الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

الماضي الأسود لأثرياء المغرب

قصص أثرياء مغاربة طلبوا «المرسيدس» واستهزأ بهم الألمان

يونس جنوحي
«كان هناك «لوبي» حقيقي يتربص بالمهاجرين اليهود في عدد من المناطق، منذ بداية الستينيات، للحصول على ممتلكاتهم، أو الأموال التي صودرت منهم في الجمارك.
في البداية كذب عدد من العسكريين وموظفي الداخلية على عهد الجنرال أوفقير هذا الأمر. لكن، لاحقا، صرح عدد من اليهود المغاربة، خصوصا الجيل الثاني، الذين غادروا صغارا وعادوا في رحلة للبحث عن جذور عائلاتهم في اتجاهات مختلفة من المغرب، ولزيارة قبور الأجداد وأضرحة الأولياء اليهود أن تجاوزات كثيرة وقعت أثناء عمليات رحيلهم، أو ترحيلهم، عرفت مصادرة أموال بعضهم بما في ذلك الحلي والأساور الذهبية، وصكوك ملكية بعض المنازل والأراضي والدكاكين، بل وحتى حافلات النقل العمومي، ووقعوا مكرهين على تنازلات عن الملكية، أو قدموها كرشاو لتسهيل ترحيلهم دون مشاكل.
وأقوى مثال على هذا الأمر هو حالة بعض الأسر التي كانت تتحدر من مدينة آسفي، والذين طالبوا، في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي، بإقامة متحف من الصور التي احتفظوا بها والتي تؤرخ لثروة عائلة يهودية عاشت في آسفي إلى حدود سنة 1954».

عندما كانت «السفارات» تبحث عن أصحاب المال المغاربة
«في 11 أكتوبر1894 غادر ساتو طنجة قاصدا فاس لتقديم أوراق اعتماده إلى السلطان الجديد. وقد اصطفت بامتداد الطريق المؤدي إلى فاس قوات عسكرية بلغ عددها الثمانية آلاف كان منها فصائل المشاة تحت رئاسة القايد ماكلين. أما المدينة نفسها فقد كانت ساكنة سكون الموتى، ذلك أن الأوامر كانت قد صدرت للأهالي لإغلاق محالهم والذهاب خارج الأسوار لاستقبال المبعوث البريطاني، وقد استقبل السلطان الصغير في 29 أكتوبر 1894 ساتو في لقاء عام. وعبر هذا الأخير عن انطباعه عن السلطان عبد العزيز في خطاب بعث به إلى اللورد كمبرلي في 16 نونبر عام 1894 جاء فيه: «ومع أنه ليس وسيما فإنه يتمتع بقدر كبير من الاتزان».
ولم تنعقد محادثات ساتو مع السلطان بل مع الوزير الكبير الذي كان بمثابة القوة الحقيقية وراء العرش. وكان من أكثر المشاكل المطروحة للبحث إثارة مشكلة ادعاءات الرعايا البريطانيين بديون لهم على المغاربة ومشكلة الادعاءات بطلب تعويضات عن خسائر قيل إنها قد نزلت بهم. وفحص سير وست ريدجواي كل تلك الادعاءات واستبعد منها ما اعتقد بعدم جديته. وأخيرا تقدم بطلب ما يبلغ 15377 ريالا مقابل خمسة وعشرين ادعاء ووافقت الحكومة المغربية في ماي 1895 على دفع هذا التعويض، وتم بذلك التخلص من سبب من أهم أسباب الاحتكاك بين البلدين».
مصدر هذه الإفادات المثيرة هو ج. روجرز الذي كتب «تاريخ العلاقات المغربية- البريطانية». حيث تحدث هذا الباحث عن تفاصيل التعاملات الدبلوماسية بين المغرب وبريطانيا اعتمادا على مراسلات من الأرشيف ووثائق دبلوماسية رسمية. هذا البحث الذي قادته بريطانيا عبر ذراعها الدبلوماسي في المغرب، لم يكن نابعا من فراغ. ولم تكن أموال الديون التي ادعى الإنجليز أنهم يريدون الحصول عليها من الأثرياء المغاربة، هي المحرك الوحيد لهذه العملية الدبلوماسية، بل كان القنصل البريطاني الجديد المذكور أعلاه، يطمح إلى إقامة إمبراطورية مالية أبطالها إنجليز، تدار من طنجة، وتدور رحاها في قلب مدينة فاس.
سبق لنفس القنصل أن تواصل مع أثرياء مغاربة ذهبوا إلى طنجة للقائه وانتظروا طويلا أمام باب مكتبه الذي كان يتوفر على منظر يطل على البحر المتوسط، في سبيل أن يتقدموا إليه بطلب لإنصافهم من رأسمالية بعض الشركات البريطانية التي تورطوا معها في عقود وتعاملات لم يفهموا تبعاتها من البداية، ناهيك عن غياب إطار قانوني لتلك التعاملات خصوصا في بدايتها، وهو ما جعل بعض المستثمرين الأجانب يدعون أن للمغاربة ديونا طائلة عندهم. تحركت الحكومة المغربية وقتها ودفعت للقنصل البريطاني قيمة تلك الديون. لكن هل كان هذا الأمر بالمجان؟
الحقيقة أن المخزن دفع المال لكي لا تتوتر العلاقات بين فاس ولندن، وبالمقابل، تم إخبار التجار موضوع تلك الديون أن عليهم تدبر أمرها مع الخزينة المغربية، على أن يقوموا بأدائها على أقساط.
كانت الوساطة الرسمية لامتصاص بوادر أزمة مع المغرب، ولعل كاتب تلك السطور نفسه ظن، في بداية اطلاعه على الوثيقة، أن الأمر كان يتعلق بتقديم أوراق اعتماد فقط أو تعارف مع ممثلي السلطة في المغرب، لكنه في الحقيقة كان قد نهض باكرا ليمارس صلاحياته، ويضغط لتعزيز مكانة بلاده التي اخترقت الأثرياء المغاربة منذ أزيد من 130 سنة من اليوم.

من لندن إلى «تامصلوحت»..
يقول الباحث البريطاني ج. روجرز: «إن المسألة التي كانت أكثر إثارة للنزاع بين المغرب وبريطانيا كانت مسألة المركز التجاري الذي أقامته شركة شمال غرب إفريقيا في رأس جوبي والتي طرحت أيضا للبحث بين ساتو والوزير الكبير، وكانت التعليمات التي وصلت إلى الوزير البريطاني في يناير 1895 تقضي بالسعي للتوصل إلى اتفاق حول مسألة رأس جوبي وإنهاء النزاع بشأنها نهائيا، كما تضمنت تلك التعليمات الأسس التي رأتها الحكومة البريطانية مناسبة للاتفاق. على الجانب الآخر، كان الوزير الكبير مرحبا بالفرصة التي واتته لإنهاء هذا النزاع المزعج. ومن ثم كانت الاجتماعات الثلاثة التي تم عقدها بين ساتو والموظفين المغاربة كافية للتوصل إلى اتفاق وقعه الوزير البريطاني والوزير الكبير في 13 مارس 1895».
هذه الاتفاقية موضوع المقتطف أعلاه، انتهت بالتزام المغرب بشراء الشركة، وتم دفع قيمتها من خزينة الدولة ولم تتضرر بالتالي مصالح بريطانيا في المغرب. لكن القصة لم تتوقف هنا، بل بدأت للتو بعدها حرب ضد الأثرياء المغاربة الذين وجد بعضهم أنفسهم في حرب مفتوحة مع السفير والقنصلية بموظفيها. وهذا الأمر يعد رؤية أخرى لم يركز عليها المغاربة كثيرا، بحكم أن الرواية التاريخية المنتشرة سابقا تفيد بأن بريطانيا ساعدت التجار المغاربة واخترقتهم في إطار ما كان يُسمى «المحميين» أو أصحاب الباصبور. لكن هذه «الجنة» أتت لاحقا، وكانت نتيجة حرب كسر للعظام تحركت دبلوماسيا لنسف قلعة أثرياء المغرب وتوريطهم مع الدولة.
كان أحد أثرياء نواحي مراكش موضوعا لتلك الحرب التي أعلنت ضده مباشرة بعد التزام الدولة المغربية بشراء تلك الشركة: «بعد تلك المفاوضات الناجحة تمت مكافأة القنصل ساتو بلقب «السير»، وغادر طنجة في ماي بقصد توليه منصبا آخر مخلفا القنصل هوبرت هوايت في إدارة البعثة إلى حين وصل خلفه السير آرثر نيكلسون. وفي ما بين مغادرة الوزير الأول ومجيء الوزير الثاني، تلقى هوايت احتجاجا من الوزير الكبير في يونيو 1895 مطالبا بسحب الحماية البريطانية من شريف تامصلوحت الحاج محمد بن سعيد المصلوحي، وكان هذا الشريف صاحب النفوذ الديني الكبير في جنوب المغرب الذي يضاهي نفوذ شريف وزان في شماله، قد طلب الحماية البريطانية في شتنبر 1893، وأعلن بأنه إذا لم يحصل عليها فسوف يبحث عن الحماية الفرنسية».
لم تكن بريطانيا بطبيعة الحال لتقبل سياسة لي الذراع، خصوصا وأن السياق الذي يتحدث عنه هذا الباحث كان قد تجاوز مرحلة ذلك الطلب. وبدا واضحا أن البريطانيين سايروا ثري تامصلوحت ومنحوه ما أراد، لكنهم عادوا في أقل من سنتين لمحاسبته، وأطلقوا ضده مجموعة من الإجراءات التي تتم مباركتها رسميا، تماما مثل ما وقع مع أثرياء فاس.
هذه المنطقة المنسية، تامصلوحت، بصغر حجمها والفقر الذي كانت تغرق فيه شأنها شأن جل القرى والمداشر المغربية، نجحت في استفزاز لندن، عن طريق «الابتزاز» غير المباشر الذي أعلنه حارسها الروحي.
لم تكن سلطات هذا الرجل نابعة من رمزيته الدينية، فهذه الأمور لم تكن تساوي شيئا عند القنصل البريطاني وبقية موظفيه، وإنما من حجم نفوذه المالي والتبرعات التي كان يجمعها بسهولة، والسلطات التي يتوفر عليها معتمدا على القاعدة الشعبية التي كان يقف عليها. لقد كان ذلك بالنسبة للبريطانيين بمثابة صمام أمان في بلد كانوا يخططون للسيطرة عليه من كل الجوانب. لكن الإنجليز، أو مخططي اقتصاد البلد القوي، كانوا لا يمنحون إلا ليحصلوا على مقابل أكبر.

أثرياء الحرب المغاربة الذين لا يعرفهم أحد
بعد الحرب العالمية الثانية، اغتنت مجموعات من التجار الصغار المغاربة بعد احتكاكهم بمحيط القاعدة العسكرية الأمريكية في مدينة القنيطرة.
هؤلاء التجار، الذين كانوا إلى حدود سنة 1943 يعتبرون غير مؤثرين نهائيا في اقتصاد الغرب، وجلهم كانوا من صغار التجار الذين تاجروا في المواد الغذائية، أعلنوا إفلاسهم في خضم أزمة «البون» عندما كانت الأسواق المغربية تعاني من غياب جميع المواد الأساسية.
بعض هؤلاء الذين أعلنوا إفلاسهم في أزمة «عام البون»، تحولوا، بقدرة قادر، إلى تجار أثرياء بمجرد ما توسعت أنشطة القاعدة الأمريكية. اتُهم بعضهم بالاتجار في السلاح، خصوصا منهم الذين انضموا إلى المقاومة، ووجهت لهم التهمة رسميا خلال اعتقالات يوليوز 1963، لكن حقيقة مراكمتهم للمال جاءت من خلال الاتجار في البضائع الأمريكية.
هذه التجارة كانت، بطبيعة الحال، غير قانونية، بحكم أن بعض الضباط الأمريكيين الذين كانوا مكلفين بالمؤونة في القاعدة، ربطوا علاقات مع صغار التجار وكانوا يفوتون لهم كميات من السلع الأمريكية التي تتراوح بين الملابس والمواد الغذائية، بالإضافة إلى بعض الأغراض التي كانت تفيض عن حاجة الجنود وموظفي القاعدة، ويُضارب فيها أولئك التجار.
في غضون سنوات قليلة، ظهرت طبقة جديدة لهؤلاء الأثرياء الذين كانوا يُسمون أثرياء الحرب.
وكان الملك الراحل محمد الخامس قد توصل مرات كثيرة بمعلومات عن هؤلاء الأعيان الجدد الذين اشتروا عقارات كثيرة في محيط القنيطرة، وظلوا بعيدين عن الرباط، وبعضهم اتُهم من طرف الإدارة الفرنسية في المغرب بتزويد الخلايا السرية للمقاومة بالسلاح.
وهذه التهمة الثقيلة جرت بعضهم إلى المحاكمة كما وقع في أبريل 1954، عندما مثل أمام القاضي أزيد من 8 أثرياء من منطقة الغرب، اتُهموا بالتجارة في السلاح وتزويد المقاومين به سرا، وحُكم عليهم بالإعدام، لكن الحكم لم يُنفذ وظلوا في السجن العسكري إلى أن صدر عفو من المقيم العام في حقهم، ونجا 6 منهم من تنفيذ الحكم، خصوصا أن محاميهم استغل نقطة تضارب أقوال الشهود بشأن أوصاف بعضهم وحاول إقناع القاضي بأنه لم تكن لهم أية علاقة بالمقاومين.
وفعلا، كان جل هؤلاء التجار منقطعين تماما عن الحياة السياسية رغم أنهم راكموا الثروة، وبلغت تعاملاتهم المالية، غير النظامية طبعا، ملايين الفرنكات الفرنسية. بل وحاولوا البقاء بعيدا عن ربط أي علاقات مع المقاومة، رغم أن المقاوم الراحل مومن الديوري، الذي كانت تربطه علاقات قوية بموظفي القاعدة العسكرية الأمريكية، حاول ربط اتصال معهم قصد تمويل المقاومة قبل الاستقلال، لكن مساعيه باءت بالفشل، واعترف بنفسه، أثناء اعتقالات يوليوز 1963، بأنه حاول فعلا، في إطار أنشطة المقاومة، البحث عن تمويل أو تبرعات مالية من هؤلاء الأثرياء الجدد الذين ظهروا في منطقة الغرب خلال بداية الخمسينيات، لكن لم يصل معهم إلى أية نتيجة. وصك الاتهام الذي وُجه له في مؤامرة يوليوز بعد الاستقلال بسبع سنوات، كان واضحا بخصوص تلك العلاقة، فقد اتهم بالتعامل مع بعض قدماء المقاومة لاقتناء أسلحة من القاعدة الأمريكية في القنيطرة، لتنفيذ عمليات مسلحة واغتيالات. وهو ما أنكره مومن الديوري جملة وتفصيلا.
وبعض أولئك التجار اتُهموا بمراكمة جزء مهم من ثروتهم «المشبوهة» ليس فقط بالاتجار في المواد الغذائية الأمريكية، وإنما في السلاح الأمريكي أيضا، وهو ما جعلهم بعيدين عن الحياة السياسية التي كان يلجها الأعيان بكثرة. وأكبر دليل على ورطة المتعاملين مع الأمريكيين، هو فضيحة زيوت مكناس المسمومة، التي انفجرت بعد تورط أثرياء وأعيان مغاربة في فضيحة شراء زيت المحركات من القاعدة الجوية الأمريكية وبيعها لاحقا في الأسواق على أنها زيت طعام صالحة للاستهلاك. وحسب بعض التقارير التي تناولت الموضوع، فإن أولئك التجار راكموا أرباحا طائلة جراء تلك العملية التي قادت البلاد إلى فضيحة أخلاقية كبيرة كتبت عنها الصحافة العالمية سنة 1956.

ورثة اليهود بعد هجرة 1960..
في منزل عامل مدينة أكادير سنة 1960، كان بعض الضيوف، فرنسيين ومغاربة، في انتظار انطلاق مأدبة عشاء بعيدة تماما عن سجالات السياسة وصخبها. لكن فردين فقط من اليهود المغاربة كانا يعلمان جيدا أن المأدبة عليها أن تنتهي بمأتم.
كان هناك اتفاق مسبق بين الزوجين على أن تتصل بهما ابنتهما أثناء وجودهما في منزل العامل، لتخبرهما ما مفاده أن والدة الزوجة توفيت وأن الخبر قادم للتو من كندا. وأنه يتعين عليهما الرحيل.
في الواقع، كان الأمر مجرد تمثيلية لكي تضمن الأسرة الصغيرة المستقرة في أكادير، رحيلا سريعا إلى الخارج في بداية موجة تهجير اليهود، واختاروا أن يُخرجوا معهم ثروة العائلة بحماية غير مباشرة من السلطة، بحكم أن بعض الإشاعات التي انتشرت وقتها تفيد بأن شخصيات عسكرية نافذة في المغرب، كانت تقف وراء عمليات مصادرة ممتلكات وأموال ومدخرات بعض اليهود المغاربة الذين كانوا يستعدون وقتها لمغادرة المغرب نهائيا.
تمت الأمور حسب المتفق عليه، وفعلا تلقت الزوجة الاتصال المنتظر وطُلبت إلى الهاتف في منزل العامل، لتعود باكية بعد ثوان إلى الصالون حيث يجلس الضيوف المهمون، وتشرع في البكاء ناقلة الخبر إلى زوجها حتى يتسنى للحضور جميعا سماعه. وعد بعض الحاضرين، خصوصا وأن بينهم شخصيات نافذة، بتدبر أمر رحلتها في صباح اليوم الموالي، وكانت قد اتفقت مع زوجها على جميع الترتيبات سلفا، ونجحت الأسرة فعلا في أخذ مجوهرات وأموال لم تخضع للتفتيش في الجمارك بفضل المساعدة والوساطات التي حصلت عليها.
هذا السيناريو المحبوك بعناية، تردد كثيرا في أوساط بعض الأثرياء المغاربة الذين تأسفوا لترحيل ثروة في حقائب سيدة في منتصف العمر أدت دور الابنة المكلومة في وفاة والدتها، ببراعة، لكي تغادر المغرب دون تفتيش أو مساءلة، وبطريقة قانونية تماما.
كان هناك «لوبي» حقيقي يتربص بالمهاجرين اليهود في عدد من المناطق، منذ بداية الستينيات، للحصول على ممتلكاتهم، أو الأموال التي صودرت منهم في الجمارك.
في البداية كذب عدد من العسكريين وموظفي الداخلية على عهد الجنرال أوفقير هذا الأمر. لكن، لاحقا، صرح عدد من اليهود المغاربة، خصوصا الجيل الثاني، الذين غادروا صغارا وعادوا في رحلة للبحث عن جذور عائلاتهم في اتجاهات مختلفة من المغرب، ولزيارة قبور الأجداد وأضرحة الأولياء اليهود، أن تجاوزات كثيرة وقعت أثناء عمليات رحيلهم، أو ترحيلهم، عرفت مصادرة أموال بعضهم بما في ذلك الحلي والأساور الذهبية، وصكوك ملكية بعض المنازل والأراضي والدكاكين، بل وحتى حافلات النقل العمومي، ووقعوا مكرهين على تنازلات عن الملكية، أو قدموها كرشاو لتسهيل ترحيلهم دون مشاكل.
وأقوى مثال على هذا الأمر هو حالة بعض الأسر التي كانت تتحدر من مدينة آسفي، والذين طالبوا في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي بإقامة متحف من الصور التي احتفظوا بها، والتي تؤرخ لثروة عائلة يهودية عاشت في آسفي إلى حدود سنة 1954، حيث كان رب الأسرة يملك أسطولا من الشاحنات، لكن قانون الضرائب الذي سنته فرنسا في تلك السنة، شدد الخناق على العائلة التي كانت تملك عددا كبيرا من الشاحنات المستعملة في نقل مواد البناء والسلع في جميع الاتجاهات، وهو ما جعل رب الأسرة يبيع الشركة بثمن زهيد يقل كثيرا عن قيمتها الحقيقية في السوق، مفضلا المغادرة إلى فرنسا التي توفي بها نهاية السبعينيات. وقصة هذه الأسرة عكست سنة 2001، حجم الأموال التي تركها بعض اليهود المغاربة خلفهم، وتم تفويتها في ظروف غامضة لآخرين أصبحوا بفضلها أثرياء.

قصة الثري المغربي الذي باع الدرهم واشترى الدولار في الثلاثينيات
هذا الثري، الذي كان يتحدر من قرية صغيرة نواحي فاس، كانت معروفة بضريح ولي صالح يتوقف عنده المسافرون القادمون من مكناس..، جاء صغيرا إلى فاس سنة 1890، بحسب مقالة تناولت حياته في صحيفة كانت تصدر في الدار البيضاء نهاية العشرينيات واسمها «L’ere Francais». هذه الصحيفة نشرت مقالا عن الحاج علي بن الصغير ووصفته بالثري الذي بدأ من الصفر. وجاء في المقال أن بن الصغير اتجه إلى طنجة عندما كان في الخامسة والعشرين من العمر، واستقر بها لعشر سنوات تقريبا، مراكما ثروة كبيرة بفضل نشاطه في صرف العملة قرب ميناء طنجة، وبفضل الصداقة الكبيرة التي ربطها مع مواطنين أمريكيين كانوا ينشطون في الميناء ويعملون مع السفن الأمريكية العسكرية التي كانت تنقل السلع وتمر عبر المغرب، حيث كان يسيطر على صفقة صرف العملة لجل العابرين الأمريكيين ويحتفظ منهم بالدولار ليعيد بيعه لجنسيات أوربية.
كانت طنجة الدولية وقتها تعرف انتعاشا كبيرا على المستوى الاقتصادي، وظهر بها عدد لا بأس به من الأثرياء المغاربة الجدد الذين دخلوا إليها لا يملكون أي شيء تقريبا.
بفضل الثروة التي راكمها بن الصغير، استطاع اقتناء عدد من العقارات منذ منتصف العشرينيات في مدينة فاس، ووصلت ثروته إلى درجة اقتناء ضيعات فلاحية في الغرب لكي ينافس بعض المعمرين الفرنسيين في الفلاحة. إلى درجة أن بعض الإداريين الفرنسيين تملكهم الفضول للتعرف على هوية هذا المنافس لهم، خصوصا وأن وضعه في طنجة زاد من الهالة التي كانت تحيط باسمه، خصوصا وأن أجهزة الإدارة الفرنسية في المغرب لم تجد خلال بحثها عنه أي دليل على علاقة مشبوهة بينه وبين بعض الأسماء المغضوب عليها. ورغم أن فرنسا، ممثلة في بعض رجال الأعمال ومسؤولي الإدارة، حاولت الوصول إليه، إلا أن بن الصغير ظل بعيدا عن أجواء مغرب الحماية الفرنسية رغم اهتمام الفرنسيين به، وهو السياق الذي جعل الجريدة الفرنسية في الدار البيضاء تخصص له ذلك المقال رغبة في استقطابه للاستثمار في الدار البيضاء أو الرباط. لكن تلك المساعي باءت كلها بالفشل، حسب المقال نفسه، حيث وصف بن الصغير في المقال بـ«الرجل الذي استهوته طنجة حيث كان يملك وكالة لصرف العملة وعددا من العقارات، بالإضافة إلى عقارات في مدينة فاس، ومنازل كان يخصص بعضها لإيواء المحتاجين، كما كان يتعهد بدعم عدد من مدارس تحفيظ القرآن الكريم ويرسل إليها معونات منتظمة. بينما أرسل أكبر أبنائه إلى أمريكا لكي يدرس الهندسة المعمارية قبيل أزمة 1929 الاقتصادية، باقتراح من بعض أصدقائه الأمريكيين».
لم تتوفر أية معلومات عن مصير بن الصغير في مغرب الثلاثينيات. كان آخر ما أورده المقال الصادر في «لير فرونصي» أن الرجل كان طموحا لبدء مشاريع تجارية خارج المغرب، وهو ما استنتجه كاتب المقال ربما من مبادرة السماح لابنه بالتوجه إلى أمريكا التي لم تكن وجهة مفضلة للمغاربة في ذلك التاريخ. بينما ظلت مشاريعه في مدينة فاس، في الظل، بعيدة تماما عن الضوضاء التي كان يعيش فيها أثرياء المغرب القدامى ممن كانوا إما أصدقاء لـ«المخزن» أو معادين له.

عندما راسل المغاربة شركات السيارات الفخمة قبل 110 سنوات
حسب بعض المعطيات التي تفتقر إلى التدقيق، فإن ديوان المولى الحسن الأول سبق له التواصل قبل سنة 1894، مع شركة «مرسيديس» الألمانية لكي تؤمن سيارة ملكية له. لكن هذا المعطى الذي تناقلته مواقع ألمانية يفتقر أساسا إلى التدقيق، بحكم أن جل مراسلات المولى الحسن الأول التي يُحتفظ بها في الأرشيف المخزني، والتي تطرق لها المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان في بداية ستينيات القرن الماضي، لم تتضمن أي منها مراسلة مع الشركة الألمانية. ولو حدث فعلا أن تواصلا ما قد وقع بخصوص اقتناء سيارة للمولى الحسن الأول، الذي كان بدوره مغرقا في احترام التقاليد المخزنية المرعية، لكان عبد الرحمن بن زيدان أول من سيشير إليه، باعتبار أنه من المحظوظين الأوائل، والقلائل، الذين اشتغلوا على الأرشيف الأصلي والرسمي لديوان المولى الحسن الأول ووزيره باحماد.
وحسب التقارير الرسمية الألمانية، وحسب ما نقلته الصحافة الأجنبية أيضا بهذا الخصوص، فإن أول اتصال دبلوماسي بين الألمان والمغاربة في تلك الفترة فقط، لأن اتصالات أخرى دبلوماسية حدثت في فترات سابقة، وقع عندما تربع المولى عبد الحفيظ على العرش، وبالضبط عندما بعثت إليه ألمانيا من خلال قنصليتها في طنجة طبيبا خاصا كخطوة لكسر الجليد مع العاهل الجديد كان اسمه «الدكتور فاسيل». وهذا الطبيب كان مصدر إزعاج كبير للبعثة الدبلوماسية البريطانية إلى القصر الملكي سنة 1907، حتى أنهم اقترحوا عليه إبعاد الألمان في تلك الفترة وعدم فتح أي علاقة دبلوماسية معهم.
في المقابل، كان الجو العام في المغرب مكهربا بقوة، وكان هناك سخط كبير في الأوساط الشعبية، بدعم من علماء القرويين، ضد الأجانب الذين بدؤوا في إدخال السيارات إلى المغرب ومد خطوط الهاتف. حتى أن علماء القرويين كفروا راكبي السيارات واعتبروها شرا قادما من وراء البحار، ولقيت تلك الفتوى دعما شعبيا كبيرا، رغم أن بعض الأثرياء المغاربة راسلوا فعلا شركات سيارات أوربية، بتوجيه من أصدقائهم الأجانب الذين تولوا كتابة الرسائل باسمهم، مستفسرين عن الترتيبات الواجب اتخاذها للحصول على سيارات ألمانية وبريطانية.
وكانت تلك المراسلات موضوع سخرية كبيرة في الأوساط القنصلية في طنجة، حيث اعتبروا أن حالة من الفوضى سوف تعم بالمغرب في حالة ما استطاع أثرياؤه فعلا قيادة تلك السيارات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق