العالم العربي صار مهددا في حدوده ووجوده (2/2)

fahmi

علق على ذلك قائلا إن مصر «تريد المساعدات المالية السعودية والخليجية، لكنها لا تريد أن يكون لهذا ثمن عليها أن تدفعه ضمن معادلة المصالح العربية المتبادلة».
هذا الكلام ليس مجرد آراء شخصية أو اجتهادات لنفر من مثقفي الخليج، ولكنه يعبر عن رؤية تبلورت خلال السنوات الأخيرة وعكست بعض جوانب الخرائط التي استجدت في العالم العربي في ضوء الحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها، وهى أن مصر صغرت والآخرين كبروا.
أضع بين قوسين المبالغات والشطحات التي وردت في بعض التعليقات، خصوصا تلك التي ألغت أدوار بيروت والقاهرة وبغداد لصالح دبى وأبو ظبي والشارقة وقيادة الأخيرين للتنوير والحداثة في القرن الواحد والعشرين. فيما عدا ذلك لا يخلو من صواب ذلك الحديث عن انتقال مركز القرار العربي إلى دول النفط (رغم انخفاض أسعاره) كذلك لا يخلو من منطق تحليل د. الدخيل.
في كتابات سابقة أشرت أكثر من مرة إلى أن قيادة العالم العربي ليست وقفا ولا حكرا على بلد دون آخر، لكنها مسؤولية لها شروطها، من استطاع أن ينهض بها فهو جدير بها، لذلك فإن السؤال الصحيح ليس من يقود ولكنه في معايير تبوُّء مقعد القيادة والقدرة على الوفاء باستحقاقاتها من وجهة نظر المصالح العربية العليا.
وما عاد سرا أن مصر تخلت عن القيادة السياسية للعالم العربي بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر وتوقيع اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل عام 1989. إذ منذ ذلك الحين ظل مقعد القيادة شاغرا، رغم محاولات ملئه من جانب الرئيس العراقي صدام حسين تارة والعقيد معمر القذافي تارة أخرى. وحين توالت الانهيارات في المشرق بوجه أخص في ظل الفراغ المخيم، برز دور دول الخليج التي امتلكت من القدرة الاقتصادية ما لم يتوافر لغيرها من دول الإقليم.
وبقوتها تلك فإنها تصدرت المشهد وتعاظم دورها السياسي بصورة نسبية، وأصبحت صاحبة القرار في الجامعة العربية على الأقل، إلا أن ذلك تم في ظروف بالغة التعقيد، أزعم أنها الأسوأ في التاريخ العربي المعاصر، صحيح أن تراجع أسعار النفط حد من القدرة المالية لتلك الدول، إلا أنها لا تزال تؤدى دورها النسبي في توجيه القرار العربي، لأن أوضاع بقية الدول العربية الأخرى أكثر ضعفا. أما الظروف المعقدة التي أعنيها فتتمثل في ما يلي:
– إن دول الخليج تعاني خللا خطيرا في تركيبتها السكانية يؤثر على استقرارها في الأجل البعيد، فوفق تقديرات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي الست فإنها تضم نحو 49 مليون نسمة (عام 2013) إلا أن العمالة الآسيوية تمثل 16 مليونا في الوقت الراهن ويقدر لها أن تصل ثلاثين مليونا عام 2025. وطبقا لتقديرات الباحث الإماراتي د. حسين غباشي فإن نسبة العمالة الأجنبية تصل إلى 9 في المائة في الإمارات و75 في المائة في قطر، بينما تتراوح بين 30 و60 في المائة في بقية الدول. – إن دوله، وهى تتصدر المشهد العربي وتمسك بزمام القرار العربي، تعانى من الخوف والقلق من محيطها الخارجي خصوصا بعد التدخل الإيراني في اليمن. ورغم أن دوله تتصدر قائمة الدول الأكثر إنفاقا على التسليح، حتى إن الإمارات تعد واحدة من أعلى خمس دول في العالم تشتري السلاح، فإنها تعتمد اعتمادا شبه كلي على الحماية الأجنبية. لذلك فإن القواعد العسكرية الأجنبية منتشرة في كل دولها بغير استثناء. ولم يعد الأمر مقصورا على الأميركيين والإنجليز والفرنسيين، وإنما اصطف إلى جانبهم الأستراليون والقادمون من كوريا الجنوبية. وقد التحقت تركيا بالقائمة مؤخرا، حين أقامت لها قاعدة عسكرية في قطر.
– إن مستقبل العالم العربي أصبح يتقرر خارج حدوده. واللاعبون الكبار في الإقليم أصبحوا محصورين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران وتركيا. وذلك واضح تماما في الملف السوري الذي تتولاه تلك الدول، ولروسيا فيه كلمة مسموعة بحكم وجودها على الأرض في سوريا. ومن الواضح أن القرار العربي لا تأثير له على الملف السوري، فضلا عن أنه لم يحل شيئا في مشكلتي ليبيا واليمن. – إن حالة الهشاشة التي يعاني منها العالم العربي جعلته أكثر قابلية للتشرذم والانفراط، على نحو جعل احتواءه ومحاولة رأب تصدعاته عملية بالغة الصعوبة، الأمر الذي يلغي دور أي قيادة عربية، وقد رأينا بوادر التقسيم في العراق سواء بين السُنة والشيعة فضلا عن دعوة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني إلى الاستفتاء على الاستقلال.
كما أن خرائط تقسيم سوريا وإقامة دولة علوية تبدو تحت الإعداد. ولا يعرف مصير أقاليم ليبيا، كما أن ملف دارفور لم يغلق بعد في السودان. وهذه الهشاشة أطلقت يد إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ففرضت حصارها على رام الله والبيرة وقباطية، إلى جانب حصارها التقليدي لقطاع غزة فضلا عن استمرار محاولاتها اقتحام المسجد الأقصى.
وإذ تحل هذا العام الذكرى المئوية لتقسيم العالم العربي طبقا لاتفاقية سايكس بيكو التي وقعت عام 1916، بعد الحرب العالمية الأولى، فإن المئوية الجديدة تنبئ بما هو أسوأ. ذلك أن الاتفاقية وقعت بعد انهيار الدولة العثمانية التي وصفت بأنها رجل أوروبا المريض، وهو وضع قريب الشبه بانهيار النظام العربي وتراجع دور مصر التي صارت رجل العرب المريض.
وكما انكسرت راية الدولة العثمانية آنذاك، فإن الإرادة العربية انكسرت بدورها بعد خروج مصر على الإجماع العربي في معاهدة السلام مع إسرائيل، وبعد تعرضها للهزات السياسية والاقتصادية. وذلك الانكسار فتح الباب واسعا لمختلف التصدعات التي فتحت شهية كثيرين للحديث عن إعادة تقسيم العالم العربي ورسم خرائط جديدة له، وقد أشرت توا إلى حظوظ العراق وسوريا والسودان منها، كما أن مشروع دولة الخلافة (تنظيم الدولة الإسلامية – داعش) يبدو ضمن تجلياتها.
ثمة ملاحظتان أساسيتان ترِدان في هذا الصدد. الأولى أن العالم العربي في ظل الخرائط الجديدة لم يعد مهددا في حدوده فحسب، وإنما في وجوده أيضا. وذلك حاصل في الوقت الراهن دون غزو من الخارج، وبفعل عوامل داخلية في الأغلب.
الملاحظة الثانية أن موازين القوى المحيطة تغيرت هذه المرة. فلئن كانت إنجلترا وفرنسا وراء اتفاقية سايكس بيكو قبل مائة عام، فإن رعاة القسمة هذه المرة تضاعفوا، وانضمت إليهم الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل. ولذلك حديث موجع آخر أستكمله الأسبوع المقبل بإذن الله تعالى.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *