اللجوء السياسي

اللجوء السياسي

ليس من قبيل الصدفة أن تحظى الانتخابات الرئاسية الفرنسية باهتمام ومتابعة المغاربة بشكل عام، فالذين لم يشغلهم برنامج ماكرون شغلهم سن زوجته التي في عمر جدته، وحتى الذين تابعوا هذه الانتخابات من باب السخرية فعلوا ذلك بشكل فعال، وقد طالعنا تعليقات ساخرة لمغاربة من سكان كوكب الفيسبوك واكبت هذه الانتخابات، منها واحد أثار انتباهي بشكل خاص يتعلق بمخاوف بعض المغاربة القاطنين بالمغرب من فوز مارين لوبين بالانتخابات، حيث علق أحدهم «بنادم ساكن فبرشيد وخايف تنجح لوبين».
ولعل السبب الرئيسي في اهتمام المغاربة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية وهذا اللجوء السياسي الجماعي نحو شاشات القنوات الفرنسية، هو الفقر المدقع الذي تعيشه الساحة السياسية المغربية وافتقار العرض السياسي المحلي للإثارة والمتعة والتشويق والجدية، وحالة التجمد المزمن التي دخل فيها القطب الإعلامي العمومي.
لذلك رأينا كيف تابع المغاربة الانتخابات الفرنسية وشاركوا في التعليق على مجرياتها ونتائجها في مواقع التواصل الاجتماعي كما لو كانت شأنا يهمهم، وهي الانتخابات التي أفرزت شابا قادما من قطاع البنوك أسس حزبا قبل سنتين فقط، معطيا الدليل على أن ادعاء الأقدمية في العمل السياسي لتبرير الوصول إلى السلطة ليس قدرا محتوما أو قاعدة ثابتة.
ولعل كل من يحمل في قلبه ذرة حب لهذا الوطن يحز في نفسه أن يرى كيف أصبح الشعب رهينة لدى طبقة سياسية فظة الخطاب طويلة اللسان، تقضي وقتها في التنابز بالألقاب في ما بينها تاركة القدرة الشرائية للشعب تتعرض لأعنف الضربات.
إن الشعب لا يدفع أجور النواب البرلمانيين والوزراء وتقاعدهم المريح من عرق جبينه لأجل أن يشغل هؤلاء وقتهم بصراعاتهم التي تشبه صراعات الديكة منفوشة الريش.
إن معارككم التافهة وتنابزكم بالألقاب وأرقام الكراسي والمقاعد التي تحصلون عليها لا تهم دافعي الضرائب في شيء، فما يهمهم هو قيامكم بمسؤولية تحسين أوضاعهم الاجتماعية، وإنقاذ التعليم العمومي من الإفلاس، وتوفير الخدمات الصحية الأساسية للمرضى، وإصلاح الطرق ووسائل النقل العمومية للحد من نزيف حرب الطرق، وإنقاذ تقاعد الموظفين، وتشغيل العاطلين وتوفير الاستثمار وإنقاذ السياحة من الأزمة، وغيرها من الإصلاحات التي يجدر بكل حكومة تحترم نفسها أن تقوم بها.
وعوض القيام بكل ذلك تختار الطبقة السياسية، معارضة وأغلبية، أن تعطي عن نفسها صورة منحطة، تساهم في تردي الوضع السياسي والاجتماعي العام وتزيد من نسبة العزوف والمقاطعة.
إنهم يشتكون، مع اقتراب كل موسم انتخابات، من عزوف الشعب عن السياسة، والحال أن ما نعيشه هو عزوف السياسيين عن الشعب.
والخطاب المضمر الذي يتم تداوله داخل الأحزاب هو أن كل من ينتمي إليها يترقى طبقيا، وكأن الأمر يتعلق بشركة مجهولة الاسم أو شركة قابضة هدفها الربح وليس بحزب سياسي هدفه الوصول إلى السلطة من أجل خدمة الصالح العام عبر تطبيق برامج واضحة.
هكذا أصبح العمل السياسي مرادفا للاغتناء والترقي الطبقي، فكيف إذن تريد من شعب يرى أن رئيس الحكومة خرج بعد خمس سنوات من الحكم بتعويض عن نهاية الخدمة قدره سبعون مليونا وتقاعد شهري قدره ستة ملايين، فيما بقية الوزراء سيأخذون 60 مليونا كتعويض وتقاعدا في حدود أربعة ملايين، أن يذهب للتصويت وهو يعرف أن الاقتطاعات التي قامت بها الحكومة من راتبه الهزيل ستذهب لتمويل تعويضات وتقاعد 39 وزيرا ورئيسهم؟
لقد فقد المغاربة الثقة في السياسة والسياسيين لأن السياسة أصبحت مرادفا للاغتناء، والسياسيون، عدا نسبة قليلة منهم، يتخذون السياسة حرفة يأكلون منها الخبز فيما هي عمل تطوعي.
وفي المغرب لدينا سياسيون لم يحترفوا في حياتهم قط وظيفة أخرى غير الوظائف التي أوصلتهم إليها السياسة.
إن سبب رداءة عرض الأحزاب السياسية المغربية هو فقدانها لمبدأ الالتزام، أو ما أسماه الفقيه الدستوري جون شارلو، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري ببونتيون باريس، بـ Parti d’électeur militant، أو «حزب الناخبين المناضلين»، وهي الفكرة التي استلهمها من الأمريكي «لويس براون» صاحب فكرة «حزب الناخب الملتزم».
ويبقى خلاص المغرب سياسيا هو في ظهور حزبين جديدين شابين على الأقل لتكسير القطبية الحزبية بين العدالة والتنمية والأحرار، تماما مثلما حدث في إسبانيا عندما تكسرت القطبية الحزبية القائمة بين الحزبين «الاشتراكي» و«الشعبي» منذ 32 عاماً، بدخول قوتين سياسيتين جديدتين إلى البرلمان، هما حركة «بوديموس» اليسارية الراديكالية، وحركة «سيودادانوس» الوسطية ذات الميول الليبرالية اليمينية.
وقد كانت أمام الدولة والطبقة السياسية فرصة تأسيس حزبين جديدين على الأقل خلال حراك عشرين فبراير، كما كانت أمام حزب اليسار الاشتراكي الموحد فرصة للمشاركة في انتخابات 2011، لكن «الطوبيصيون» ضيعوا على الحزب خمس سنوات ثمينة عندما دفعوا باتجاه المقاطعة، ولو أن الحزب قرر في تلك الفترة الساخنة أن يدخل غمار الانتخابات لحصل على أصوات الشعب ووضع أولى أقدامه في البرلمان، لأنه كان الحزب الذي يتبنى مطالب الشباب الغاضب الذي كان يصرخ في الشوارع مطالبا بالتغيير، لكن «الغباء السياسي» جعل البعض في قمرة القيادة بهذا الحزب يخلي الساحة تاركا لحزب العدالة والتنمية والأحزاب الانتهازية والطفيلية أن تركب ظهر موجة الحراك الشعبي وتكتسح البرلمان وتصل إلى سدة الحكم.
ومشكلة اليسار في المغرب، في صيغته الاتحادية، هو أن كثيرا من رموزه تحولوا من بروليتاريين إلى بورجوازيين، والمشكلة أن معظمهم صنع ذلك خلال مروره عبر المؤسسات التشريعية والحكومية والرسمية.
في المغرب لا يبدو أن هناك تعارضا ما بين ممارسة السياسة والاغتناء في الوقت نفسه، وقد رأينا سياسيين اشتراكيين شبه معدمين تحولوا بعد بقائهم لأكثر من عشر سنوات في الحكومات المتعاقبة إلى أثرياء يملكون الضيع والمواشي والخيل والمشاريع الاقتصادية والعقارية.
يساريو «الكافيار والسيغار» يوجدون بيننا، بعضهم لم يحدث أن اشتغل طيلة حياته بشيء آخر غير الشعارات والخطب. لم يرفعوا طيلة حياتهم النضالية بندقية أخرى غير بندقية الصيد لقتل الوقت، والخنازير البرية في غابات المعمورة والغرب، مثلما كان يصنع عبد الواحد الراضي برفقة وزير الداخلية القوي إدريس البصري، كما ذكر ذلك الحبابي في مذكراته.
لقد اكتشفوا باكرا أن أحسن طريقة لتحقيق حلم البورجوازية الموعودة هو الوقوف على يسار الطريق بانتظار مرور عربة السلطة المصفحة، وعندما مرت العربة تزاحموا على باب الدخول واحتلوا المقاعد الأمامية وأخذتهم العربة نحو الحكم، حيث ظلوا قابعين فيه لثلاث عشرة سنة كاملة.
زعماء يساريون كثر تحولوا إلى مجرد بورجوازيين لا علاقة تربطهم باليسار ولا بمبادئه. لهذا ستبقى تجربة اليسار في الحكم بالمغرب تجربة فاشلة، لأنها أسندت إلى يساريي «الكافيار والسيغار» اتضح أن طموحهم كان هو ضمان بطاقة العضوية في نادي الأغنياء والبورجوازيين.
فمن مجرد بروليتاريين تحول بعضهم إلى ملاك أراض وضيعات، ومن مجرد محامين عاديين تحول بعضهم إلى أصحاب مكاتب خبرة وشركات برؤوس أموال عملاقة، ومن مجرد شعراء من الدرجة الثالثة إلى رموز ثقافية تحمل شعار الحداثة وتستثمر في تربية الخيول وبقية الدواب والمواشي.
لذلك فالمغرب اليوم في حاجة ماسة إلى حزب يساري قوي وحزب يميني قوي وحزب وسطي قوي، أما ستون حزبا المتبقية فمجرد ديكورات لتأثيث المشهد الحزبي، يمكن في أي وقت إخراجها مع القمامة دون أن يتأثر الشكل العام للمشهد الحزبي.
لقد أصبح من الحيوي والضروري تجديد دماء الساحة السياسية بالمغرب لأن ما يقع شبيه بزواج الأقارب الذي ينتج عنه ميلاد أبناء مشوهين.
إن هذه الوصفة هي الوحيدة الكفيلة بإعادة المعنى للسياسة بالمغرب، وبالتالي تقديم عرض سياسي مغرٍ للناخبين يجعلهم يقبلون على مكاتب التصويت.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة