GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

المخازنية الأولون وجوه من عالم المخزن صنعوا قوة الحرس الملكي

المخازنية الأولون وجوه من عالم المخزن صنعوا قوة الحرس الملكي

«هؤلاء بعض الرجال الذين عاشوا تحت ظل السلطة. توارثوا المهنة أبا عن جد، حتى أن بعض القبائل المغربية كانت تتناقل مناصب الجندية لقرون، قبل أن تقطع عليها قبائل أخرى الطريق للإشراف على أمن القصور الملكية. بعض هؤلاء انقرضوا وبعضهم لا يزال مستمرا في صنع تاريخ الحرس الملكي وبعض تقاليده القديمة من باب المحافظة على التراث. فطن الأجانب قبل الاستعمار إلى أن الحرس الملكي قوي إلى الدرجة التي كان معها حائطا منيعا دون وصولهم إلى وجوه السلطة لمفاوضتهم، وهكذا عملوا على إضعافه، لكنهم لم يفلحوا في تغيير معالمه القديمة»

حُراس أمن البلاط.. عالم الجنود المنقرضين
في الأيام التي كانت فيها مهمتهم أساسية، كان عدد الرايات التي يحملونها تفوق المائة. لكن، وبمجرد ما دخلت التعديلات على نظام حماية المواكب الملكية أيام الملك الراحل محمد الخامس، حتى انقرضت بعض الأوجه القديمة لنظام الحرس السلطاني الذي يعتبر واحدا من أقدم أنظمة الحراسة الرسمية.
يقول عنهم المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان: «صاحب العلم الذي يحمل العلم أمام الطابور، وله ميزة تخصه، ولا يكلف مع طابوره بغير حمل العلم. وكان العلم الخاص بالحرس من ملف (ثوب) أحمر. فالعلاف الأول هو الأمين المنوط به حوز المؤونة من الخزينة وتوزيعها على الحرس، على الكيفية الآتية: يكتب بطاقة قائمة المؤونة ويقدمها العلاف الكبير لوزير الحرب ليمضيها، ثم يتوجه بها إلى أمين الصائر ليحوز الوجيبة. فإذا حازها سلمها إلى خليفته ليوزعها على الشواش وهم يوزعونها على المقدمين. فيوزعونها على الأنباشيين، وكل يوزع على من عنده من أنفار الجند، ولكل قائد مائة راية يحملها أحد المقدمين فإذا حضرت المؤونة يأذن العلاف الكرنيطي أو الطنابرجي بالنفخ في بوقه لإشعار الشواش بحضور المؤونة ليقدموا لحيازتها. فيأتون حينا عندما يسمعون نفخ المزمار المعد لإشعارهم. فإن كان لهم خلاف في العدد أو دعت الحاجة لإحضار الأنباشي أو غيره من الضباط، ينفخ في بوقه بكيفية خاصة تشعر باستقدام من أريد للحضور. إذ لكل نوع من المذكورين نفخ خاص يخص نوعه. إذا لم يسمعه علم أنه المراد فيأتي مسرعا، ولا يمكن في ذلك احتمال إرادة الغير، فإذا حضروا وزعت المؤونة على نحو ما ذكرنا».
هذه طريقة توزيع المؤونة فقط، إذ إن بن زيدان، مؤرخ المملكة، تطرق أيضا لطريقة اشتغال هذا الفريق المنتمي إلى الحرس الملكي القديم. صحيح أن المؤرخ هنا يتحدث عن تقاليد لم تعد موجودة، بالنظر إلى التغيرات الكبيرة التي عرفها نظام توزيع الأجور إلخ.. لكن أمورا أخرى تغيرت أيضا، كانت تتعلق بطريقة اشتغال كل هؤلاء المنضوين تحت الرايات التي ذكرها بن زيدان أعلاه.
كان هؤلاء الناس الذين اشتغلوا في البلاط منفصلين تماما عن الجند، لكن كانوا يشتغلون في نظام شبيه بتنظيم الجندية. إذ كانت بعض القبائل تسيطر على مد الحرس الملكي بأجيال من أبنائها، ليشرفوا على مرافقة السلطان وفق الطقوس المخزنية.
عندما جاء الأجانب إلى المغرب أرادوا التدخل في تنظيم عدد من الأمور، أولها نظام الضرائب وآخرها الحرس السلطاني. خصوصا في عهد المولى عبد العزيز، إذ إن بعض الذين أصبحوا أصدقاءه اقترحوا عليه تغيير بعض مظاهر القصور بداية بالحرس السلطاني واقترحوا عليه أن يغير بذلات الحرس المرافق له وبذلات الحرس في بوابة القصر، وكان المولى عبد العزيز قد وافق على مقترح لأحد أصدقائه، وهو ما جعل القائمين على تنظيم الحرس السلطاني يكنون عداوة كبيرة للأوربيين لأنهم كانوا يحشرون أنوفهم في كل شيء. حتى أن بعض الأجانب كانوا يخافون من «الشواقرية»، وهم صنف من أفراد الحرس السلطاني المتعدد الفرق، وكانوا يعتقدون أنهم قد يتعرضون للتصفية الجسدية على يديهم إذا ما حاولوا الاقتراب من موكب الملك، حتى لو كانوا أصدقاءه.
نظراتهم صارمة، يوزعونها في كل الأرجاء، ولم تفلح مجهودات الأجانب في جعل ملابسهم الرسمية مزركشة أو ملونة أيضا، لتكسير الصورة الصارمة التي كانوا يضفونها على الموكب الملكي، كلما تحركوا براياتهم وصفوفهم وفق الطريقة المخزنية القديمة.

الشواقرية.. الطنابرجي والشواش.. خدام الأعتاب الشريفة

حتى الوزراء والعلماء والقضاة، لم يكن بإمكانهم تجاوز صفوف الحرس السلطاني للقاء الملك، في خرجاته الرسمية وفي رحلاته أيضا. كانوا يجمعون بين المشاة وراكبي الخيول، لكن لم يكن ممكنا التسرب عبرهم في تنقلات الملك للقائه، أو الاقتراب من المكان الذي كانت تنصب فيه خيام القصر الملكي لإقامة الملك.
أما داخل القصور، فقد كانوا يتراجعون إلى الخلف تاركين لفرق أخرى من الحرس، لكي تتولى مهمة تأمين الأبواب ومداخل القصر، حتى أن التاريخ المغربي الآن يعج بمئات المراجع، الأجنبية خصوصا، والتي تتحدث عن معاناة أطباء ودبلوماسيين وأثرياء أوربيين مع جنود القصر في سبيل دخولهم للقاء الملك. إذ كان هؤلاء الجنود لا يقيمون وزنا لضيوف القصر، حتى أن وفودا أجنبية بقيت تنتظر على بوابة القصر لأيام إلى أن انتبه بعض الوزراء لوجودهم، ليتم إدخالهم وتنظيم استقبال رسمي لهم.
ورغم توفر بعض الوفود على ترجمان يتحدث العربية، إلا أن الجنود كانوا من الصرامة بالقدر الذي يهمشون فيه جميع الواقفين على بوابة القصر ولا يسمحون بالدخول إلا لمن اعتادوا المرور من البوابات، أي الوزراء ورجال المخزن الذين كانوا يشتغلون في القصر الملكي.
كان مذلا أن ترى وفودا أجنبية تنتظر على البوابات للدخول، وأفرادها الذين يكونون في العادة سفراء ودبلوماسيين ووزراء، يقفون غير بعيد عن روث الخيول، وإلى جانب الفقراء والمعوزين الذين كانوا يقفون لأيام في انتظار أن يجود عليهم أحد ما ببقايا الطعام الذي يتركه الجنود وراءهم، أو الأطعمة التي تخرج من القصر كصدقات للفقراء.
وسط كل تلك الأجواء، كان الجميع سواسية في الوقوف على بوابة القصر. والسبب وجود هؤلاء المنتمين إلى الحرس، العالم الغامض الذي حاول الأجانب تفكيكه منذ السنوات الأولى لوصولهم إلى المغرب، لأنهم كانوا يعلمون جيدا أن هذا الجهاز يقف حجر عثرة أمام تغلغلهم في الدولة، ويعلمون أيضا أن وجوده ضارب في القدم، ويعد وجها من أوجه قوة نظام المخزن.
تصانيف، لم يعد أغلبها موجودا اليوم، لكنها كانت تصنع سياسة الأمس، إذ إن بعض دسائس القصور القديمة، كانت تصنع باستعمال أفراد الحرس السلطاني، والذين كانوا يتلقون توصيات من نافذي المخزن، بعدم السماح لبعض الأسماء بالاقتراب من مظلة السلطان، وهو ما يعني إبعادهم تماما عن السلطة، وقد نجح هؤلاء فعلا في صناعة نهاية بعض الأسماء القوية في الوزارات والمناصب السيادية. حتى أن بعض السلاطين أمثال المولى عبد الرحمن أو الحسن الأول، كانوا يلاحظون غياب بعض وزرائهم، ولا ينتبهون إلى أنهم صاروا مبعدين إلا بعد سنوات على مغادرتهم للقصر واعتزالهم في منازلهم، ويكون السبب غالبا مرتبطا بمكيدة مخزنية من منافسيهم، ما كانت لتتحقق لولا صرامة الحرس الملكي، وحيلولته دون مرور أحد إلى مربع السلطة.

العلاّف الأول.. الرجل الذي ورث حمل العلم
رتبة العّلاف الأول، أو الكبير، لم تكن توكل إلى أي كان. فقط كانت تورث لشخص ينتمي إلى أسرة اعتاد أفرادها على مزاولة هذه المهمة التي تتمثل في تقدم الموكب الملكي في كل خرجاته الرسمية، أيام كانت الخيول هي وسيلة النقل الوحيدة التي يتم استعمالها لتنظيم الخرجات الرسمية من القصر الملكي.
العلاف الكبير، كان معروفا لأنه كان يتولى مهمة حمل علم أحمر، يكون مصنوعا من ثوب خاص. في التاريخ المغربي، أشار إليه عدد من المؤرخين الذين سبق لهم الاشتغال في ردهات القصر كمكلفين بكتابة الرسائل أو ترتيب الأرشيف، قبل أن يصبحوا مؤرخين رسميين للمملكة في مرحلة من المراحل.
كان الفريق الرئيسي في الحرس يسمون «طابور العبيد»، وهم الذين يشكلون جسم الحرس الملكي، فيما تبقى بقية الرتب مجرد ترتيبات، لأن هؤلاء تعهد إليهم مهمة الحماية وهم الذين يشكلون الطوق الأمني في كل الخرجات التي يقوم بها الموكب السلطاني، سواء تعلق الأمر وقتها بخرجة عادية استطلاعية، أم بالخرجات التي كان السلاطين يقومون بها أيام الحروب. بطبيعة الحال، فإن هذا الطابور يوجد على رأسه «قائد رحا»، وخليفة له لحالات الطوارئ، لأن القائمين على الشؤون المخزنية لا يتساهلون بشأن غياب فرد واحد من الحرس، خصوصا إذا كانت مهمته الإشراف على الفريق أو التنسيق، لذلك كان يوجد وراء كل رئيس فريق خليفة له لحالات الطوارئ. ووسط فريق الحرس السلطاني القديم كان هناك مجموعة من القياد، يوجدون تحت إمرة قائد الطابور وخليفته، وهؤلاء يوجد تحتهم حرس يشغلون مهمة «الشاوش» في المجموعة وهم كثر. وتحت كل فريق من هؤلاء، قبل الوصول إلى من هم في رتبة الشاوش، يوجد علاف كبير وصغير، والعلاف الصغير يكون خليفة للكبير حتى لا تتقاطع المهام الموكولة إلى كل واحد منهما.
هذا العلاف الأول، أو الكبير، كان وراءه سر خاص، وقد حظي كل الذين توارثوا هذا المنصب باهتمام الذين راقبوا الموكب السلطاني أو اهتموا به، سواء كانوا مغاربة أو أجانب. فقد كان سر تنظيم الحرس السلطاني واحدا من الأسرار التي لم يكن القائمون على أعمال القصور يقبلون بالخوض فيها مع الأجانب، الذين كانوا وقتها (1890 – 1912) يطرحون الكثير من الأسئلة.
اعترف عدد من الأجانب في كتاباتهم، خصوصا في صنف المذكرات، في الفترة نفسها، أن منظر الشخص الذي يحمل العلم الأحمر الكبير ويتقدم الموكب، كان يصيبهم بالذعر لأنه لم يكن يبتسم. حتى أن أحدهم كتب أنه أصيب بالدهشة، لأنه لم يتوقع أن يجد حرسا للموكب الملكي، وظن أن الأمر حكر على الإنجليز الذين تشتهر الملكية لديهم بصنف خاص من الحراس.
هذا العلاف المغربي الذي استأثر باهتمام الأجانب، لم يكن يحرك نظراته الجامدة، وقد ظهرت صور كثيرة لمواكب الملوك العلويين، يتقدمها «العلاّف الكبير» الذي يحمل العلم، بعد أن ورث المهمة عن والده. هذه المراجع تقول إن العلاّف الكبير كان يعامل جميع المحيطين به بكثير من الغرور والعجرفة، ولم يكن يسمح لأحد بالاقتراب من الموكب حتى لو كان مقربا من الملك، إذ إن التقاليد المخزنية كانت صارمة ولا مجال فيها للاستثناءات، حتى لو تعلق الأمر بوفد لدولة صديقة. إذ لا يسمح أبدا بتجاوز «العلاّف» الكبير، لذلك كان على عدد من الصحفيين الأجانب الذين زاروا المغرب قبل قرن أو يزيد، أن ينتظروا إلى أن يتوقف الموكب، ويتركوا إخبارا للقائمين على الشؤون المخزنية ليتدبروا لهم موعدا مع السلطان، بعد أن يكون العلاف الكبير وبقية فريق الحرس السلطاني قد أنهوا مهمتهم على أكمل وجه.

عالم المخازنية.. المؤتمنون على أسرار القصر
في الأيام الأخيرة للمولى الحسن، وهو واحد من الملوك العلويين الذين عرفوا بقوة محيطهم، إذ كان الحرس السلطاني في أيامه يعيش أزهى فتراته، بعد أن استقدم القائمون على شؤون المخزن قبائل قوية للاشتغال في مناصب الحراسة والجند، كان يصعب على كل الضيوف المتوافدين على المغرب ضرب موعد لتسليم القصر رسائل الملوك الأجانب، والسبب كان هو انغلاق الحرس على أنفسهم، وتشددهم في التعامل مع الأجانب. إذ إن أغلب رجال المخزن وقتها كانوا محافظين، ولا يتقبلون تعامل النصارى مع المغرب، ويرون أنهم شر يجب اتقاؤه، وهذا الأمر كان سببا في سوء المعاملة التي تعرضت لها وفود أجنبية حلت بالمغرب، في أواخر سنة 1870.
وهنا نورد شهادة بليغة لواحد من الصحفيين، والذين لم يتجاوز عددهم العشرين صحفيا، زاروا المغرب ما بين 1890 و1910، وخرجوا كلهم بخلاصات مشتركة، رغم أنهم تعاملوا مع رجال المخزن عن قرب وخلال الأيام الأخيرة لحكم المولى الحسن الأول ومن بعده أبناءه، عبد العزيز، ثم عبد الحفيظ. ورغم تعاقب الملوك إلا أن خدام المخزن احتفظوا بنفس التركيبة والخصائص، وقيلت عنهم الملاحظات نفسها. «لم أكن أفهم بعض الأمور في رسائل رجال المخزن، حيث كانوا يستعينون بعبارات من عمق الدين ويصدرون أوامر غير منطقية للذين يعملون تحت إمرتهم. مرة تحدث أحدهم عن فراغ المخزن من المال، وأجابه الآخر في رسالة بأن الله وحده سيملأ المخزن بالبركة. المعجزة وحدها كفيلة بسد الفراغ الذي تركه الوزراء الجشعون والمخازنية الفاسدون في الخزينة.
ولكي تجري حوارا أو مقابلة مع أحد رجال المخزن، فيجب أن تتوفر على خزائن من الصبر. الأشخاص المهمون محاطون بعدد كبير من المخازنية والكتاب والرسل. ولكي تخترق هذه الدائرة التي يحيط بها المسؤولون أنفسهم، فيجب أن تدفع رشاوى لكي تقابل الرجل السامي. أغلبهم فقراء، ويأخذون أجورهم سنويا، وبالتالي فإن رؤساءهم يشجعونهم بهذه الطريقة لأخذ الرشاوى حتى يتدبرون معيشتهم الشهرية إلى أن يحين موعد الأجرة السنوي.
عندما تمتنع عن أداء رشوة لمخزني فإنه يقول لك: «إن سيدي في الحمام. هل ستأتي لرؤيته لاحقا؟». وفي المرة المقبلة يخبرك بأن سيده «نائم»، وهكذا دواليك إلى أن ينفد صبرك. انطلاقا من حراس الباب البراني إلى الأبواب الداخلية، يجب أن تمنح رشاوى كي تبلغ هدفك، وكلما اقتربت من الهدف تزداد قيمة الرشوة».
كان الأمر يعتبر غلوا في البداية، لكن سرعان ما أصبح الأمر وجهة نظر مشتركة بالنسبة إلى المغاربة جميعا، خصوصا عندما سمعوا عن جرائم فرنسا في الجزائر، وفطنوا إلى سعيها للوصول إلى المغرب أيضا لاستعماره، وهو الأمر الذي لم يكن مستساغا، بالرغم من الإغراءات التي قدمها الأوربيون مقابل عقد صداقات مع الدولة المغربية. لم تكن أبواب التواصل لتفتح بين المخزنيين والأجانب، إلا عندما أصبح وجودهم مفروضا. أما في الوقت الذي كان فيه الجميع متوجسا، فقد كان هناك حديث عن «إذلال» ممنهج للأجانب القادمين إلى المغرب، حتى أن بعضهم، خصوصا الألمان والإيطاليين، فشلوا في لقاء الوزراء أو الظفر بموعد مع الملك، رغم أنهم دفعوا رشاوي كبيرة إلى المخازنية وبعض الوسطاء الذين كانوا مقربين من مسؤولي الدولة. وكانت بعض الوفود تنتظر لأيام، على بوابات القصر التي كانت تجاورها دائما «إسطبلات» لخيول الجنود، في منظر مذلّ إلى أن يختار المخازنية أن يعلنوا وصول وفد أجنبي، وتتخذ بعد ذلك إجراءات ترتيب مقابلة لهم مع السلطان، بعد أن يكون صبرهم قد نفد بطبيعة الحال.

ملابس تُصنع سرا وحلاقة مخزنية يُعاقب من يقلدها

لم تكن رتبة هؤلاء الذين يشكلون الحرس الملكي قبل قرنين، تسمح لهم بمخالطة الناس. فقد كان القائمون على الشؤون المخزنية، يفرضون عليهم الإقامة في أحياء قريبة من القصر الملكي، بحيث يتوجب عليهم عدم مغادرتها، أو يكونوا على أهبة الاستعداد لأي أمر طارئ. لذلك كانت حياتهم تخضع لرقابة عليا، ولم يكونوا يخالطون عامة الناس، حتى أن أبناءهم كانوا يكبرون في تلك الأجواء ويتم إعدادهم في سنوات مبكرة من حياتهم لخلافة آبائهم.
الأجانب كانوا هم السباقون للكتابة عن الحرس السلطاني في المغرب، بالرغم من أن مؤرخ المملكة السابق، عبد الرحمن بن زيدان، كان قد تطرق إليهم في تأريخه للدولة العلوية. لكن الأجانب قدموا أوصافا بدقة أكبر، وأثاروا ملاحظات كثيرة بخصوص عالم الحرس السلطاني الذي كانوا يرون فيه وجها من أوجه سحر الشرق، والثقافة المغربية أيضا.
بطبيعة الحال، لم يجمعوا كلهم على سحر الظواهر المغربية، فقد وجه بعضهم انتقادات كثيرة للحرس السلطاني وسخروا من ألوان ملابس الجنود وطريقة حلاقة شعرهم، واتضح أن سبب تحاملهم عليهم هو أنهم رفضوا السماح لهم بالاقتراب من موكب الملك في المناسبات التي كان يمر بها من وسط المدينة. فقد كان حلم عدد كبير من الأجانب الذين أقاموا بالمغرب، هو أن يلتقوا بالسلطان ليظفروا منه بهدية ما، أو يسمح لهم بالاشتغال في المغرب، خصوصا أن أغلب الذين جاؤوا إلى المغرب في بدايات القرن الماضي، كانوا كلهم من المغامرين والمستثمرين الذين أرادوا بدء حياة مالية جديدة في المغرب.
حتى أن أحد المصورين، وكانت مهمته إنجاز صورة كبيرة للمولى عبد الحفيظ خلال الأسابيع الأولى لوصوله إلى الحكم في المغرب، كتب يقول: «في اليوم المحدد للقاء مولاي حفيظ، جاءني رجلان من القصر، يلبسان زيا موحدا وملامحهما جادة جدا. الأول اسمه السيد بيلتون، والثاني نائبه السيد ريدمان. أرسلهما السلطان شخصيا للحديث إلي قبل اصطحابي إلى القصر للمقابلة.
أعجبت جدا بالهندام الموحد الذي كانا يلبسانه، وعلمت في ما بعد أن السلطان صممه لهما شخصيا لكي يبهر ضيوفه الأجانب. لقد كان له ذوق فني غريب جدا. كان تصميم اللباس خليطا من التصميم المغربي والتركي بألوان تشبه ملابس الألبان.
لسوء الحظ، فإن الخياطين المحليين لا يزالون بدائيين في ما يخص تصميم اللباس، وهو ما جعل دمج أفكار السلطان وأذواقه في الملابس مع مهارات الخياطين المحليين ينتج شيئا أشبه بأسمال المهرجين، كما أن تلك الملابس كانت مزينة بقطع ثقيلة وألوان متقاطعة.
بنظرات حذرة، كنا نعبر طرقات المدينة تلاحقنا نظرات المغاربة الحاقدة. وصلنا إلى بوابة القصر، وتركنا الدواب تحت حراسة المخازنية أمام الباب الخارجي للقصر. تسلمنا حراس آخرون بالداخل، وقادونا بدورهم إلى ممر يفضي إلى باب آخر، وجدنا قربه مخازنية آخرين. بعد فترة تأخير بدأت البوابات الضخمة والثقيلة في الانفتاح، لنصل إلى فضاء واسع ونجد فيه السلطان مولاي حفيظ ينتظر استقبالنا».
هناك مراجع أجنبية أخرى، يقول أصحابها إن منظر جنود الحرس السلطاني كانوا يتسببون في ذعر المدينة بكاملها، عندما يمر الموكب الملكي للصلاة. فيما تحدث البعض عن وجود حلاق خاص بالحرس السلطاني، يحرص دائما على أن تكون رؤوس الجنود حليقة، ويمنع عليه أن يحلق رؤوس الناس بالطريقة ذاتها التي تُحلق بها رؤوس الحرس. الأمر نفسه بالنسبة إلى خياطين معتمدين، وكان بعضهم من اليهود الذين يقطنون بـ«الملاح» وكان يوكل إليهم إعداد ملابس الحرس في المناسبات والأيام العادية، وبطبيعة الحال فإن التوجيهات المخزنية تؤكد عليه ألا يخيط ثوبا شبيها بأثواب الحرس وألا يصنعه، إلا بأمر مباشر من المشرفين على شؤون الحرس الملكي، ويكونون في الغالب من حاشية الملك والمقربين منه.

عندما عجزت الدولة عن إطعام الحرس الخاص!

خلال الأيام العصيبة التي مر بها المغرب من مجاعات وحروب داخلية، كانت الدولة في كثير من المناسبات عاجزة تماما عن توفير أجور العاملين في الحرس الخاص. لكن لم يكن هناك حديث أبدا، في داخل هذا الجهاز، وقتها، عن أي تمرد داخلي، لأن هؤلاء الذين يشتغلون في الحرس السلطاني كانوا يتوارثون المهنة أبا عن جد. ولم يكن هناك أي مجال للتراجع عنها لأنها باتت تعتبر لدى الكثيرين إرثا عائليا، لم يكن مسموحا التنازل عنه لصالح عائلات أخرى.
في أيام «باحماد» الذي كان رجل الدولة القوي في عهد المولى الحسن الأول، وجد المخزن نفسه غير قادر على صرف أجور الجنود، لأن خزينة الدولة كانت فارغة تماما بسبب مجاعة شديدة كانت ألمّت بالمغرب. وعندما صبر الجنود لأشهر دون أن يحصلوا على أجرتهم التي كانت سنوية وقتها، قرروا الصبر لسنة أخرى، لكن تبعات المجاعة كانت قد تركت الخزينة فارغة من جديد، وهكذا كان مستحيلا أن تُصرف أجورهم مرة أخرى، أي لسنتين متتاليتين، ولم يكن هناك من وسيلة لضمان قوت أبنائهم، ما داموا هم محسوبون على القصر، إلا تسخيرهم للعمل في مهن أخرى. لكن الحظ كان أكبر من أن يجبرهم على التفكير في بديل لإطعام أبنائهم، إذ إن إحدى القبائل أعلنت تمردها على المخزن، في نواحي مراكش، واتجه جنود السلطان والذين لم تكن أجورهم تُصرف أيضا، لمواجهة التمرد.
هذا التمرد كان متمثلا في امتناع القبائل عن دفع الضريبة للدولة، وهذا الأمر كان سببا في عجز الدولة عن دفع أجور الجنود. وكان إخضاع القبائل وإجبارها على دفع الضرائب للدولة، مفتاحا لأزمة الحرس السلطاني وبقية الجنود، الذين كان بعضهم مؤتمنين على أكثر أسرار القصور سرية، ويتعلق الأمر بجناح الحريم، حيث كانت حراسته توكل إلى عدد من الجنود الذين كانوا يتوارثون تلك المهمة عن آبائهم، وهكذا كان الآباء بمجرد وفاتهم، يورثون مناصبهم لأبنائهم الذين يقطنون جميعا في أحياء مخزنية قريبة من القصر الملكي، سواء عندما كان القصر في فاس، أو عندما تحول الحكم إلى الرباط.
وهكذا كانت الرتب في الحرس السلطاني متوارثة، وبالتالي لم يكن ممكنا للمشتغلين في هذا الجهاز الاستقالة، أو المغادرة، حتى في الظروف التي كانت فيها الدولة عاجزة عن دفع أجورهم.
من لحظات التوتر التي عاشها الحرس السلطاني أيضا، الفترة التي انتقل فيها الحكم في فاس سنة 1909، والتي كانت فترة إقبال للأجانب على المغرب، وكان وقتها هؤلاء الجنود يعانون إلى جانب تأخر دفع أجورهم التي كانت سنوية، من الإقصاء، لأن الحاشية الجديدة للمولى عبد الحفيظ كانت تفكر في استبدال الحرس السلطاني، خصوصا وأن أغلب الذين كانوا يشتغلون فيه كانوا يدافعون عن المولى عبد العزيز، قبل أن يتحالف العلماء ضده وينصبوا أخاه مكانه. لذلك كان المحيط الجديد للقصر في السنة نفسها، يسعى إلى استبدال الحاشية الجديدة، خصوصا الحرس السلطاني.
بقيت بعض معالم هذا الجهاز، الذي استمر لقرون حتى الآن، واضحة في الموكب الملكي، رغم التغييرات الحديثة التي لحقته، خصوصا بعدما خصصت وزارة للتشريفات والأوسمة وعالم البروتوكول الملكي، ورغم كل هذا، فإن منظر الرجل الصارم الذي يحمل العلم الكبير في مقدمة الموكب الملكي، سيما عند أداء الصلوات أو في المناسبات الدينية، لا يزال حاضرا وبقوة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة