CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

المخبرون المنسيون.. الأعين الخفية التي راقبت المغرب لقرن من الزمن

المخبرون المنسيون.. الأعين الخفية التي راقبت المغرب لقرن من الزمن

«لم يكونوا من المشاهير الذين تم تكريمهم في نهاية حياتهم على خدماتهم التي قدموها لفرنسا. أغلبهم أجانب، وبعضهم منا، اجتمعوا على خدمة المصالح الفرنسية في المغرب، ولعبوا أدوارا حاسمة في جعل فرنسا تتوفر على خريطة كاملة وغنية عن المغرب، قبل أن يضع أي جندي فرنسي قدمه في أرض البلاد. الذين كانوا من جلدتنا لاحقتهم لعنة الخيانة، فيما بقي الأجانب مجهولي المصير بعد افتضاح أمرهم.. ولا ننسى أيضا أن هناك جواسيس أجانب جاؤوا إلى المغرب للتجسس على الأجانب أنفسهم. جلسوا في المقاهي بالطريقة التقليدية للتجسس، وكان الأمر أشبه بمسرحية كبيرة، لكنها كانت حاسمة في ذلك الوقت».

من هنا جاء الجواسيس الذين سقطوا من التاريخ
تقول بعض الدراسات الجامعية في تاريخ المغرب إن أول مصدر لقدوم الجواسيس الفرنسيين إلى المغرب كان هو الجزائر، أي أن فرنسا كانت تصدر جواسيسها الفرنسيين السريين إلى المغرب منذ سنوات 1860 تقريبا، إلى أن وصلت سنة 1912 لتفرض فرنسا الحماية على المغرب بشكل رسمي.
إذا عدنا إلى تاريخ الجاسوسية، وما تضمه الخزانات القديمة من كتب ومذكرات وأوراق منسية، عن موضوع الجواسيس القدامى، نجد أننا لا نعرف منهم، للأسف، إلا الذين اشتهروا بسبب كتاباتهم، أو بسبب اهتمام فرنسا بهم بعد انتهاء مهامهم. فبعض الوثائق الرسمية الفرنسية التي لا تزال مكتبات الجامعات تتوفر عليها وترممها، تقول بما لا يدع مجالا للشك إن فرنسا كانت تقدم دعما لكل الذين كانت لديهم ميولات للسفر والاستكشاف، وتدعم رحلاتهم إلى الدول الجديدة التي لم تكن فرنسا تعرف عنها أي شيء، مقابل اعتكاف هؤلاء الناس على تدوين تجربتهم ومشاهداتهم فور عودتهم إلى بلدهم الأصلي، وكانت الحكومة تعتمد على تلك الكتابات في سياساتها المقبلة.
الغرض إذن كان معرفة خبايا الدول، ومن بينها المغرب، لتسهيل عملية احتوائه عسكريا وسياسيا أيضا. ولنا في تجربة إدمون دوتي دليل كبير على هذا الطرح، فحتى مع المقدمة الطويلة التي أفردها في كتابه وشرح فيها السياق العام لرحلته إلى المغرب ودوافع استكشافه لهذا البلد الجديد في وقت مبكر (أي ما بعد سنة 1860)، فإن بعض الباحثين شككوا في كل شيء، وأجمعوا على أن رحلة إدمون دوتي كانت من أولى المهمات التي كان الغرض منها التجسس، وعززوا هذا الطرح بالتساؤل عن سر اهتمام إدمون في تقريره بمناطق وجود المعادن والمؤهلات الفلاحية وجغرافية المناطق والتباين بينها، وكل المعلومات التي كانت مفتاحا للتوسع العسكري في المغرب. فحتى عندما وصلت أولى القوات الفرنسية لأول مرة في تاريخ المغرب، إلى منطقة ورزازات والراشيدية، بعد مقاومة شرسة سقط خلالها مئات القتلى، بدا واضحا أن فرنسا كانت تملك فكرة كبيرة عن جغرافية المكان.
إذا عدنا إلى تجارب مماثلة، نجد أن أغلب الجواسيس الذين عرفوا على مر التاريخ بأدوارهم، رغم أن أغلبهم رفض هذا التوصيف واعتبر الأمر منكبا في اتجاه البحث العلمي أو الاستكشاف البريئ، جاؤوا إلى المغرب قادمين إليه من الجزائر، ويكون بعضهم على علم كبير بالثقافة الإسلامية عموما، حتى أن بعضهم، أشاروا في كتاباتهم إلى أنهم سبق لهم زيارة المشرق، ورأوا الشام والعراق والحج، ويعرفون الثقافة الإسلامية جيدا، ويتحدثون بالعربية، رغم أنها كانت مختلفة تماما عن استعمال المغاربة لنفس اللغة، إلا أن أمر تعلم التواصل مع المغاربة بلسانهم لم يأخذ وقتا طويلا من هؤلاء المستكشفين، الجواسيس.
ما يهمنا في هذا الملف، هم أولئك الجواسيس المنسيون الذين لم يذكرهم أحد، أو لا يتذكرهم أحد على الأصح، رغم أنهم لعبوا أدوارا مهمة في مراحل كثيرة من تاريخ المغرب.
أغلبهم جاؤوا إلى المغرب مستخفين عن الأعين، وفي سن مبكرة جدا، ليختلطوا مع المغاربة وتم توزيعهم على مناطق كثيرة ومتباينة، ليتعلموا خصوصيات كل منطقة، ويجمدوا تجنيدهم السري لسنوات (بعض الحالات تم تجميدها لعشرين سنة) إلى أن جاءت الفترة الحاسمة التي أصبح فيها الوجود الفرنسي يتقوى في المغرب، ليتم التواصل مع هؤلاء الجواسيس السريين.
التاريخ الشفهي، لعدد من المناطق في المغرب، يحبل بنماذج من هذا النوع، وتناقلت الألسن قصص الخيانة التي تعرضت لها قرى وقبائل، على يد هؤلاء الجواسيس، خصوصا وأن بعضهم اندمجوا كليا مع الحياة في المغرب وتزوجوا من نساء مغربيات وأنجبوا أبناء، وأصبحوا يتحدثون مثل المغاربة تماما، لكن فرنسا كانت تعلم بالضبط أين زرعت كل واحد من هؤلاء الجواسيس، وأعادت تنشيطهم من جديد بمجرد اقتراب إطباق قبضتها على المغرب.
نوع آخر من الجواسيس، سنتطرق إليه، عندما نتحدث عن فترة التسابق نحو الفوز بالمغرب، وكانت طنجة مسرحا له ما بين سنوات 1900 و1910، على اعتبار أنها، أي طنجة، كانت منطقة دولية. جواسيس في كل مكان، في المقاهي والمحلات وكل أماكن التجمعات، حتى لو كانت صغيرة. والهدف كان معرفة كل شيء عن الجميع.

قصص مثيرة لأيتام تبين في ما بعد أنهم مجندون لمهام خاصة
للأسف، غابت المعطيات التاريخية الموثقة في هذا الباب، وتبقى ضئيلة جدا، ومقتصرة على جوانب فقط، والخلاصة أن المغاربة فاتهم في تأريخهم الذاتي أن يتحدثوا عن هذه الفترة الحرجة من التاريخ، وعن الاختراق الفادح الذي قامت به فرنسا للمغرب حتى قبل أن يحس المغاربة أن هناك نية لدى فرنسا لتحويل بلادهم إلى مستعمرة كما هو الأمر في الجزائر.
حتى المراجع الأجنبية، فاتها أن تدقق في هذا الباب بالذات. لكن هناك إشارات عن بعض الحالات التي وثق لها مستكشفون آخرون، اتُهموا أيضا بأنهم كانوا جواسيس في وقت متأخر، بالإضافة إلى بعض الصحفيين الأجانب أيضا، ممن كانوا سباقين لاستكشاف المغرب. بعض هؤلاء، كتبوا عن قصص لبعض الفرنسيين الصغار في السن، والذين تم تجنيدهم بشكل سري وتم تهريبهم إلى المغرب، خصوصا منهم الذين كان أحد آبائهم من أصول عربية، ليعيشوا فيه لسنوات طويلة إلى درجة يصعب معها فصلهم عن بقية المغاربة، ولم يتم تفعيل أدوارهم إلا عندما اقتربت فترة الحماية.
البداية كانت بخطة عسكرية سرية، لأن فرنسا عندما أطبقت يدها على الجزائر، كانت تنظر إلى المغرب باعتباره التحدي الأخير لبسط نفوذها إلى حدود المحيط الأطلسي. ولكن الجهل الكلي الذي كانت فرنسا تتخبط فيه، والمقاومة الشرسة على الحدود، حالت وتوغل فرنسا في المغرب، لذلك لجأت القوات العسكرية الفرنسية إلى حلول بديلة.
ليس في الأمر أي مبالغة فالمغرب كان في الحقيقة عصيا على الاختراق، حتى أن بعض الذين كتبوا عن المغرب منذ سنة 1900 وما بعدها يجمعون على أن الأخطار كانت تلاحقهم من كل جانب، إلى درجة أن آخرين قالوا إن لون البشرة وحده كان كافيا في بعض المناطق لتصفيتهم جسديا، لذلك لجأ أغلبهم إلى التنكر حتى لا يتضح لأحد أنهم أجانب. فحتى إذا كان المخزن وموظفو الدولة والأغنياء وكبار التجار، قد بادروا إلى استقبال الأجانب والجلوس معهم والحديث إليهم، فإن السواد الأعظم من المغاربة كانوا على عكس هذا الأمر ولم يكونوا يتقبلون أبدا أن يكون بينهم «نصراني»، خصوصا عندما أصبح الجميع يعلمون بما كان يدور في الجزائر.
صاحب «المحلات السلطانية» وصاحب «المغرب المجهول»، وحتى لاورنس هاريس، صحفي التايمز في لندن، عندما جاء لإعداد حوار مع المولى عبد الحفيظ في الأسبوع الأول لتسلمه زمام الأمور في البلاد.. هؤلاء جميعا كانوا يلتقون في نقطة واحدة وهي الاحتياط الشديد والتكتم والتنكر أثناء تحركهم داخل المغرب. طنجة كانت مسرحا لوصولهم الأول، ولم تكن هناك أي خطورة على حياتهم، لكنهم كانوا مجبرين على التنكر إذا أرادوا الوصول إلى فاس، أو أي مكان آخر.
هؤلاء كتبوا، ليس كلهم طبعا، عن بعض القصص التي وصلتهم شفهيا، والتي حدثت قبل وصولهم إلى المغرب بسنوات (حوالي أربعين سنة أي أن المرجح أنها وقعت ما بين سنوات 1850 و1870). نجد في إحداها مثلا أن طفلا وُجد مفقودا نواحي عبدة، وتعاملت معه القبيلة كلها بكثير من الرعاية، وعاش بينهم لما يزيد عن عشرين سنة، إلى درجة أنه كان يتردد على المسجد ويصلي معهم ويتحدث مثلهم تماما. استقر وتزوج وأنجب أيضا ونسي الجميع تقريبا أنه جاء ذات يوم «مقطوعا من شجرة»، إلى أن جاء يوم بدأ فيه يتواصل مع بعض الأجانب الذين كانوا يأتون لقصبة أحد القياد الكبار، وأثيرت الشكوك حوله، خصوصا أنه أصبح يختفي لفترة طويلة لا أحد يعلم ماذا كان يفعل فيها ولا الوجهة التي يقصدها، إلى أن توضحت الأمور في الأخير عندما أصبح العسكريون الفرنسيون يبنون ثكنة لهم بعد حرب دامية سقط خلالها قتلى كثيرون في إطار الرفض الذي قابلت به القبائل الوجود الفرنسي على أرض المغرب.

قصة جاسوس ألماني وأمير جزائري اشتغل في الشرطة الدولية بطنجة
تبقى مذكرات «المغرب الصادم»، والتي عنونها صاحبها جورج إدمونت هولت، وأخرجها ويليام هينمان، واحدة من الشهادات التاريخية النادرة في حق المغرب، خلال سنوات 1900 و1910، أي في العشر سنوات التي سبقت معاهدة الحماية. في هذه المذكرات التي حملت في صفحاتها الكثيرة، إشارات قوية عن الحياة في المغرب عموما وخصوصيات الإنسان المغربي في تلك الفترة، وعقلية المخزنيين الذين احتك بهم صاحب المذكرات أثناء مقامه بالمغرب الذي أسماه: «الأرض التي تغرب فيها الشمس». وانتبه إلى أن هناك قداسة كثيرة تحيط بالكثير من الأمور. رغم أنه قضى فترة في طنجة واعتبرها أقرب الأماكن في المغرب إلى قلبه إلا أنه أصر أن يسميها في مذكراته: «مدينة بلا دولة»، معتبرا أنها كانت منفصلة تماما عن المغرب، لكنها تبقى الطريق الوحيدة التي تُدخل الأجانب إليه.
ما يهمنا في موضوع الجاسوسية أن هذه المذكرات تقدم واحدة من أقدم أدلة وجود جواسيس أجانب في المغرب، خصوصا في طنجة، وهذه المرة، يذكر جورج أن الجاسوس كان ألماني الجنسية. بدأت القصة عندما كان جورج يتجول في أحد الأسواق المحلية الصغيرة في مدينة طنجة برفقة أحدهم. يقول إنه لاحظ، خلال الجولة في السوق، أن رجلا أوربيا، بشارب ضخم، كان يجلس في المقهى ويبدى اهتماما بما يدور بين جورج ومرافقه، وعندما دُعيا للجلوس في إحدى الزوايا، رفض جورج ذلك المكان وأكد لمرافقه أن ذلك الرجل مهتم كثيرا بمعرفة ما يدور بينهما من أحاديث، وشرح في السياق نفسه كيف أن ذلك الرجل صاحب الشارب الضخم، ليس إلا جاسوسا ألمانيا، ينقل الأخبار ويهتم بمعرفة كل تفاصيل ما يدور في طنجة خصوصا بين الأجانب.
المثير أن ذلك المقهى الطنجاوي، الذي لم يذكر اسمه لكنه واضح أنه غير بعيد جدا عن السويقة القديمة التي كانت تباع فيها الخضر والحاجيات اليومية.. ذاك المقهى كان قبلة لأغلب الشخصيات الأجنبية البارزة في طنجة، من بينهم، حسب جورج دائما، السيد «Q» والذي كان يجلس في إحدى الزوايا من نفس المقهى، يدخن سيجارة في عزلة. يقول جورج إن هذا الرجل الفرنسي كان يشتغل في الدار البيضاء نائبا للقنصل سنة 1907، وهو الذي أعطى الإشارة لبدء القصف العنيف الذي تعرضت له الدار البيضاء في نفس السنة بواسطة المدافع التي كانت تحملها البارجة البحرية الفرنسية في ميناء الدار البيضاء، وخلف القصف مجزرة حقيقية راح ضحيتها مغاربة كثر، مسلمون ويهود أيضا.
المثير في قصة السيد «Q» كما أسماه جورج في مذكراته، أنه كان وحيدا في المقهى إلى أن جاء سي أحمد بن محمد بن عبد القادر. يقول جورج إن سي أحمد كان يشتغل مفتشا محليا للشرطة الدولية في طنجة.
وحسب المعلومات التي أوردها جورج في مذكراته بهذا الخصوص، فإن سي أحمد كان أميرا جزائريا، ووالده كان وطنيا كبيرا ساهم بشكل كبير في المقاومة التي شنتها الجزائر بمساعدة المغرب، ضد فرنسا سنة 1840. لكن سي أحمد كان مدينا لفرنسا حتى تبقيه خارج المغرب، ولكن كيف وصل إلى منصبه في الشرطة الدولية؟ يقول جورج إن الأمر راجع إلى وساطة هدنة قام بيها بين فرنسا وبين سكان قبيلة على الحدود المغربية الجزائرية، وحصل على هذا الامتياز كمكافأة من فرنسا. لم يحصل سي أحمد على الجنسية الفرنسية، ولم يكن جورج قادرا على تأكيد الأمر لصديقه، في تلك الجلسة داخل المقهى الذي يعج بشخصيات مماثلة، وجواسيس أيضا.
لكن إذا تأملنا قصة هذا الأمير الجزائري، يتضح أن فرنسا كانت تكافئ كل من يتعاون معها، رغم أن الحديث هنا عن الهدنة لم يكن واضحا، خصوصا وأن المنطقة، أي الحدود، شهدت في فترات متفاوتة توترات كبيرة، لم تكن الهدنة فيها مطروحة أبدا، خصوصا خلال السنوات التي كان فيها المغرب يدعم سكان الشرق لمواجهة فرنسا، وكان هذا الأمر بطبيعة الحال ذريعة وجدت من خلالها فرنسا مسوغا لاستعمار المغرب فور بسط نفوذها في الجزائر.. فكيف إذن تكافئ من سعى إلى عقد هدنة بينها وبين القبائل، بهذه الطريقة؟

النهايات المأساوية للمتعاونين مع فرنسا.. القتل والسحل وقطع الرؤوس
بالعودة إلى قصة البغدادي، تقول بعض الإفادات إن اسمه اشتهر في الرباط بأغنية شهيرة كان يطلقها الأطفال والشبان، حتى بعد أن مضت فترة طويلة على نهايته. إذ كانوا يتشفون من نهايته المأساوية، وتتساءل كلمات الأغنية إن كان البغدادي، وغيره كثيرون بطبيعة الحال، قد عمل حسابه لما آلت إليه نهايته بعد رحيل فرنسا، أم أنه كان منكبا فقط على جمع المال من خلال التقرب من الإدارة الفرنسية والاشتغال لحسابها على حساب أبناء بلده.
ثمة مخبرون تعرضوا لنهايات مأساوية حتى قبل أن تخرج القوات الفرنسية من المغرب، وبعض قدماء المقاومة وجيش التحرير، والمنخرطون السابقون في التنظيمات السرية المسلحة التي كانت نشيطة في عدد المدن، يروون عن حكايات متشابهة لبعض «الجواسيس» المغاربة الذين كانوا يشتغلون بشكل سري، لنقل أخبار المقاومين والمواطنين العاديين إلى الإدارة الفرنسية، وعندما تم كشف أمرهم، أصبحوا يعملون مع الإدارة الفرنسية علانية، وتولوا مهام الترجمة وإحضار المطلوبين وهذا هو الدافع الذي جعل بعض المنتمين للتنظيمات السرية وقتها، لكي يعملوا على تصفيتهم جسديا.
نورد هنا قصة أحدهم، وكان يعمل مع الإدارة الفرنسية في منطقة بني ملال، وتوجه فردان من «الهلال الأسود» وقتها لتصفيته بعد أن تسبب في إلقاء القبض على بعض العناصر، بعدما جمع عنهم معلومات وقدمها للفرنسيين.
كان المستهدف يجلس أمام داره، يرتدي جلبابا أبيض، ويشرب الشاي، إلى أن باغتته رصاصة مفاجئة في الرأس ليلفظ أنفاسه سريعا. المثير، حسب نفس الرواية، أن الإدارة الفرنسية لم تهتم كثيرا لنهاية موظفها، ولم يتم فتح تحقيق أو تنظيم جنازة له، بل أعطيت الأوامر لبعض العمال حتى يزيلوا جثته من المكان الذي قُتل فيه، وانكبت الإدارة على البحث عن متعاون آخر ليقوم بنفس المهمة.
نهاية مأساوية أخرى، قديمة هذه المرة، بطلها أحد الذين كانوا يشتغلون في أولى الفنادق التي تم إنشاؤها بالدار البيضاء، وأوردت القصة في مذكرات موظف في السلك الدبلوماسي الفرنسي بالمغرب سنة 1928، وكانت بعنوان «مذكرات من المغرب». القصة تعود إلى سنوات العشرينيات من القرن الماضي، عندما كان شاب مغربي نحيف بالكاد يتعلم الكلمات الأولى للتواصل مع الضيوف الفرنسيين الذين كانوا ينزلون في الفندق. هذه الكلمات الفرنسية وفهمه لما يطلب منه، جعل بعض العسكريين الذين اعتادوا التردد على الفندق، يفكرون في استعماله كمخبر وترجمان، وعرض عليه مبلغ سخي مقابل مهمته، لكن تم إخباره أن مهمته يجب أن تظل سرية وألا يخبر بها أي أحد. وهكذا أصبح يجمع الأخبار وما تصله من معلومات في الفندق والمنطقة الفقيرة التي كان يقطن بها في الدار البيضاء، ويخبر بها الضيوف السريين للفندق.
نهايته كانت مأساوية أيضا، عندما أبصره بعض الغاضبين من وجود فرنسا في المغرب، لأن تلك الفترة لم تكن تعرف بعد وجود تنظيمات مغربية سرية ومسلحة، بالكاد كان هناك مغاربة غاضبون لا يتذكرون لفرنسا إلا قصف الدار البيضاء وقتل المغاربة بدم بارد في الطرقات، ولم يتقبلوا أن يكون واحد منهم مشتغلا مع هؤلاء الفرنسيين، ليتم الاعتداء عليه ذات ليلة في طريق عودته إلى بيته بعيدا عن الفندق، وحسب ما وصل وقتها إلى أسماع أولئك العسكريين، أن أحد أبناء حيه رآه يترجم لشرطيين فرنسيين ما كان يقوله أحد الرجال الذين تم اعتقالهم في عملية بحث، ولم يستسغ الأمر ليتم التخطيط لتصفيته بإلقاء حجر كبير على رأسه، من سطح أحد المنازل.

الزوايا والمساجد.. قداسة كان يراد استعمالها في غير محلها
بعض الذين كانوا يعملون لصالح فرنسا، كانوا يحرصون على عقد علاقات وطيدة مع زعماء الزوايا، وهناك اليوم في الخزانة المغربية مؤلفات وأبحاث مهمة، تؤكد كلها بما لا يدع مجالا للشك أن للزوايا يد في توغل فرنسا في المغرب، لأن بعض الزوايا تحولت إلى بوق فرنسي، وفضلت أن تدعو الناس إلى تقبل الوجود الفرنسي في المغرب، والتعامل معه على أنه «ابتلاء» من الله لا شك أنه سيزول، محذرين من مغبة الاعتراض على الأمر أو رفض الهيمنة العسكرية الفرنسية على المغرب.
في هذا الإطار دائما، كان بعض المتعاونين مع فرنسا يلجؤون إلى الزوايا، واعتُبروا جواسيس أيضا نظرا لطبيعة المهام التي أوكلت إليهم، والتي كانت تتمثل في إقناع الفقهاء المنتمين لتلك الزوايا، بالتعاون مع فرنسا، وحث الناس على التعايش مع الوجود الفرنسي في المغرب، مقبل تمويلهم وإمدادهم بما كان يلزم وقتها لتنظيم «مواسم»، في عز سنوات الجفاف والمجاعات، وتوزيع الطعام مجانا على الجياع وحشدهم للخطابة فيهم ومحاولة تكريس فكرة أن فرنسا هي المنقذ.
لولا هؤلاء الجواسيس الذين تولوا أمر الوساطة، ولولا الجواسيس الأقدمون الذين فطنوا من البداية إلى أن السلطة الدينية وحدها كفيلة ببسط النفوذ الفرنسي في المغرب، لما مضت فرنسا في ذلك الاتجاه.

الجواسيس المغاربة ..على «بعضهم»

لم يكن أمر الجواسيس مقتصرا على الأجانب فقط، فقد كان هناك جواسيس مغاربة أيضا. فمذكرات جورج تحمل بين طياتها إشارات كثيرة إلى وجود جواسيس في المغرب. أما قصة الجاسوس المغربي، فقد قال جورج إنه كان ضخم الجثة، وكان يروج بين العالمين بخبايا الدهاليز أنه كان يشتغل لحساب الريسولي الذي كان يحكم منطقة طنجة ويعتبر خليفة للسلطان عليها. بحسب هذا المرجع فإن الجاسوس الذي يعمل لصالح الريسولي وينقل له أخبار طنجة وما يروج فيها وفي الطرق التي تؤدي إليها أيضا، عندما أصبح الريسولي خارجها، كان ضخم الجثة ويمتطي حصانا يتركه في الغالب خارج المقهى التي يتردد عليها كل أولئك الجواسيس والموظفون وحتى الفضوليون، في وقت كانت فيه ثقافة المقاهي غريبة تماما عن المغاربة. بحسب مذكرات جورج، فإن هذا «الجاسوس» يترك حصانه خارج المقهى مع الخادم المكلف بحراسته ويدلف لكي «يشتم» الأخبار وما يقع في المدينة، ويعرف زوارها الجدد والغرباء والباحثين عن المشاكل، وحدث أكثر من مرة أن ضرب الكثيرين، ضربا أفضى بهم إلى الموت. لم يكن الأمر غريبا، كما يقول جورج دائما، فالبنية الجسمانية لهذا الرجل المحسوب على الريسولي، كانت تمكنه من البطش بالذين يتربص بهم ويقضي عليهم بدون استعمال سلاح.
قد يبدو الأمر الذي ذكره جورج في مذكراته لا يخلو من مبالغة، لكنه يحمل وجها للحقيقة بخصوص نفوذ الجواسيس وقدراتهم.
بالإضافة إلى هذا النموذج المحلي الذي كان يشتغل لصالح الريسولي، كانت هناك نماذج أخرى اشتغلت لصالح باشاوات وقياد ومعمرين أيضا، واتهموا في ما بعد بالخيانة، أي بعد حصول المغرب على الاستقلال وتم الاعتداء على الكثيرين منهم، وسُجل وقتها أن «سيبة» كبيرة تم تسجيلها في تلك السنة على إثر الاعتداءات التي طالت أغلب الذين كان الناس ينظرون إليهم قبل 1956 على أنهم مجرد أذناب للاستعمار و«بركاكة» توجب القضاء عليهم.
إذا عدنا إلى السابقين، من باحثين وصحفيين، ممن انكبوا على هذه الفترة بالذات، كالباحث محمد لومة، والصحفي عبد الكريم جبرو وآخرين أيضا، فإننا نكون أمام وقائع كثيرة، تحدثت عن هجوم المغاربة الغاضبين على بعض المتعاونين مع الإدارة الفرنسية، وتعرض أغلبهم للتصفية الجسدية بشكل قاس، حتى يكونوا عبرة للآخرين.
بعض هؤلاء الذين تمت تصفيتهم، حسب ما تناقله الذين عايشوا تلك الفترة، وهنا سنشير إلى أن بعض البحوث الجامعية في شعبة التاريخ، في عدد من الجامعات، تقدم إفادات غنية في هذا الباب، كان بعض الطلبة الباحثين قد أنجزوها لنيل الإجازة أو الدكتوراه، خصوصا خلال سنوات التسعينات. هذه الروايات الشفهية تقول إن هؤلاء الذين تمت تصفيتهم كانوا مشهورين بعلاقاتهم مع الفرنسيين خصوصا العسكريين، وكان أغلبهم من الأعيان الذين كانوا يتوارثون منصب «القايد» أو الباشا، ويكونون في الغالب من كبار الفلاحين ممن راكموا أملاكا كثيرة بأشكال غير مشروعة، وهكذا كان الغضب والانتقام منهم بتلك الأشكال القاسية، بعد رحيل فرنسا، تغذيه كل هذه الأسباب.
البعض فروا خارج المغرب برعاية فرنسية، وهؤلاء عاقبتهم الدولة ونشرت لائحة بأسماء بعضهم، وعددهم لا يتجاوز المائة، وكانوا يشكلون نخبة الأقوياء الذين تقووا في ظل الوجود الفرنسي في المغرب. توفي أغلبهم في سنوات الأربعينيات، وحتى الذين عاشوا منهم إلى أواسط سبعينيات القرن الماضي، كان الملك الراحل الحسن الثاني قد تحفظ على نقل جثامينهم لتدفن في المغرب، وتم السماح لعائلاتهم بدفنهم في المغرب في طقوس عادية، لم يكن أحد يتوقع أنها ستكون كذلك.
وكان الذين ظلوا في المغرب وتعذرت عليهم المغادرة، هدفا للمواطنين الغاضبين، كما وقع للبغدادي، الذي كان بالإضافة إلى اشتغاله مع «المخزن»، يربط علاقات قوية بعسكريين فرنسيين ينظم لهم مأدبات شبه يومية في منزله، وعندما غادرت القوات الفرنسية وأعلن عن استقلال المغرب بشكل رسمي، كان البغدادي أول هدف في الرباط، وأنزلت به الحشود الغاضبة عقابا كبيرا، غير بعيد عن المشور في الرباط، إلى درجة أن الملك محمد الخامس كان قد تأسف كثيرا لما آلت إليه الأوضاع وطالب من الجماهير الغاضبة أن تتعقل وأن يتركوا كل شيء للقانون لا أن يأخذوا ثأرهم من «المتعاونين» مع فرنسا بأيديهم.
بعض هؤلاء الذين كانوا يشتغلون لصالح فرنسا، بدأت علاقتهم بها، من خلال مهام تجسسية بطبيعة الحال، وترقوا في السلم إلى أن أصبحوا من موظفي فرنسا المخلصين، إذ كان الأمر قائما في البداية على نقل الأخبار والتكلف بالترجمة، وهو ما كان يمنحهم هيبة كبيرة وسلطة على المواطنين.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة