كتاب الرأي

العمارية

شامة درشول
لفت انتباهي وأنا أتصفح مواقع الأخبار عنوان يقول بعودة كوميدي إلى زوجته الأولى بعد طلاقه منها لسنوات، وأنهما قررا الاحتفال بهذه العودة من خلال إقامة حفل زفاف جديد، وركوب «العمارية» هذه المرة رفقة ابنتهما التي تبلغ بضع سنوات.
قد يبدو الخبر عابرا، لكن إن تأملناه جيدا، وربطناه بكل تلك الأخبار إن صح تسميته خبرا، يبدأ بهذا الذي تعمد نطق اسم فيروس نطقا غير صحيح فانتشر خطؤه انتشار النار في الهشيم، وأراد الناس وبعض من الذين باتوا يسمون بالمؤثرين التعبير له عن حبهم له ولم يجدوا سوى «لعمارية»، و«لعراسية»، طريقا لذلك، ولا ينتهي هكذا خبر بعنوان عريض لا تتردد صحف المواقع في نشره «الفنانة فلانة تركب العمارية في حفل عيد ميلاد ابنتها».
لماذا يفضل هؤلاء الطارئون التعبير عن فرحهم فقط بـ«العمارية»؟، لماذا لا يرضون إلا بحفل زفاف و«عراسية» من أجل الاحتفال بحدث أفرحهم حتى لو كان حفل عيد ميلاد؟ لماذا لا يجد هؤلاء إلا هذه الطريقة في الاحتفال؟ ولماذا يحرص المغربي على أن يتظاهر بأنه منفتح ومتجدد إلا في طقوس الاحتفال بالزفاف يظل وفيا لـ«العمارية» والـ«عراسية»؟
هل تتخيل حفل زفاف مغربي بدون «عمارية» و«طيفور»؟ طبعا لا يمكن لأنها من الطقوس الأساسية في حفل الزفاف المغربي، لكن في حفل زفاف وليس في حفل عودة للزواج بعد طلاق، وليس في حفل عيد ميلاد، وليس في حفل عقيقة، وليس احتفالا بزوجين دام زواجهما ثلاث سنوات.
العمارية والطيفور وهي طقوس مستلهمة من الهودج والذي كان يعتبر في عهد الغابرين تعبيرا عن علو مكانة صاحبه، وثروته، ووضعه الاجتماعي، وإن كان تمسك المغاربة به كطقس في حفل زفاف أمرا مشروعا وتعبيرا من أهل الحفل على احتفالهم بالعريس والعروس باعتبارهما هما نجمي الاحتفال، فإنه في هذه الحالات التي بتنا نقرأ عنها «خبرا»، ما هي إلا تعبير عن محاولة هؤلاء «الأغنياء الجدد»، للتشبه بالأغنياء بالوراثة، ولركوب العمارية الهودج فقط من أجل تمرير رسالة بدون وعي من صاحبها يقول فيها«لقد أصبحت من هؤلاء الأغنياء، أنا فوق، وأنتم أسفل، تحملونني، تحتفلون بي، أنا مركز اهتمامكم، وأنا أصبحت غنيا، مشهورا، مهما، بما يكفي لكي أجعلكم تحملوني في عمارية».
هو مجرد جوع للفت الانتباه، رغبة في التخلص من عقدة التهميش التي عانى منها هؤلاء الطارئون، وحين سلطت عليهم الأضواء، أو جعلوا الأضواء تسلط عليهم، اعتقدوا أنهم حصلوا على الوضع الاعتباري الذي يستحقونه عليه أن يركبوا العمارية، دون أن ينتبهوا إلى أن الغني بالوراثة قد يفعل أي شيء من أجل الاحتفاء بنفسه، وبنجاحه، وبثروته، لكن دون أن يكون هذا التعبير من خلال «العراسية»، و«العمارية» لأنه بكل بساطة يعتبر هذا سلوكا لا يسلكه سوى الرعاع، قليلي الذوق، والذين لم يعلمهم المال، ولا الشهرة، أصول اللباقة، أصحاب العمارية هؤلاء يجهلون أنهم بسلوكهم هذا لا يعبرون سوى عن عقدة نقص يحاولون التخلص منها حتى لو اضطروا إلى ركوب العمارية في حفل عيد ميلاد، أو لركوبها كل سنة.
علاقة المواطن المغربي بالعرس علاقة غريبة، حتى أن علماء السوسيولوجيا أفردوا لها دراسات وأبحاثا للأسف يتم حفظها في كتب أكاديمية لا تغري القارئ العادي بالاطلاع عليها، وهذا هو الدور الذي بات الإعلام في بلدنا يقوم به، وإلا كان تطوع بتطويع هذه الدراسات، وتقريبها للقراء حتى يفهموا أسس العقلية المغربية بالاعتماد على طقوس مثل حفل الزفاف، وكيف تطور، ومدى اختلافه من منطقة في المغرب لأخرى، ودلالات كل طقس من هذه الطقوس.
قارن بين مواطن غربي، ومواطن مغربي، ستجد أن المواطن الغربي يميل أكثر إلى البساطة في الاحتفال، ويركز أكثر على إضفاء معنى لكل ما اختاره لتأثيث هذه اللحظة، وطور المواطن الغربي علاقته بحفل الزفاف حتى بات يكتفي بحفل بين اثنين ومصور، وثار على مكان الحفل، فخرج من الكنيسة إلى قمة الجبل، وتحت الماء، وداخل المنطاد، جعل من الفرحة هي أساس الاحتفال، وليس المكان، ولا الشكل، في حين ظل المغربي لصيقا بنفس الطقوس وكأنه يخشى أن يفقد هويته إن هو غير شيئا ما من هذه الطقوس، ويعتقد المغربي أنه شخص منفتح، ويتماهى مع التحولات السوسيوثقافية لكن في الحقيقة هو يغير الشكل فقط، ويتمسك بشدة بثوابت الطقوس القديمة، وهذا ما يفسر لماذا يحتفل مواطن مغربي بعيد ميلاد والذي هو حفل دخيل على الثقافة المغربية، ولا يجد مانعا في أن يحتفل به بركوب العمارية، لأنه بكل بساطة ذاك المواطن الذي وصفناه بأنه يعتقد أنه مواطن منفتح على التغيير، في حين أنه يغير الشكل فقط، ويحرص على الحفاظ على الثوابت، لأنه يخشى أن يفقد هويته، ليس تشبثا بها، بل لأنه لا يملك بعد الشجاعة الكافية للخروج عما ألفه إلى ما لم يألفه بعد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق