المحتسب يهزم الوالي والقائد

أتوقف عند رواية الكاتب الدبلوماسي زين العابدين بن الطيب العلوي، عن السلطان الحسن الأول، في الحد الفاصل بين تنمية الثروة وغض الطرف عن التجاوزات، التي تدفع الناس إلى الضجر والتململ حيال ممارسات سلطوية غير عادلة. فهذه الظاهرة الملازمة لسلوكات بعض المسؤولين تقل أو تتفاحش على قدر الصرامة والانضباط. وكما ارتبطت السلطة في سوء فهمها بالشطط واستغلال النفوذ، فإنها كذلك تنكمش وتتراجع عند سيادة العدل والإنصاف، بوازع الضمير والقناعة.
كتب زين العابدين عن أدوار العمال والباشوات والمحتسبين والقواد، بمنهجية المؤرخ الذي يستند إلى الوقائع والوثائق، وضمنها المراسلات التي كانت تضع معالم السياسات والمواقف، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأفرد لتشابك العلاقات والمصالح حيزا مهما، ليس في نطاق تنازع الاختصاصات، وإنما في السطو عليها وتدويرها لفائدة مصالح شخصية صرفة.
تصلح هذه الوثائق التاريخية لاستيعاب مظاهر الحياة الاجتماعية في فترات محددة، بعلاقة مع مجالات تحديد المسؤوليات. وإذا كان ربط المسؤولية بالمحاسبة تقليعة عصرية بمفاهيم الحكامة والترشيد، فإن المراسلات التي كان يرفعها المحتسبون لتشخيص حالات التنافر، تعتبر أقرب إلى رقابة شعبية سبقت أنماط الأعراف والتقاليد الديمقراطية في العصر الحديث، خصوصا وأنها تنصرف إلى المجالات التي تعم حياة الناس وحماية أرزاقهم وتجارتهم.
من ذلك أن بعض العمال كانوا يتجاوزون صلاحياتهم في فرض سلطاتهم على قطاعات ليست من اختصاصهم، كما في المهام التي أنيطت بالقضاة المحتسبين الذين كانوا أقرب إلى عيون السلطة والمجتمع في تنظيم الأسواق التجارية وتأمين ممارسات الحرف التقليدية، والحفاظ على استقرار الأسعار والحد من المضاربات. وقد رفع أحد المحتسبين، يدعى عبد الله بن ابراهيم البوكيلي، شكاية إلى السلطان الحسن الأول بهذا الصدد، ضد باشا مراكش العباس بن داوود، عرض فيها إلى جانب من ممارساته التعسفية.
الواقع أن الأدوار التي كان يضطلع بها المحتسبون في فترات خلت، كانت تنوب عن حقوق المستهلكين في الحرص على جودة المنتوجات وتحديد أسعارها، بما يلائم القدرات الشرائية، درءا لأي تلاعب أو استغلال. كما أنها كانت تنظم مجالات المنافسات المفتوحة. ويقال إن قلوب التجار الذين يمارسون الغش والتدليس كانت ترتجف لدى سماع وقع البغال التي يركبها المحتسبون أثناء جولاتهم على الأسواق، أو القيام بتفتيش أماكن ممارسة الحرف اليدوية التي لها أمناء محلفون يتم انتخابهم من بين ذوي الكفاءة والاستقامة، على أن سلطة المحتسب في ذلك الوقت كانت تفوق صلاحيات العمال والباشوات والقواد.
وكثيرا ما كان هؤلاء الأمناء يفصلون في المنازعات، قبل الوصول إلى دار التقاضي، إذا اشتكى مستهلك من الغش وانعدام الجودة. وكانوا مرجعية يعتد بها لدى المحتسبين الذين يلوذون إليهم في حال حدث شنآن أو نزاع، يصب لصالح المستهلكين بالدرجة الأولى.
جاء رد السلطان منصفا، وكتب إليه يقول: «صرنا من ذلك على بال»، أي أن المعطيات التي تضمنتها شكايته أخذت في الاعتبار، «وأمرناه «الباشا» بالوقوف عند حده، والخروج من خطة الاحتساب، وألا يعود للدخول فيها، والكتاب بذلك وجهناه له بداخل كتاب مولاي عثمان الواصل إليك طيه، فادفعه له والسلام».
وما يستفاد من هذه الرسالة التي حظرت على الباشا التدخل في أمور المحتسب، أن طريقة توجيهها إلى المعني بالشكاية ترجح كفته في مواجهة تجاوزات الباشا.
يلاحظ الكاتب الدبلوماسي لدى إحاطته بهذه الواقعة وغيرها، أن الترخيص للعمال والباشوات بممارسة أعمال تجارية، كان يتعارض، عند استخدام النفوذ، مع السلطات المخولة إليهم، ولا يلبث العامل أو الباشا أن «يتحول إلى مهيمن على الأنفس والأموال في المنطقة التي يحكمها»، ليضيف في فقرة متلازمة عن سمات تلك الحقبة، أن المخزن «إن لم يكن يرضى عن بعض مظاهر ذلك الاستحواذ، فإنه كان لا يبخل عنهم ببعض الامتيازات التي تساعد على تنمية ثرواتهم».
من بين الأمثلة الدالة على ذلك، أن قائدا، يدعى الجيلالي بن حمو، كتب إلى السلطان في شأن استغلال «رحبة الزرع»، أي سوق الحبوب والقطاني على منوال ما كان سائدا بالنسبة للقائد الذي سبقه، إضافة إلى الاستفادة من عقد تجاري في الحرف. وأجابه السلطان بتأخير أمر الحسم في قضية سوق الحبوب، أما عن عقدة استغلال بعض الحرف، فقد أوعز إلى أمناء الصناع التقليديين بتمكين القائد من التصرف فيها.
ويفهم من طبيعة هذه المراسلات المحفوظة في الوثائق المخزنية، أن دخول الولاة والقواد وكبار موظفي الدولة على خط التجارة، يبطل المنافسة المحمودة ويزاحم التجار في مجالات أعمالهم، إلا أن تكون الأمور قائمة على الوفاء بكل التعهدات، وعدم اللجوء إلى استغلال النفوذ. وقد تنبه علماء وقضاة من أصحاب الحل والعقد، إلى مخاطر هذه الظاهرة في فترة مبكرة، وكانوا ينصحون السلاطين بالحد من نفوذ من يستغل قربهم إليهم لتنمية الثروة، على حساب أنماط المنافسات التجارية المعمول بها.
في هذا النطاق، تعرض رسالة وجهها السلطان الحسن الأول إلى أحد المحتسبين، كان اشتكاه من تدخل رجال سلطة لرفض بيع تجارتهم التي تشمل الحبوب والزيوت والغلل بأثمان تزيد على المتداول في الأسواق، وحسم السلطان في الأمر بأن أوضح أن «بيع الزرع للدقاقة، يكون بالرضا وسوم الوقت، ولا يلزمهم شراؤه بأغلى ثمن». وقال كذلك إن بيع الزيت للبقالة بثمن يزيد على سعره المتداول أمر مرفوض. وزادت الرسالة بأن الترامي على البغال والإماء «فمن ظهر منه ذلك يؤدب».
لكن عاملا اسمه عبد الرحمن بن عبد الصادق وُلي على طنجة، عرف بتصديه للتجاوزات التي كانت تهم الاستيلاء على أراضي الغير والاستحواذ على الأراضي الواقعة تحت نفوذ المخزن. ويقال إنه كان يتمتع بصفات النزاهة والاستقامة، وكان يجد الآذان الصاغية في مواجهة مظاهر استغلال النفوذ، على رغم المكائد التي لا تخلو منها مثل هذه الحالات.. إلا أن القرابة وتلاقي المصالح يفسدان حرية التجارة.
وجاء في رسالة سلطانية أن مسؤولا كان يغض الطرف عن تدخل أفراد من أسرته في الاكتيال، إذ كان يخبر محتكرين من أصهاره وإخوته، كي تخلو لهم الأجواء. وقد وجهت إليه تهمة «تتبع الفرص والشهوة».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة