TM_Top-banner_970x250

الكتب نساء.. الكتب رجال

الكتب نساء.. الكتب رجال

هي الملاذ.. طوق النجاة من ضجيج الكلام والكلام والكلام..
صمت بلا صمت.. ورؤية..
بالرغم منك.. تجعل رأسك منكبا إلى أسفل.. لكن عقلك محلق إلى الأمام.. ثم العالي فالأعلى..
إنها القراءة.. رسم بلا ريشة.. وصورة بلا كاميرا.. وركح بلا ممثلين من لحم ودم..
ستكون أنت كل اللحم والدم والروح.. الكاتب والرواية والأبطال والمخرج..
وستكون أنت الناي في لحظات الحزن.. تصدح..
وستكون أنت الكمان و«التشيلو» في لحظات الحب.. ترقص..
وستكون أنت العود والقانون في لحظات الحنين.. تعزف..
ستكون أنت.. لا غيرك.. أول صفحة.. وأول كلمة.. وآخر صفحة.. والنقطة آخر السطر.. وبداية الحياة..
وكل كتاب لا يطرح في دواخلك ولو سؤالا على الأقل.. هو كتاب فاشل..
وكل قراءة لا تهدم فيك شيئا.. وتبني آخر.. هي قراءة فاشلة..
وكل طريق يجعلك ثرثارا.. ولا يرشدك لكتاب.. هو طريق موحش.. موغل في الوحشة..
الكتب نساء.. الكتب رجال.. وكلمات صفحاتهم شهيق وزفير.. فتخيروا وتغيروا..
الكلمات تشبه الفراشات أو المطر.. فلا الفراشات تحيا دون أزهار.. ولا الأمطار تنهمر دون تبخّر..
أحيانا.. تقف الكلمات صماء تماما.. تجول فيك كضائع في متاهة.. لا يُدركُ نافذة ولا بابًا للخروج..
هي أيضا يعلق في حنجرتها البكاء الجاف.. كبرقٍ يلمع في البال.. دون أية نقطة ماء تبلل الريق.. وكأنها تنتحر ببطء فوق الأوراق البيضاء..
لا تخرج الكلمات وهي في حالة السكون الرتيب.. الحالة التي تشبه مريضا في العناية المركزة.. تتحكّم به أجهزة التنفس الاصطناعي..
هي حالة جثّة تنبض نبضا كاذبا.. تنتظر موتا رحيما.. أو قرارا جريئا بتوقف الأجهزة..
اللغة أداة تواصل.. وما دامت كذلك فإنها لغة حية..
هكذا يقولون.. يقولون ذلك بالنظر للوجود وعدم الاضمحلال والاختفاء..
إذن ما دامت اللغة مستعملة.. فإنها حية.. حية كحياة المجتمع..
ولنختزل قليلا.. ولنقول حية كنحن! حية كالناطق بها!
هذه الحروف والكلمات والجمل المكتوبة.. لابد أنها أخت المنطوقة..
فإن كنت قد قرأت لأحدهم فوجدت في الكلمات صوت من كتب..
ورأيته.. رأيته وهو ينطق الكلمات بملامح مدلولها.. وروحه بادية فيها..
إن كان كذلك فاسأل:
كيف استطاعت الحروف والكلمات أن تفعل ذلك؟؟
في حين أن كلمات تمر جثة هامدة.. لا تجد فيها سوى كآبة المنظر.. وسوء الطالع..
قد يرجع ذلك للقارئ.. فهو من يصطنع الحياة والموت.. فكلها كلمات.. لكنه يصبغ ما يشاء منها بما يشاء..
وتبقى الموسيقى.. هي اللغة الأكثر شغفا من الكلام.. لأنها الوحيدة التي تعبر عن الصمت.. لتكون صوته مترامي الأبعاد..
اصغِ إلى الصمت جيّدا.. فللكلام ضجيجٌ يعوم بأجنحة متكسّرة..!

نبذة عن الكاتب

كاتبة وصحفية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة