/2)

الطنز الكيراني (2/2)

إن جميع قوانين المالية التي وضعتها حكومة بنكيران طيلة مدة ولايتها المنتهية، كانت تستهدف الطبقات الوسطى والفقراء بفرض المزيد من الضرائب والرسوم على المواد الاستهلاكية بالخصوص، مقابل منح امتيازات ضريبية غير مسبوقة لرجال الأعمال و«الباطرونا». وخلافا لما وعدت به الحكومة بالعمل على توسيع الوعاء الضريبي، واستهداف مختلف الفئات بالضرائب، من خلال القطع مع منطق الإعفاءات الضريبية، والالتزام بخلاصات المناظرة الوطنية حول الإصلاح الجبائي، والتي تقرر خلالها عدم السماح بأي إعفاء في المستقبل، عملت الحكومة بشعار «عفا الله عما سلف» بالنسبة للأغنياء، باستمرار العمل بالامتيازات الممنوحة للأغنياء الكبار في الميدان الضريبي، نتج عنه تخليها عن 3600 مليار من الضرائب.
لكنها في مقابل هذا الكرم الحاتمي مع الأغنياء فرضت ضرائب جديدة على الفقراء، وبدأ تهافت الحكومة على توسيع الوعاء الضريبي من خلال استهداف مختلف الفئات الهشة بمن فيها التجار الصغار أصحاب «الحوانيت» وبائعو «الزريعة» بالأحياء الشعبية، ورفعت من قيمة الضرائب على النقل عبر الطرق السيارة والنقل السككي، والزيادة في الضريبة على جميع المواد الاستهلاكية الأساسية التي تدخل في نطاق القوت اليومي للفقراء وتشكل وجباتهم الغذائية الرئيسية، من القطاني والحليب والشاي والسكر والزيت، فيما رفضت، وهي الحكومة التي يقودها حزب يفتخر بمرجعيته الدينية، الزيادة في الضرائب المفروضة على الكماليات من قبيل الخمور والمشروبات الكحولية و«السيكار» والمجوهرات واليخوت والسيارات الفاخرة.
والمثير للاستغراب كذلك أنه عوض رفع الضريبة على كبار المضاربين العقاريين، وفرض الضريبة على الشقق المبنية غير المستعملة في السكن، للتشجيع على بيع وكراء الشقق، فرضت الحكومة ضريبة جديدة على السكن الشخصي، من خلال تحديد مبلغ المساهمة الاجتماعية للتضامن المترتبة على ما يسلمه الشخص لنفسه من مبنى معد للسكن الشخصي، لكل وحدة سكنية، وتبتدئ بشكل تصاعدي من مبلغ 50 درهما لكل متر مربع بالنسبة للمنازل التي تتراوح مساحتها ما بين 151 و200 متر مربع، لتصل إلى 400 درهم لكل متر مربع بالنسبة للمباني التي تفوق مساحتها 500 متر مربع، وفي الدقيقة تسعين من نهاية عمر الولاية الحكومية، منح بنكيران هدية ثمينة للمنعشين العقاريين على حساب المواطنين الراغبين في اقتناء قبر الحياة، وخاصة بالعمارات المشتركة، من خلال إدخال تعديلات على القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، وتم تمرير هذا القانون من تحت الطاولة، ونشر بالجريدة الرسمية يوم 16 ماي الماضي، والهدف من هذا القانون هو الرفع من مداخيل الضرائب من جهة وإغناء المنعشين العقاريين من جهة أخرى، بعد الركود الذي عرفه قطاع العقار. فقد سمح هذا القانون، بعد شهر فقط من الشروع في تطبيقه، في توفير مداخيل وأرباح إضافية للمنعشين العقاريين تقدر بمئات الملايين، فقط بجرة قلم في كل مشروع صغير، لأنه سمح لهم بالتلاعب بالمساحات داخل أجزاء الملكية المشتركة.
كما مررت الحكومة قانونا آخر هدية لكبار المنعشين والمجزئين «أصحاب التجزئات العقارية»، ويتعلق الأمر بقانون بيع العقارات في طور الإنجاز، بعد صعوبة تطبيق القانون الحالي منذ أزيد من 10 سنوات مضت.
كما عملت الحكومة، وبضغط من «ولد العواوشة»، على تقديم هدية سمينة إلى لوبيات مقالع الرمال، بتخفيض الضرائب المفروضة على استخراج الرمال من الكثبان الساحلية ورمال الجرف ورمال الوديان من 50 إلى 25 درهما للمتر المكعب، وتخفيض الرسم المفروض على رمال التفتيت المستخرجة من المقالع من 20 إلى 10 دراهم للمتر المكعب.
وعوض تحسين وضعية المدارس العمومية التي يدرس بها أبناء الفقراء، قام بنكيران بتحسين وضعية المدارس الخاصة التي توجد في ملكيته وملكية أعضاء حزبه، الذين أصبحوا من كبار المستثمرين في التعليم الخصوصي، الذي يقابله استمرار تدهور التعليم العمومي. وصدرت مؤخرا إحصائيات صادمة حول إغلاق ما يزيد عن 200 مدرسة، فضلا عن تفويت مؤسسات تعليمية عمومية إلى أصحاب «الشكارة» مع بداية الموسم الدراسي الحالي، والنتيجة هي تكديس 70 تلميذا في الفصل الواحد، وفي قطاع التعليم العالي، أهم ما قام به وزير العدالة والتنمية، لحسن الداودي، هو الترخيص للجامعات الخاصة والاعتراف بالشهادات التي تمنحها لزبنائها، مقابل ضرب الجامعات العمومية التي يدرس بها أبناء الفقراء، كما فتح قطاع الصحة في وجه أصحاب «الشكارة» للاستثمار التجاري، وبالمقابل منحت لثمانية ملايين فقير بطاقة «التمرميد» داخل المستشفيات العمومية، بسبب تراكم الديون المترتبة على الحكومة وتقدر بحوالي 10 ملايير درهم، وأصبح نظام «راميد» مهددا بالإفلاس وعدم تلبية المستشفيات لحاجيات الحاصلين على بطاقة التطبيب المجاني.
كما أن إدريس الأزمي الإدريسي، الوزير «البكاي» السابق المكلف بالميزانية والقيادي بحزب العدالة والتنمية، عارض بشدة فرض ضرائب جديدة على الأغنياء، كما أشهر «الفيتو» ضد كل التعديلات المقترحة للزيادة في الضريبة على ثروة الأغنياء، والتي تسمى بالضريبة على «الدخول والأرباح الناتجة عن الثروة»، ورفض الزيادة في الضريبة على الشركات الكبرى التي تحتكر استغلال الثروات الأرضية. وبرر الأزمي هذا الرفض بكون فرض الضريبة على ثروة الأثرياء ستكون له آثار سلبية على الجانب الاستثماري بالمغرب، ومن شأن فرض هذه الضريبة التشجيع على التملص الضريبي مما سيؤثر على موارد خزينة الدولة، وأثبت فعلا أن الحكومة تحمي هذه الطبقة مقابل الزيادة في الضرائب التي تمس الطبقات المتوسطة والفقيرة.
ولو كان رئيس الحكومة المعين جادا في تحقيق العدالة الاجتماعية، مثلما ادعى في قبة البرلمان، لكان أول قرار طبقه منذ وصوله إلى سدة الحكم، هو تطبيق الضريبة على الثروة مثلما صنع الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرانسوا ميتران بمجرد وصوله إلى الحكم.
فإذا كان من حق الأغنياء أن يسمنوا ثرواتهم، فإنه من حق الدولة أن تأخذ ضريبة على هذا التسمين.
الرئيس الفرنسي لم يفرض فقط ضريبة على الثروة بل ضريبة على علامات الثراء الظاهرة، فإذا كان من حق الأثرياء أن يتبجحوا بثرواتهم وأن يلبسوا ساعات الماس والذهب، ويركبوا سيارات «الفيراري» و«لومبرغيني»، ويقيموا لأبنائهم الأعراس بمأكولات مجلوبة من الخارج، فإن من حق الدولة أن تردعهم بهذه الضريبة حفاظا على السلم الاجتماعي، فالحقد الطبقي هو أحد أكبر أعداء الاستقرار في أي بلد.
وعندما يشاهد الفقراء كل هذا النعيم الذي يرفل فيه الأثرياء دون أن يكونوا قادرين على تلبية مطالب أبنائهم الأساسية، فإن منسوب الشر يرتفع ويكثر معه السطو وسائر الجرائم.
ولذلك أقر الرئيس الفرنسي الاشتراكي هذه الضريبة، لكي يدفع الأثرياء إلى إخفاء معالم ثرائهم حتى لا يستفزوا مشاعر الطبقات الفقيرة.
عندنا في المغرب أصبح استفزاز الأغنياء للفقراء رياضة وطنية، فكل من استطاع أن يتسلق السلم الاجتماعي ونجح في التسلل الطبقي، ومنهم وزراء في حزب بنكيران، يفكر أول ما يفكر فيه في استعراض ممتلكاته على الناس، وهذا ما يسمى الغنى الفاحش، وهذا الفحش يجب أن يتوقف، والطريقة الوحيدة لإيقافه هي فرض الضريبة عليه. «وديك الساعة شوف واش باقي شي خانز فلوس غادي يقدر يتفطح على عباد الله».
لكن السيد بنكيران يستأسد فقط على الطبقة المتوسطة وطبقة الفقراء، أما الأغنياء فإنه أعطاهم منذ تسلمه السلطة، التي يتهرب من تحمل مسؤوليتها، ليس فقط شبرا بل أشبارا من «التيساع».
إن الخوف من الفقر والطمع في الاغتناء هو ما يدفع الكثير من سكان الطبقة الوسطى إلى اللجوء إلى كل الوسائل الكفيلة بتحقيق طموحهم وطرد هواجسهم، بما في ذلك الوسائل غير النظيفة، وهذا ما يفسر «تربع» المغرب على سلم الفساد والرشوة وباقي الآفات الاجتماعية التي ينتجها الطامعون في الثروة من أبناء هذه الطبقة المتوسطة. لهذا السبب لدينا طبقة وسطى كل هم بعض أبنائها هو الالتحاق بطبقة الأثرياء والركض أكثر ما يمكن بعيدا عن طبقة الفقراء.
رئيس الحكومة يعرف أن هذه الطبقة هي الضرع الطبيعي الذي يجب حلبه كما ينبغي. وبقدر ما يتعرض هذا الضرع للحلب يدر المزيد، لأن المحرك المدر للحليب عنده هو الخوف من الفقر والطمع في الثروة.
والطماع لا يقضي عليه سوى الكذاب. والسياسيون بارعون في الكذب. أليست السياسة، كما قال «بول فاليري»، هي فن مشاغلة الناس عما يهمهم بالكذب عليهم؟
وهذا بالضبط ما يصنعه بنكيران عندما يعد الشعب بإعادة تقسيم الثروة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة