MGPAP_Top

الفيلم القرآني (فكرة الأحاجي PUZZEL)

الفيلم القرآني (فكرة الأحاجي PUZZEL)

لا توجد قصة متكاملة واضحة الهدف والمعنى إلا في سورة واحدة هي سورة يوسف عليه السلام، وهي سورة نزلت ضمن ظرف معين صعب مطوق باليأس. كانت سورة نزلت مع اشتداد المحن وانغلاق الجو أمام دعوة نبي الرحمة (ص)؛ فجاءت السورة تقول له (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين).
ولعلها نزلت في السنة العاشرة من البعثة في مكة، ومسألة السور ووقت نزولها لا يمكن الوقوف عليها تماما باستثناء أن هناك 18 جزءا مكيا والباقي مدني. الأول ليس فيه تشريعات والثاني بدأت فيه التشريعات في رسم خطى المجتمع والدولة والسياسة والحرب.
قصة موسى أمرها مختلف فهي متناثرة في عشرات السور، وفي كل سورة لقطة من الفيلم، بحيث يمكن ـ إذا جمعنا البوزل (Puzzel) الأحاجي أو قطع الصورة ووصلها بجانب بعضها أن تتوضح الصورة؛ فكما هو معروف في علم السينما، إن أمكن عرض صور متلاحقة بسرعة معينة فسنشاهد فيلما متصلا.
في الصورة اليتيمة نحبس الزمن فيمكن تخليد الصورة بوحدة زمنية معنية، أما تلاحق الصور، ربما بحدود ثمان لقطات في الثانية، فهي تنسي العين أنها ترى مقطعة بل مشاهد متلاحقة وكأنها الحياة تتدفق، فهذه كانت من منجزات الجنس البشري في إنتاج الأفلام.
وانتقلت السينما بالصور المتلاحقة من الصامتة إلى الناطقة، ومن الأسود والأبيض إلى الملونة ومن المحدودة إلى السكوب تحتل كل الشاشة، بل وحاليا سنرى الأفلام قريبا بالأبعاد الثلاثية. أنا شخصيا رأيت مثل هذا في مونتريال فظننت نفسي في البحر بين السمك أو بين القوم أسمع لغطهم.
في القرآن الكريم يوجد قريب من هذا وأكثر حين ينقل لنا همسات النفوس والمشاعر، ولكن لنبدأ بالقصة من أولها.
تبدأ القصة من سورة (القصص) في التلويح بقدوم المخلص في ظلمات اليأس وكيف ألقته أمه بالتابوت في اليم (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين).
ظلمات من القهر والعبودية وليس ثمة نور في نهاية النفق. لم يأت المخلص بعد، ولكن كيف ومن أين سيأتي؟
العجيب أن القائد سيأتي من نفس البيت الفرعوني، ولكن كيف ولماذا تمت القرعة التاريخية على يد غلام ضعيف، تخشى عليه أمه من القتل؛ فتلقيه في التابوت في اليم؛ فيلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا؟
هنا نحن أمام لقطة من علم السيكولوجيا؛ فلا أمل من شعب اعتاد القهر والإهانة، أن تخرج منه قيادة محررة (سيكولوجيا) من عقدة الخوف والقهر وروح الانتقام. هنا ولد فرعون وتربى في قصر القيادة.
نتابع القصة لنراه وهو يبطش برجل فيقتله بضربة، ليهرب من المدينة خائفا يترقب، ليأتي مدين فيجرب قوته من جديد مع الرعيان الذين كانوا يتزاحمون على الرعي، ومن دونهما امرأتان تذودان، قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.
تعجب الفتاة بعضلات وفتوة وشهامة هذا الشاب فتأتيه على استحياء لتقول له إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، ليفوز بالعروس وإقامة عشر سنوات بدون ملاحقة من الأنتربول الدولي على جريمته في مصر، لأنه كان يومها وهو في مصر في طريقه لجريمة ثانية، حين رأى اشتباكا آخر في السوق.
كل القصة السابقة تتناولها سورة (القصص) بالتفصيل لنقلب الصفحة باتجاه سورة (طه) فنتابع رحلة الاستقرار في مدين ثم كيف يعود في مهمة إخراج بني إسرائيل من العبودية، هنا قصة السحرة تأتي في ثلاثة مواضع، سورة طه والأعراف والشعراء.
في سورة الشعراء لقطة مميزة، في صالون فرعون والنقاش الذي دار بينهم، وكذلك في سورة طه إشارة إلى جانب من تساؤلات فرعون، ولكن سورة الأعراف تحفل بباقي القصة، بعد عبور البحر، ولكن المشهد الأخاذ للقاء المزدوج أمام البحر، ثم شق البحر بالعصا، وكيف تتحول أوحال البحر إلى طريق يابس للعبور (طريقا يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى) ثم لقطة من سورة الدخان وموسى يحاول ضرب البحر من جديد بالعصا (واترك البحر رهوا) فيقول له الرب تمهل فالخطة هي ابتلاعهم أجمعين.
في سورة الزخرف نحن في خطبة جماهيرية سياسية من الكذب الرخيص ـ كما هي عادة السياسيين ـ حين خطب فقال أنا مالك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أما موسى فهو تافه مهين (الذي هو مهين ولا يكاد يبين).
وكذلك إشارة إلى العقائدية التي كان يدين بها وأنها تدور حول أسورة من ذهب أو ملائكة معه مقترنين، لتنتهي الخطبة بفلسفة الطاعة والخضوع (فاستخف قومه فأطاعوه).
في سورة المؤمن أكثر من عشر آيات مخصصة لنشيد الحرية وأن الصمت أحيانا يكون جريمة، حين أعلن رجل من الحلقة الضيقة للقيادة الفرعونية (كما في بشار البراميلي والعصابة المطوقة له من إيرانيين وروس) إيمانه أنه لا يصح قتل رجل لأنه أبدى رأيه (وقال رجل مؤمن من آل فرعون أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟) بحيث يمكن اعتبار سورة المؤمن أو غافر هي سورة الحرية أو التعبير وقول الحق في وجه القوة، أو هي سورة المثقف الحقيقي.
في سورة الأعراف مماحكات وعودة إلى الصنمية والطلب من موسى فور عبور البحر أن يعمل لهم صنما ينفخ له خوار. أما سورة المائدة فهي ختام الحلقات حيث يقترب موسى و(الربع) من حواف الأرض المقدسة؛ فيرتاع من حوله ويقولوا له لا إن الموضوع لا يمكن عمله. إن كان ولا بد فليخرجوا حتى ندخل (فإن يخرجوا منها فإنا داخلون). هنا يحصل الفراق والتيه أربعين سنة. كي يخرج جيل الحرية؛ الجيل الذي لا يعرف سوط فرعون ولا قتل الأطفال ولا استباحة النساء. جيل يستنشق الحرية كما يتنشق هواء الصحراء الرائع، جيل لا يعرف إلا الشمس والحرية، وعلى يد هذا الجيل يتغير التاريخ، كما هو في زلزال الشرق الأوسط حاليا.
وعلى يد هذا الجيل سيأتي ملك عظيم بملك لا ينبغي لأحد من بعده، فيؤتى داوود الحكمة وفصل الخطاب، وتؤوب معه الطير والجبال يسبحن، ويقوم بتدشين صناعة الحديد فيصنع دروعا من زبر الحديد سابغات وقدَر في السرد، ويضيف له سليمان صناعة الخلائط المعدنية بإضافة النحاس له من عين القطر، وتركض قوى عاتية في خدمته، من ريح غدوها شهر ورواحها شهر، وجن يغوصون له ويعملون له عملا دون ذلك، وتصطف في استعراض مهيب قوى البر والجو والبحر (جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون). يقومون بنصب قدور راسيات وتماثيل ومحاريب وجفان كالجواب، وتسرح الصافنات الجياد حتى يقول ردوها علي فيطفق مسحا بالسوق والأعناق، وبذلك تكتمل هذه الملحمة العظمى التي تخلد أكبر مواجهة بين خطاب الحرية وموكب الأحرار من قوم جروا إلى هذا القدر ليكونوا دون المستوى وتحت (أمعائهم) إلى الثوم والبصل والكراث والعدس، ولا يجدون في المن والسلوى ذلك الغذاء المفيد بل يريدون العودة إلى العبودية. إنه أمر هام أن ندرك أن الحرية لها طعم لا يشعر به الجميع، كما أن التحرر يحتاج لأجهزة سيكولوجية مناسبة، وأن النكس للعبودية سريع.
بنو إسرائيل خرجوا إلى الحرية في يوم هو يوم عاشوراء الذي طلب رسول الرحمة من قومه أن يحتفلوا به، تذكيرا بتلك المواجهة الهائلة بين عشاق الحرية مقابل حضارة ميتة تعبد الأشخاص وترفع أصنام رمسيس التي لا تحصى في كل زاوية، كما هو الحال في وثنيات العالم العربي، وتسخر مئات الآلاف من الناس لبناء كتل من حجارة صماء (أهرامات) لتخليد أشخاص وتودع التاريخ بهذه البصمة الملعونة، ويلفها التاريخ وتختفي الحضارة الفرعونية، ولا يعود ينطق الهيروغليفية إلا عشاق الآثار، وشامبليون الذي أنطق الحجارة فنهض كهنة آمون مع البخور من مراقدهم يسبحون بحمد فرعون يغدق عليهم النعمة والنفوذ، كما يتكرر هذا التعانق المشؤوم بين الجبت والطاغوت، ويدخل أوكتافيوس مصر فيقتل آخر فرعونة (كليوباترا) التي قضت على أختها وأخيها، ونامت في أحضان أكثر من قيصر ولم تحظ في النهاية حتى بقبر. ويستمر تدفق التاريخ فتنتهي روما ويدخل (عمرو بن العاص) مصر فاتحا ببضعة آلاف من جنود الحرية، من حملة القرآن، ويقول لعمر حين يسأله عن طبيعة البلد؟ تريد مني أن أصف لك هذه البلاد: أرضها ذهب ونساؤها لعب ورجالها لمن غلب. هل أتاك حديث الجنود من فرعون والعسكر، من أيام بيبي الثاني، وكافور الأخشيدي، والفاشوش في أحكام قراقوش، حتى عبد الناصر كارثة الهزيمة، ووصولا إلى وزير الدفاع الذي التهم الدولة والرئيس بما تعجز عنه أفعى الأناكوندا.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة