CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
970 250x

الفقر والتخلف.. والأولاد

في الألفية الثالثة لا يزال كثير من الكادحين يعيشون في فقر مدقع ويعانون من الهشاشة وترسانة من أشكال الحرمان. هناك الكثير من الناس الذين يحيون ـ وبون شاسع بين من يحيا ومن يعيش ـ من القمامة ونبش حاويات الأحياء الميسورة، ولقط الخبز اللين، وانتظار ارتجاج صنارة على حافة النهر أو على تل بحري، وانتظار أصبع مقاول عقاري تشير بتكبر إلى أذرع نحيفة وملامح جاهمة.
ما تزال هناك أسر تعيش في «البراريك» تقلي جلدها في الصيف وتجمد أوصالها في الشتاء البارد، وحين تفيض حفر الصرف الصحي تلفظهم الروائح العطنة قسرا. ما تزال الكثير من الأسر «الدرويشة» إذا تغذت لا تتعشى، تنهج نظام الحمية الذي فرضته اليد القصيرة وقسوة التغذية الجافة المملة، وعندما يمرضون يجدون أنفسهم مكرهين على العلاج بالأعشاب التي تصفها عيادة الجارات والمشعوذين، وحمل صخرة سيزيف والاقتداء بصبر أيوب بعد جولة ماراطونية في المستشفيات، لئلا يحجزوا موطئا في زنزانة نتنة.
وما زلنا نحن جيل الثمانينات الذي شهد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، وثورة الحاسوب ومحاكاة مهارة مارادونا، ومعايشة السحيمي وبرادة وزفزاف وشكري والعروي والجابري والمنجرة… نعاني الأمية والتخلف والتضليل والسفسطائية والانشطار والضياع. الأديب يشتكي والكثير هجروا إلى جوار أدونيس والطاهر بن جلون وواسني الأعرج، والذي بقي بجوار أمه استكان في برجه العالي يشيد بدون كيخوط ومدام بوفاري وزوربا اليوناني، وأحيانا كثيرة يثني على نشير أنوثة ثائرة في مواقع التواصل الاجتماعي. والصحافة المأجورة تمجد أولياءها في الواجهة وتنتقد الواقع وتعري مكامنه، بدون أن تقدم حلولا أو تجبر الكسر وتفرض سلطتها الخلاّقة الإصلاحية.. وحدها أقلام جريئة تناضل في بركة قروش وتماسيح. والأستاذ الجامعي أصبح عضوا مافيويا يبتز الطالبات في مكتبه الخاص ويسلخ بحوث طلبته سلخا مخزيا ويتبناها، ويرفع سوم الماجستر والدكتوراه في بورصة السوق السوداء بالجامعة، وكل همه تلك الترقية التي تقربه من العمادة وشخصيات نافذة وتسهم في توسيع مشاريع خاصة. والمعلم يقدم دروسا غامضة لتلاميذ مقهورين وكأنها تنزل عليهم بالمظلات من زحل أو المريخ، ويلعن الحكومة والوزارة الوصية. والوزير تعلم ويعلم أبناءه في الخارج «الماركوتينغ» وبعض الخدع التي تفيد نهب البلاد والانسلال كما تنسل الشعرة من العجين، وكيف يأمرون المخزن بدمغ أولاد الشعب عندما يثورون على الواقع الأليم ويطالبون بالحق في التعليم والصحة والشغل. وتظل الأفواه تقذف التساؤلات المحيرة بلا جدوى.
لمَ تتخبط هذه البلاد في زجاجة الجهل الضيقة؟ لمَ التعليم منذ مطلع التسعينات وهو يتراجع؟ من المسؤول عن هذا التراجع؟ لمَ هذا التعليم بمثابة رأس الأقرع الذي تتعلم فيه الحكومات المتعاقبة الحجامة بلا فائدة؟
فضلا عن الانفجار الديمغرافي، الفقر والأبناء، وتفاقم مظاهر البؤس والانحراف والعطالة، نسبة عالية من نسل هذه البلاد تتحدر من الأوساط الشعبية التي تحسن الحكومة استغلالها. وكما قال فكاهي ساخر: «امكث أمام فيلا ستنتظر نصف يوم ليخرج أحدهم، وامكث أمام «براكة» سيتوافدون وكأن تلك «الخربة» تجرى بها ألعاب القوى». وهذه الوفود البريئة التي إما جاءت عن جهل بموانع الحمل أو من خلال خطأ في عد حساب الدورة الشهرية، تعيش منبوذة، ففي جميع الأحوال نزلت عن طريق الخطأ، يعني غير مرغوب فيها والمجتمع بدوره سيرفضها. نسبة تجهل حقوقها ولا تنعم بأبسطها، وجدت نفسها تتخبط في برك آسنة، وكل ما تفكر فيه الخبز وفاتورة الكهرباء والمسلسلات الترفيهية المهدئة التي تلقن دروسا في الرومانسية والانحلال وقلة الأدب. نسبة لا تصادف في طريقها سوى النتوء والأحراش والعطالة والتهميش ومشاريع إجرامية أو إرهابية، أو إكراهات اغتصاب الكرامة الإنسانية بمسح الأحذية أو بيع المناديل الورقية في التقاطعات والمحطات الطرقية والاستعطاف بالأكياس البلاستيكية في الأسواق. والمحظوظ هو الذي يبيع «براكة» والديه ويقامر بحياته نحو القارة العجوز لينتحل صفة لاجئ.
هذه بعض مظاهر بؤس بلادي التي تتنكر لأبنائها وتقبر أحلامهم، يستغلها الجهلة والدجالون الذين لا يفكرون سوى في تضخم الأموال والتبجح بالفيلات والضيعات والسيارات الفارهة التي يشتريها الشعب بضرائبه، وكذا نهب خيراتها والاستثمار في سياستها، والانشراح بحفلات تستدعي نجوم عراة ينسون ثيابهم في مخدعهم بمبالغ خيالية يكدح الشعب بدفعها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة