GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الفوالق الطبقية (1-2)

حين عدت إلى بيتي في مدينة الجديدة، طالبا الراحة من وعثاء السفر، بعد محاضرة لي في مدينة تطوان الرائعة في شمال المغرب، وكان الحديث عن (التحولات السياسية في العالم العربي) كانت في انتظاري مفاجئة غير مريحة؛ فقد انفجر أنبوب الماء في نظام الطاقة الشمسية على السطح، راشا البيت وما حوله وكأنه مطر الطبيعة المنهمر.
أنا شخصيا تعودت على فلسفة في الحياة ـ ولعلها تأثرا من الألمان الذين عشت بين أظهرهم ردحا من الزمن ـ أن لا أنام قبل إصلاح الخلل، وهكذا أجريت اتصالاتي إسعافا بمن أعرف من (بلومبيه = سمكري سباك) حتى اجتمعت بالملقب (الغول) هو شاب عملاق قوي، دقيق في عمله، كأن ذراعيه صبتا من فولاذ. قلت له سآتي إليك فأحضرك لتعالج المشكلتين، وكانت الأولى خرخرة المياه في الحاصر الرئيسي (الماجنة) فقد ضاع المكان (تهرس بالمغربية) فلا بد من (تصويبه) ومعالجة الخلل فيه. والثاني الصعود إلى سطح البيت مع الأنوار الكاشفة لرؤية مكان الانفجار ومعالجته. نسيت أن أذكر أنه قبل قدوم الغول قمت مع زوجتي المغربية النشيطة (الحاذقة) بمعالجة ترقيعية باللاصق (السكوتش) وخيطان القنب لسد الشق مؤقتا.
قال الغول إن بيته في دوار (الغنادرية) حسنا الاسم يوحي بالجمال من كلمة الغندور (بوغوص بالمغربية) ذهبت بالسيارة لإحضار الرجل مع عدته الثقيلة. فمررت بحي مذهل من فيلات تذكر بقصص ألف ليلة وليلة، ومغامرات السندباد البحري ومصباح علاء الدين السحري والجني، ثم دلفت خلف منطقة الفيلات إلى دوار الطاجين ثم دوار الغنادرية.
هنا انقلب عندي الزمن فقد رجعت إلى العصر الحجري؟ حفر ونقر أزبال وظلام، أول ما خطر في بالي وأنا أقفز بين العالمين رواية أحدب نوتردام لـ (فيكتور هوجو) حين تحدث عن الشاعر الذي دخل فجأة إلى مدينة الشحاذين في باريس.
هذه هي مهمة المثقف، وكانت كلفة مثل هذا السرد الفاضح أن نفي (هوجو) أو هرب وآثر المنفى كما فعل أصحاب الكهف حين استبدلوا الفراش الوثير بالكهف البارد، حين تحدث في قصته (البؤساء) عن (جان فالجان) وكومونة باريس، وحين التهبت الثورة بعد انهيار نابليون الثالث في معركة زيدان في وجه الألمان عام 1870 م، وكيف نشأت دولة بدون حكومة مركزية، حملت فيها النساء السلاح، ولبسن الزي العسكري، ولم يبق ثمة فارق هام بين النساء والرجال الثوريين. يومها سحق وقتل 25 ألفا من الأنام.
في قصة (أحدب نوتردام) قفز الروائي إلى العصر السابق، حيث حكم الملوك المستبدون، وفي الرواية مناظر مثيرة جدا عن الملك، وهو يفكر في كيفية إلقاء القبض على الراقصة (أزميرالدا) التي التجأت إلى الكنيسة، بعد أن حكم عليها مجمع الكرادلة أنها ساحرة تتعامل مع الشياطين وجزاؤها تطهير الأرض من رجسها شنقا؟.
هنا لم يكن ثمة في كل القصة والمحاكمة أكثر من إعجاب الفتاة البسيطة الساذجة الراقصة أمام كنيسة نوتردام ومعها عنزتها الصغيرة، بضابط أغواها حين مر بها تستجدي المشاهدين لفتات من أيديهم، بعد أن طردتهم قوات الملك من الساحة العامة. كانت الكارثة أن هذه الفتاة تجاوزت الطبقة فأحبت الضابط الأرستقراطي، الذي لم يكن يهمه أكثر من تمضية ساعة وصال مع هذه الراقصة الجميلة الرشيقة.
في الفيلم يمثل دور الأحدب (أنتوني كوين) بحدبة فظيعة في ظهره، وتأتاة في ألفاظه أقرب للبهيمة وهو يحمل أنقى قلب، أما الراقصة فهي إلهة الجمال الإيطالي (صوفيا لورين) التي فاقت في أنوثتها ربة الجمال اليونانية أفروديت.
هنا يدخل دور رجل الدين الذي أحب أيضا الراقصة، ولكنه وقع في صراع مخيف بين قلبه وعقيدته، ولما سقط في وحل الجنس، ورأى الفتاة في أحضان الضابط اللعوب، عمد إلى طعنه غيلة من الخلف بمدية.
ألقي القبض على الراقصة ونجا الضابط من الطعنة، ولم يكن ثمة شاهد على الواقعة إلا قزم صغير مع أمه ممن قدم غرفة الحانة لساعة الجنس. قالوا وكانت تلك الأيام الكالحات تدعم مثل هذه التصورات أنهم رأوا شبح شيطان أسود هو من قام بالطعن.
صدق مجمع الكرادلة وهم يصدرون الحكم ويطلبون شهادة الكاهن الذي عشق الراقصة. كان بوده أن يشهد معها لولا صرختها وفرحها حين عرفت أن الضابط حبيبها نجا من الموت، فصدق مع الشهود أنها كانت تتعامل مع الشيطان فحكم عليها أن تساق للشنق.
الروائي الفرنسي (هوجو) يأخذنا هنا إلى فصل درامي، حين وضعت الفتاة على المشنقة، ليتدخل الأحدب من ظهر الكنيسة العملاقة نوتردام قفزا بحبل أشبه بقرد فيخطف الفتاة من أيدي الشناق.
هنا يحتدم الموقف؛ فكيف يمكن اقتحام الكنيسة لإلقاء القبض على الفتاة الراقصة الساحرة المجرمة التي طعنت الضابط الأرستقراطي؟
وهنا ومع كل انحطاط العصور الوسطى فهي لم تبلغ ما بلغه العالم العربي من الانحطاط؟ أذكر من صديقي (عبد الحليم أبو شقة) المصري صاحب كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) حين عقب على كلامي في الانحطاط فعدله؛ مؤكدا أن الانحطاط لا قاع له كما أن السمو لا سقف له. وهذا يعني أن المجتمع الإنساني يمكن أن يسف ويسخف إلى ما لا نهاية ويغرق في بحر الظلمات.
في هذا الصدد تنفعنا الآية: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين. هنا كلمة السمو (أحسن تقويم) نكرة، كما أن الارتداد نكرة (أسفل سافلين)؛ فلم يدخل (الـ) التعريف في التقويم فضلا عن السفالة؟
وهذا يعني كما عقبت يوما مجلة (دير شبيجل) الألمانية على مذابح الصرب ضد البوسنيين المسلمين ـ بالطبع بشار البراميلي فاق الجميع في سقف جديد من القسوة ـ أن قشرة الحضارة رقيقة جدا، وهي فعلا كما ذكر (برونوفسكي) في كتابه (ارتقاء الإنسان) أن الحضارة هي بنت البارحة قبل 12 ألف إنسان بعد أن بقي الإنسان أزيد من مليون سنة يطارد الوحوش ويأكلها، كما تطارده الوحوش وتأكله.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة