العربية والناطقون بها

كل شعوب العالم تحتفي بلغتها الأم، ويتخذ هذا الاحتفاء أشكالا متعددة، منها الوجداني واللاهوتي، ومنها العلمي والفكري. فعندما كان أفلاطون يبسط نظرته للغة في محاورة كراتيليوس، فإنما كان يفكر باللغة اليونانية مقلبا الإمكانات التداولية والاشتقاقية التي تسمح بها. وعندما كان أرسطو يضع أنواع الخطاب، واضعا البرهان سبيلا وحيدا للعلم، فإنما كان يضع قواعد القياس، وفي ذهنه القواعد اللسانية التي تسمح بها اللغة اليونانية ذاتها، وهذا ما يفسر «امتعاض» أبي سعيد السيرافي في مناظرته الشهيرة مع متى بن يونس، من منطق اليونان، لأنه نظر إليه كقواعد خاصة بلغة قومية وليس كقواعد عامة لعقل بشري. والأمر ذاته نجده عند كل اللغات التي نتفق اليوم على تسميتها بالحية، ضدا على اللغات المسماة «ميتة». فقد احتفى شكسبير بلغته وهو يكتب بها، لذلك فيوم مولده هو ذاته اليوم العالمي للغته. وكذلك فعل كل شعراء وفلاسفة اللغة الألمانية، وإلا فهل يمكن أن ننفي علاقة فلسفة هايدغر باللغة الألمانية، والتي لطالما اعتبرها الوريثة «الشرعية» للغة اليونانية؟ وبالتالي فحديثه عن الوجود الذي يجدر بنا أن ننصت إليه وهو يسكن اللغة، إنما يقصد الوجود الذي يسكن اللغة الألمانية كما عبر بها الشعراء، وخاصة الشاعرين جورج تراكل وفريدريك هولدرلين.
نحن أيضا، منا كثيرون يحتفون باللغة العربية، بل ومنا من انتدب نفسه للدفاع عنها في المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني. كان هذا قديما إبان عصر التدوين المتنور، وحديثا أيضا. لكن هل لنا أن نفكر في اسم عربي واحد بعد عصر التدوين، أي بعد القرنين الثالث والرابع الهجريين، ساهم في تطوير اللغة العربية، كما فعل علماء ومفكرو وشعراء وفلاسفة اللغات القومية الحديثة؟ فالذي حدث هو أن اللغات المسماة حية الآن، كانت مجرد لغات قومية لا تتعدى حدود تداولها الشعوب التي تنطق بها في تواصلها اليومي، قبل أن يتم تقعيدها وتطويرها بالعلوم والفلسفة والفكر في ما بعد عندما تم تخليصها من الغيبيات التي تلفها.
عندنا، لم نتجاوز بعد في دفاعنا عن العربية حدود ردود الفعل تجاه من ينوون، بهذه النية أو تلك، تهميشها، إذ غالبا ما يؤول كل حديثنا عنها إلى كونها لغة قرآن، وينتهي دفاعنا بتفكير أعدائها، ما يوجد عندنا حقيقة، حتى الآن، هو متعلمون يدافعون بعاطفة عن لغة لا يتقنونها، وهذا موثق بإحصاءات همت مدارسنا وجامعاتنا. أما النخب فيمكننا القول إنها تدافع عن لغة العربية وضعت قواعدها قبل أكثر من أحد عشر قرنا، لكنهم لم يتجاوزا ما قاله ابن جني والجرجاني وسيبويه وابن منظور وغيرهم. هذا في أحسن الأحوال، ولكن من سوئها أنهم يتوقفون هناك أيضا. ولنتذكر هنا أن واضعي علوم اللغة العرب في عصر التدوين كانوا يعمدون إلى اعتماد البدو المستقرين في الصحراء العربية مرجعا لهم لكونهم على سليقتهم. لنفهم أن دفاعنا اليوم عن العربية إنما يستند إلى عربية بدوية لم نعد نعيش وسطها الثقافي الذي تم تقعيدها فيه. وتطويرها بأن ننتج بها المعرفة والفكر والفلسفة وهذه حكاية أخرى..

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

١ تعليق

  1. عبد الصمد

    أتساءل :ما هي الغيبيات التي يجب أن نخلص منها لغتنا العربية؟؟إن تطور اللغة مرهون بالعلم وبمساعي أهلها لجعلها مواكبة لكل مستجد .لغتنا لغة القرآن ،لكن هل نستعمل كل المرادفات والمعاني في التعبير عن ثقافتنا والغوص بها في بحر العلوم والتكنولوجيا…!!!

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة