GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

المحاسيد

المحاسيد

ما العلاقة بين الحجز التحفظي المفروض من طرف دولة جنوب إفريقيا المعترفة بالبوليساريو على الباخرة «شيري بلوسوم» الحاملة لخمسين ألف طن من الفوسفاط المغربي والجزائر؟
الجواب يمكن أن نستشفه مما قاله صحافي جزائري من كونه زار المغرب وعاد منه إلى بلده الجزائر «مريض» بسبب مشاعر الحسد التي تلبسته وهو يرى بلدا لا يملك حقولا للبترول أو الغاز ومع ذلك يعيش أحسن من الجزائر ويطلق مشاريع كبرى عجزت عن إطلاقها الجزائر رغم عائدات النفط والغاز.
صحيح أن المغرب لا يملك حقول النفط والغاز لكنه يملك أكبر احتياطي في العالم من الذهب الأخضر الذي هو الفوسفاط. وبهذه المادة الحيوية يقوم المغرب بإنجاز مشاريع كبرى في قلب إفريقيا لضمان الأمن الغذائي للقارة وضمان عائدات مالية مهمة لخزينة الدولة لتمويل المشاريع الكبرى التي «مرضت» صاحبنا الجزائري المحساد.
وقد كان أليق بصاحبنا لو أنه قال إنه عاد من المغرب بانطباع إيجابي عن البلد وأنه يتمنى لنا التوفيق والنجاح في ما نقوم به وأن المغرب يجب أن يشكل نموذجا للأشقاء في الجزائر، لكنه فضل أن يكشف عن الشعور الحقيقي الذي يكنه جزء كبير من صحافة الجزائر ونظامها العسكري نحو المغرب، أي الحسد والغيرة القاتلة.
والحسد هو أن يتمنى الحاسد زوال النعمة عن المحسود، وليس الحسد كالتمني، والرسول الكريم أوصانا «تمنوا ولا تحسدوا»، أي تمنى أن تكون مثل صاحب النعمة وليس أن تزول النعمة عنه حسدا.
ومما يبعث على الاعتقاد أن الحرب التجارية التي تقودها البوليساريو بغطاء جزائري قد بدأت ضد صادرات المغرب التي تنطلق من موانئ الأقاليم الصحراوية أن واقعة حدثت قبل أيام قليلة أسفرت عن تفتيش باخرة محملة بزيوت الأسماك قادمة من العيون بميناء لاس بالماس استجابة لطلب مستشارة جماعية إسبانية من حزب البيئة.
والهدف طبعا هو تشديد الخناق على صادرات المغرب المنطلقة من موانئ الصحراء، خصوصا السمك والمواد الفلاحية والفوسفاط، وأيضا، وهذا هو الأخطر، لزعزعة ثقة شركاء المكتب الشريف للفوسفاط في هذه الشركة، فالشحنة التي تم حجزها في جنوب إفريقيا كانت موجهة لشركة نيوزيلاندية تتعامل مع المكتب الشريف للفوسفاط منذ ثلاثين سنة.
ولعل المؤسف في تناول صحافة الجزائر للشأن المغربي هو تركيزها على إظهار مشاعر الحسد والغيرة المرضية من جار يكابد كل يوم من أجل أن يتقدم، رغم كل العثرات والإكراهات، والحال أن هؤلاء الصحافيين والمحللين الجزائريين كان سيكون أفضل لهم ولبلدهم لو أنهم اهتموا بأحوالهم التي لا تبعث على التفاؤل.
فالجزائر ليس لديها فقط أكبر احتياطي للعملة الصعبة في إفريقيا، وإنما لديها أيضا أكبر احتياطي من الغضب والاحتقان الشعبي في العالم العربي.
لكن كراهية الجنرالات الجزائريين للمغرب ليست وليدة اليوم، بل نشأت مع استقلال المغرب، وتجلت بوضوح في خلق جبهة البوليساريو وإمدادها بالسلاح والمال.
لنقلها بصراحة لكي يسمعها المغاربة وأشقاؤهم الجزائريون، جنرالات الجزائر لا يهمهم لا البوليساريو ولا «تقرير المصير» ولا «الشعب الصحراوي» ولا حتى الشعب الجزائري. كل ما يهمهم هو استمرار هذه الشوكة في خصر المغرب لوقت أطول. فهي وسيلتهم الوحيدة للاغتناء السريع. ومادام النزاع حيا، فإن أرصدة هؤلاء الجنرالات في البنوك السويسرية ستزداد انتفاخا بفضل عمولات صفقات الأسلحة الباهظة التي يصرفون عائدات النفط والغاز على اقتنائها عوض صرفها على تنمية الجزائر وخلق فرص الشغل للشباب العاطل الذي يركب، من شواطئ وهران، قوراب الهجرة السرية.
وهنا أيضا يكمن سر تلكؤ القوى العظمى في وضع حل لقضية الصحراء في إطار السيادة المغربية. ففتيل النزاع -حسب هذه القوى- يجب أن يظل قابلا للاشتعال في أية لحظة، وبالتالي هناك صفقات أسلحة يجب أن تبرم وملايير الدولارات التي يجب أن تصرف على هذه الصفقات. وبما أن جنرالات الجزائر لديهم آلة لصنع الدولار اسمها شركة «سوناطراك» للصناعات النفطية، فإن أحسن طريقة لتصريف هذه الدولارات والاستفادة من عمولاتها هي إنفاقها في شراء الأسلحة المتطورة. وإذا حلت قضية الصحراء فهذا يعني أن الدجاجة التي تبيض ذهبا ستموت، ولن يكون هناك مخدر آخر يمكن إعطاؤه للشعب الجزائري من أجل سرقة أموال نفطه وغازه.
كما أن حل قضية الصحراء سيكون، بالنسبة إلى شركات صنع الأسلحة العالمية التي تبيع منتجاتها للجيش الجزائري، إنذارا بفقدان سوق مهمة سيكلف عائداتها السنوية خسارة فادحة. وهذه الشركات لديها مستشارون في مجلس الشيوخ يدافعون عن مصالحها عبر العالم. فالمستشارون الأمريكيون في مجلس الشيوخ مسموح لهم بأن يقبلوا تمويلات لحملاتهم الانتخابية من الشركات، وعندما تمول شركة كبرى حملة انتخابية لسيناتور أمريكي ويصل إلى مجلس الشيوخ، فإنه يصبح مطالبا بالدفاع عن مصالح الشركة التي تكفلت بتسديد مصاريف انتخابه.
هكذا هي السياسة في أمريكا.. لا صداقة هناك ولا حلفاء، المصالح ثم المصالح ولا شيء آخر غير المصالح.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة