الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

المداشر المنسية لشخصيات بصمت تاريخ المغرب

قرى صغيرة أنجبت جنرالات وصلوا إلى القمة وآخرين صاروا انقلابيين

يونس جنوحي
قرية لا تعرفونها. اسمها «بورد». وهي التي أنجبت الكولونيل اعبابو الذي قاد أول محاولة انقلابية دامية في تاريخ الجيش المغربي ضد الملك الحسن الثاني عندما كان يحتفل بعيد ميلاده في قصر الصخيرات في يوليوز 1971.
مساره العسكري كان في البداية مفخرة لقريته الصغيرة «بورد»، التي كان بالكاد مسؤولو الرباط يعرفون موقعها في الخريطة. ولا يزالون!
وعندما وصل إلى قمة سطوته العسكرية مديرا لواحدة من أكبر المدارس العسكرية في القارة الإفريقية، وإحدى مفاخر الملك الراحل الحسن الثاني في التكوين العسكري، حيث أرسل دفعة نهاية الستينيات لكي يقوموا باستعراض عسكري في الجزائر، شاءت الأقدار أن يكونوا هم نفسهم الخريجون الذين اقتيدوا كتلاميذ استعملهم الكولونيل اعبابو لتنفيذ خطته في قصر الصخيرات في يوليوز 1971.
في ذلك المساء واليوم الذي تلاه، حيث وصل إلى قرية «بورد» خبر مصرع الكولونيل اعبابو في الرباط على بُعد أمتار من مقر الإذاعة بعد اشتباك بينه وبين الجنرال البوهالي الذي حاول منعه من دخولها لاستكمال آخر مراحل الانقلاب، انقلبت القرية رأسا على عقب.
كان مرجحا أن تعرف القرية حملة تفتيش تحسبا لأي مناورة من الكولونيل اعبابو وما إن كان قد خطط لخطة بديلة من مسقط رأسه. وهي الفكرة، رغم استحالتها في ذلك الوقت، التي سيطرت على مشاعر عدد من سكان القرية البسطاء الذين تنبؤوا بلعنة التهميش التي ستطالهم بالتأكيد ما دام مدبر الانقلاب قد ترعرع بينهم. لقد كان بعض قدماء المنطقة يعرفون حكايات المخزن مع المناطق التي كانت تخطط للتمردات، أيام بوحمارة، وأشاعوا بين سكان القرية في مساء 11 يوليوز 1971، أن المنطقة لا بد أن تعيش أسوأ أيامها قريبا، وأن «عائلات الضباط والسياسيين القتلى سوف تأخذ بثأرها من منطقة اعبابو».
ليست هذه إلا سيرة قرية واحدة. فما قصص القرى الأخرى التي أنجبت الجنرالات الكبار الذين تحكموا لسنوات في دواليب الدولة، وماتت قراهم معهم في الظل؟

نصف قرن على لعنة جمّدت التاريخ والجغرافيا
قرية تازمامارت دليل قوي على أن التاريخ نال فعلا من الجغرافيا بل وجعلها تدفع الثمن.
في سنة 2016، كنا في «الأخبار» سباقين إلى نشر صور لما تبقى من قرية تازمامارت ومعاناة سكانها المعزولين رغم محاولات بعضهم إنقاذ القرية وربطها بالحضارة. لا تزال القرية، بسبب اقتران اسمها بالمعتقل السري سيء السمعة الذي احتُجز داخله عسكريون بمختلف رتبهم طيلة عقدين تقريبا، تعيش على وطأة حياة رتيبة معزولة تماما.
قرى أخرى، لم تعش نفس شهرة تازمامارت، لكنها تتقاسم معها قساوة الجو سواء في المغرب الشرقي أو في أقصى الشمال. وبالضبط في منطقة الريف التي ينحدر منها جل «نجوم» المؤسسة العسكرية أواخر الخمسينيات.
لقد كان لـ «كوليج آزرو» سيط كبير، وكان سكان منطقة أزرو وخنيفرة وغيرها من المناطق التي عاشت «زلازل» حقيقية مع الاستعمار الفرنسي خلال عشرينيات القرن الماضي، تفتخر بالأسماء التي درست بثانوية أزرو التي كان جل من تخرجوا منها إما مترجمين في الإدارة الفرنسية أو عسكريين وصلوا إلى أعلى المراتب.
خبا نجم «كوليج آزرو»، بل ومات اسم المنطقة التي كانت محجا لعائلات الأعيان الراغبين في أن يدرس أبناؤهم على يد الفرنسيين لكي يصبحوا مترجمين وعسكريين يُحسب لهم ألف حساب.
لكن ما لم يحسب هؤلاء جميعا حسابه، هو المأساة التي سوف تعصف بكل هذه المناطق عند أول امتحان حقيقي لولاء الجيش للدولة، خصوصا بعد الانقلابين المتواليين لسنتي 1971 و1972. انقلب كل شيء، وقضت هذه المناطق، حتى الآن، ما يقارب نصف قرن من الجمود والظل.

لعنة مسقط رأس «الانقلابيين»
عندما صدرت توصيات هيئة الانصاف والمصالحة في بداية العقد الماضي، كان بعض الأعضاء قد ضمنوها ضرورة إدراج حالات سكان القرى التي كان ينتمي إليها جنرالات الجيش الذين نُسبت إليهم المحاولتان الانقلابيتان ما بين سنتي 1971 و1972.
كانت حجة هؤلاء أن سكان هذه القرى التي انتمى إليها الجنرالات أو وُلدوا فيها، قد تعرضت بدورها لإقصاء في سنوات الرصاص، كغضبة على سكانها، وبسبب الغيرة التي كانت منتشرة بين الأسماء العسكرية التي تنافست على الرتب. فبمجرد سقوط عدد من الأسماء في اللائحة السوداء، سواء منهم الذين قُتلوا أثناء الانقلاب أو الذين أعدموا بعده، حتى بدأت سلسلة من الانتقامات بين أسماء مخزنية كانت بينها حسابات سببها السباق نحو السلطة. وهكذا انتقم بعض المقربين وقتها من دوائر القرار من قرى في نواحي الريف، وتازة وميدلت وصولا إلى المغرب الشرقي، وهي المناطق التي ينحدر منها جل جنرالات الجيش المغربي، وتركوها منسية تماما خارج البرامج الحكومية، وعاش سكانها هجرة أجبروا عليها حتى لا يموتون جوعا بين الجدران الطينية لتلك القرى.
كانت الشهادات مؤثرة، هذا لا شك فيه. نساء بدويات حكين عن سنوات السبعينيات بكثير من التأثر وكيف أن بعض الباشاوات والقياد قاموا بإجراءات تعسفية في حق قرويين عُزل لم تكن لهم أي يد في ما وقع.
المثال هنا من قرية صغيرة نواحي عين شعير، قرب مسقط رأس الجنرال أوفقير. القبيلة عرفت منذ فترة   1835 و1850، أي منذ عهد المولى الحسن الأول، علاقات وطيدة مع المخزن. لكن سياق علاقة ابنها الجنرال مع الملك الراحل الحسن الثاني كان مختلفا تماما.
قام بعض أعوان السلطة سنة 1972 بإخلاء بعض القصور التاريخية في المنطقة من سكانها، انتقاما من انقلاب أحوال محيط الجنرال بعد وفاته. فقيد حياة الجنرال لم يكن ممكنا لمس «طوبة» واحدة من تلك القصور التي كانت في الأصل مملوكة لعائلات من المنطقة ثم سطا عليها الاستعمار، وبقيت ملكية أغلبها موضوع نزاع بعد الاستقلال.
كانت بعض العائلات قد توجهت إلى الرباط عندما كان الجنرال أوفقير وزيرا للداخلية، ثم مديرا عاما للأمن الوطني، وكانوا يحجون للقائه، أو يستغلون بعض زياراته العائلية لمسقط رأسه لكي يضعوا أمامه مطالبهم المتمثلة في فك النزاعات حول تلك القصور.
مكالمة واحدة من الجنرال كانت تُبعد أعين المتربصين بتلك القصور التاريخية، ويحول دون تشرد الأهالي. لكن بعد المصير الذي لقيه بعد انقلاب صيف 1972، لم يعد هناك أي رادع أمام بعض أعوان السلطة وتم إخلاء عدد من الدور التاريخية التي كانت تشبه القصبات في شكلها، والتي لا يزال بعضها أو ما تبقى منه على الأصح، قائما، في المنطقة الشرقية.
حسب نفس الشهادات التي قدمت أمام أسماع وأنظار هيئة الإنصاف والمصالحة أيام حرزني في قلب الرباط، كانت بعض النساء الملثمات يحكين بكثير من الألم عن وقائع اغتصاب وتشريد لعائلات كل ذنبها أنها كانت تسكن المنطقة التي انحدر منها الجنرال أوفقير، أو المدشر الصغير الذي جاء منه الكولونيل اعبابو، أو المذبوح وأمقران واكويرة،هذان الأخيران اللذان ينحدران بدورهما من قرى نواحي الريف والمحسوبة على محيط الناظور وتازة. حتى أن الكثيرين اضطروا إلى الهجرة وتغيير أسمائهم العائلية، خصوصا منهم القريبون من العائلات المعنية مباشرة بـ «العار»، لكي ينعموا بحياة أخرى بعيدة عن مسقط رأس العسكريين.

عين الشعير.. بوذنيب دُفن فيها الجنرال أوفقير أم دُفنت معه؟
هناك وُلد الجنرال أوفقير. لكن ماذا يعلم المغاربة عن منطقة عين الشعير، وصحراء «فكيك» التي قيل إنه حلم بالدفن تحت رمالها أسابيع قليلة قبل انقلاب الطائرة الملكية في صيف سنة 1972، حيث أكدت زوجته بنفسها، أنه كان شاردا في آخر زيارة قام بها إلى مسقط رأسه، بعد ألف تقبيل يد النساء البدويات الأكبر سنا وحافظ على عاداته تلك حتى عندما كان الرجل الثاني في النظام المغربي سنوات الخمسينيات والستينيات.
لماذا لم يحول الجنرال أوفقير منطقة بوذنيب إلى مدينة كبيرة مادام أنه عمّر طويلا في السلطة، بل كان وزيرا للداخلية وكانت لديه الوسائل والإمكانيات لكي يُخرج المنطقة من العزلة ويقيم بها مشاريع كبيرة لإنعاش اقتصادها؟
لا أحد يعلم تحديدا، وربما طُرح هذا السؤال قبلا على معارفه وعائلته، لكن الأكيد أن رجال عين الشعير اقترنت أسماؤهم خلال جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الانصاف والمصالحة، بـ «الجلادين»، ولا أحد للأسف، حتى اليوم، فكّر في الاستماع لهذه العينة من سكان عين الشعير الذين وجدوا أنفسهم حراسا غير رسميين لمعتقلات سرية ومراكز اعتقال كانت تابعة لوزارة الداخلية عندما كانت بين يدي الجنرال الراحل.
كان صحفيون فرنسيون فكروا في الذهاب إلى منطقة بوذنيب عندما تم إعلان يوم جنازة الجنرال أوفقير. فزوجته فاطمة أوفقير في مذكراتها التي كتبتها في السنوات الأخيرة من حياتها، أكدت أنها مُنعت من التوجه إلى الصحراء الشرقية لكي تدفن زوجها، وتم السماح للابن الأكبر فقط، رؤوف أوفقير، لكي يشيع جثمان والده الذي قالت الرواية الرسمية وقتها «إنه انتحر بعد اكتشاف تورطه في التخطيط للانقلاب الذي استهدف الطائرة الملكية عند دخولها الأجواء المغربية يوم 16 غشت 1972».
هؤلاء الإعلاميون الفرنسيون، وأبرزهم صحفي كان ممثلا لـAFP الفرنسية في المغرب، بالإضافة إلى آخرين كانوا يعتبرون أنفسهم من معارف الجنرال بحكم استضافته لهم أثناء زياراتهم الإعلامية إلى المغرب للقاء الملك الراحل الحسن الثاني، كانوا ينوون القيام بتغطية إعلامية للجنازة والكتابة عنها لاحقا، لكن حسب ما أوردته فاطمة أوفقير، زوجة الجنرال، في مذكراتها، فإن الصحفي وجد صعوبة كبيرة في الوصول إلى قرية الجنرال حيث يوجد قبره إلى اليوم، والأكثر من هذا أن جل سكان القرية كانوا أساسا خائفين من الحديث عن الموضوع أو الإدلاء بأي تصريح يُزكي الجنرال أو يضرب في مساره الكبير رغم التهمة التي لاحقته إلى قبره. ورغم ذلك، تقول فاطمة أوفقير، فإن بعض القرويين الأصيليين هناك، لم يجدوا حرجا في التعبير عن افتخار المنطقة بأنها أنجبت أحد أقوى الجنرالات في تاريخ المغرب وأكثرهم إثارة للجدل.
لا تزال المنطقة إلى اليوم غارقة في النسيان، يهاجر أبناؤها من المغرب الشرقي، حيث لا شيء يحدث عندهم، لكي يتوجهوا إلى هوامش المدن الصناعية للعمل في المصانع تاركين خلفهم قرية تغرق في التهميش الذي يطال عددا من مناطق المغرب «غير النافع».

الكولونيل اعبابو واللعنة التي لاحقت قرية «بورد» ضواحي تازة
كان الاسم العائلي «اعبابو» سبب المتاعب العائلية لعدد من الأسر المغربية خلال سبعينيات القرن الماضي. والسبب أن الكولونيل الذي كان مديرا للمدرسة العسكرية في منطقة «أهرمومو» التي كانت تحت أنظار عاملي مدينتي فاس ومكناس أيضا خلال نهاية ستينيات القرن الماضي، اتضح أنه العقل المدبر والمخطط الأول لانقلاب الصخيرات سنة 1971.
ينحدر الكولونيل اعبابو، الذي كان وقتها في عز شبابه وفي قمة لياقته «العسكرية»، من قرية تُدعى «بورد» وكانت وقتها محسوبة على أكنول معقل جيش التحرير في منطقة الريف المغربي، والتابعة إداريا لإقليم تازة. تقول بعض الروايات المحلية، من إقليم تازة، إن عائلة اعبابو كانت في مرحلة من التاريخ على صلة وثيقة بالقصر الملكي أيام المولى الحسن الأول تقريبا، حيث كان جد الكولونيل اعبابو ممثلا للمخزن في قبيلته نواحي تازة. لكن الشاب اعبابو الذي تعلم المشي في قرية «بورد» المنسية خلال أربعينيات القرن الماضي كان له «تاريخ آخر» سوف يؤثر بدون شك على مستقبل عائلة بأكملها.
مساره العسكري كان في البداية مفخرة لقريته الصغيرة «بورد»، التي كان بالكاد مسؤولو الرباط يعرفون موقعها في الخريطة. ولا يزالون!
وعندما وصل إلى قمة سطوته العسكرية مديرا لواحدة من أكبر المدارس العسكرية في القارة الافريقية، وإحدى مفاخر الملك الراحل الحسن الثاني في التكوين العسكري حيث أرسل دفعة نهاية الستينيات لكي يقوموا باستعراض عسكري في الجزائر، شاءت الأقدار أن يكونوا هم أنفسهم الخريجون الذين اقتيدوا كتلاميذ استعملهم الكولونيل اعبابو لتنفيذ خطته في قصر الصخيرات في يوليوز 1971.
في ذلك المساء واليوم الذي تلاه، حيث وصل إلى قرية «بورد» خبر مصرع الكولونيل اعبابو في الرباط على بُعد أمتار من مقر الإذاعة بعد اشتباك بينه وبين الجنرال البوهالي الذي حاول منعه من دخولها لاستكمال آخر مراحل الانقلاب، انقلبت القرية رأسا على عقب.
كان مرجحا أن تعرف القرية حملة تفتيش تحسبا لأي مناورة من الكولونيل اعبابو وما إن كان قد خطط لخطة بديلة من مسقط رأسه. وهي الفكرة، رغم استحالتها في ذلك الوقت، التي سيطرت على مشاعر عدد من سكان القرية البسطاء الذين تنبؤوا بلعنة التهميش التي ستطالهم بالتأكيد ما دام مدبر الانقلاب قد ترعرع بينهم. لقد كان بعض قدماء المنطقة يعرفون حكايات المخزن مع المناطق التي كانت تخطط للتمردات، أيام بوحمارة، وأشاعوا بين سكان القرية في مساء 11 يوليوز 1971، أن المنطقة لا بد أن تعيش أسوأ أيامها قريبا، وأن «عائلات الضباط والسياسيين القتلى سوف تأخذ بثأرها من منطقة اعبابو».
هذا الكلام صرّح به محمد التازي لـ «الأخبار»، وهو أستاذ للتاريخ متقاعد في فرنسا التي رحل إليها منذ سنة 1968 لاستكمال دراسته، وهو من أقران الكولونيل اعبابو ومن أبناء القرية. يقول: «لم أكن موجودا في القرية عندما حدث الانقلاب، لكني كنت في الحي الجامعي بباريس أتابع نشرة الأخبار في الراديو فإذا بي أسمع خبر المحاولة الانقلابية وأذيع في الإعلام الفرنسي في ذلك المساء اسم الكولونيل اعبابو باعتباره الرأس المدبر للانقلاب رفقة الجنرال المذبوح. بقيت مصدوما للحظات وأنا أحاول استرجاع شريط الذكريات والطفولة البعيدة في قرية «بورد» الريفية خلال أربعينيات القرن الماضي تحديدا.
بقيت أراسل عائلتي كالعادة في القرية، لكني لم أكن أتوصل بأي رد على رسائلي التي كان يتولى أخي الأصغر تحريرها وإرسالها إلي عبر البريد من تازة. لم يكن وقتها الهاتف متوفرا، وبقيت حوالي ثلاثة أشهر قضيتها كلها في القلق، ولم أستطع معرفة سبب انقطاع الاتصال بيني وبين العائلة، إلا عندما سافرت في رأس السنة إلى المغرب، لأزور الوالدة بعد أن استبد بي القلق. وعندما وصلت وجدت سكان القرية بمعنويات منخفضة جدا، ويسيطر عليهم الخوف، وبلغني خلال المدة القصيرة التي قضيتها هناك، أن محلا تجاريا في تازة كان يحمل اسم «اعبابو» في واجهته اضطر صاحبه إلى تغيير اسمه كليا لكي يعود إليه الزبائن. كما أن بعض أفراد العائلة القريبة من الكولونيل عاشوا قلقا كبيرا، خصوصا أن أخ الكولونيل «محمد» اعتقل بدوره على خلفية تلك الأحداث وحقق معه واضطرت العائلة وأصهارها إلى ملازمة بيوتهم لأسابيع مخافة أن يتعرضوا لأي مكروه في الشارع على يد الغاضبين من اعبابو المخطط للانقلاب. لقد كانت أياما صعبة. وأول ما قمت به بعد عودتي إلى فرنسا أنني اجتهدت لإنهاء دراستي العليا وأرسلت دعوة إلى والدتي واثنين من إخوتي الذين كانوا يعيشون في القرية وانتقلنا جميعا إلى فرنسا بشكل نهائي، ولم أعد إلى «بورد» إلا سنة 1995 لكي أدفن الوالدة رحمها الله بحكم أن العائلة استقرت في فرنسا».
ربما تكون قرية «بورد» اليوم هادئة، تنام فوق الخريطة بشكل عاد شأنها شأن المدن الصغرى أو القرى المغربية، لكن ما يجعلها استثنائية، أنها وصلت إلى صدر الصفحات الأولى والواجهة في كل وسائل الإعلام التي تناولت وقتها اسم الكولونيل اعبابو، الرجل الذي أراد قلب النظام في المغرب.

المذبوح جاء من قرية «غزناية» ووصل البلاط وانتهى «ممددا» فوق عشب قصر الصخيرات
بدأ الكولونيل المذبوح مساره العسكري مع الجيش الفرنسي، شأنه شأن الجنرال أوفقير والجنرال البوهالي وآخرين. لكن ما ميز المذبوح أنه انطلق من قرية «غزناية» بالريف، غير بعيد عن قرى أخرى جاء منها الكولونيل اعبابو وأمقران، الطيار الذي تورط في انقلاب الطائرة الملكية سنة 1972، بل واعترف بالتخطيط والمشاركة لضرب طائرة الملك الحسن الثاني.
لنعد إلى المذبوح. في سنة 1947 سيترك قريته الصغيرة التي كان يغادرها إلى الثكنات الفرنسية القريبة، هذه المرة إلى أوربا ليشارك في تكوين للخيالة، وهو المسار الذي قرّبه كثيرا من الملك الحسن الثاني بعد الاستقلال. صحيح أن المذبوح شارك كغيره في بعض أحداث الحرب العالمية الثانية وخلال ذلك حصل على الاعتبار العسكري الضروري ليجعله من الخط الأمامي الذي اقتُرح أثناء تأسيس الجيش الملكي المغربي سنة 1956، لكن التكوين الذي تلقاه في فرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، جعله يكون على رأس الجيل الأول للعسكريين المغاربة الذين استثمرت فيهم فرنسا بدل أن ترسلهم إلى الصفوف الأمامية للتصدي لوابل رصاص الحرب العالمية.
سُجل على المذبوح أنه لم يكن وفيا لقريته. وهذه حقيقة مؤسفة تناقلت عنه بسرعة، بحكم أن بعض أبناء قريته كانوا يأتون إلى الرباط خصيصا للقائه عندما كان في أوج قوته سواء عندما كان وزيرا للبريد وحتى عندما كان على رأس مدينة سطات في سنة 1963. وكان هؤلاء الذين يأتون إليه يعودون خائبين إلى قرية «غزناية» وبني انصار التي تنحدر منها زوجته ابنة الماريشال أمزيان.
وعكس ما كان متوقعا، فعندما سمع الناس في المذياع أن الكولونيل المذبوح هو الرأس المدبر لانقلاب الصخيرات قبل أن تفلت الأمور من يديه وتتحول إلى حمام دم، تنفسوا الصعداء، خصوصا أن جثمان الكولونيل لم يدفن في مسقط رأسه وبقي مصيره مجهولا لسنوات قبل أن يُشاع أنه دفن في مقبرة خاصة بجثامين الضحايا الذين لم يتم التعرف على هويتهم، وهكذا زالت مخاوف سكان قريته من أن يُنقل جثمانه مصحوبا بلعنة الانقلاب ويُدفنوا معه «مجازيا»

الماريشال أمزيان.. من بني نصار إلى قصر فرانكو ثم ظل الحسن الثاني
كانت صورة الملك الراحل الحسن الثاني خلال السنوات الأولى لجلوسه على العرش وتعزيز الجيش الملكي، وهو يزين كتف وصدر محمد أمزيان برتبة الماريشال التي كان الأخير أول مغربي يحصل عليها في تاريخ الجيش، اعترافا من الملك الحسن الثاني بإعجابه بمساره العسكري، ليس إلى جانب الجنرال فرانكو فقط، وإنما كأول المدافعين عن تأسيس نواة العسكريين الأوائل الذين حصدوا ثقة الملك الراحل الحسن الثاني منذ سنة 1963 تقريبا. إذ كانت التحديات الأمنية التي تعيشها البلاد أحد أهم الملفات التي عالجها الملك الراحل فور جلوسه على العرش بعد وفاة الملك الراحل محمد الخامس في رمضان سنة 1961.
رُقي محمد أمزيان إلى رتبة ماريشال، وكان الخبر متصدرا عناوين الصحافة. كان الرجل مفخرة عسكرية يفاخر بها الملك الراحل الحسن الثاني لدرجة أنه منحه رتبة «الماريشال» التي لم يحدث أبدا أن منحها لأي عسكري من العسكريين الذين كانوا قريبين جدا من العرش. الماريشال أمزيان ترعرع في بني نصار نواحي مدينة الناظور. وهي المنطقة الصغيرة التي تربى أبناؤها، ولا يزالون، على خصال الريفيين البسطاء الذين تحدوا برودة الجو الشديدة وصعوبة التضاريس. عندما كان طفلا بجلبابه القروي البسيط، عبّر في لحظة عفوية خلال طفولته، وهو المزداد سنة 1897، لضباط إسبان كانوا يزورون المنطقة في عز الحرب ضد قوات عبد الكريم الخطابي في الريف، عن حلمه في أن يرتدي البذلة العسكرية. ربما لم يكن ليخطر ببال الدكتاتور الإسباني فرانكو، أن هناك طفلا مغربيا طمح لكي يرتدي البذلة العسكرية النظامية، لكن هذا ما وقع. صار الحلم حقيقة واستعان فرانكو عندما كان يحكم إسبانيا بقبضة من حديد بمقاتلين مغاربة. وخلال الحرب الأهلية الإسبانية استعانت إسبانيا بخدمات العسكري محمد أمزيان الذي تولى أمر إحضار مقاتلين أشاوس من الريف لكي يقاتلوا باسم الجيش الإسباني ويقمعوا التظاهرات. لقد كان الجنرال فرانكو معجبا كبيرا بمحمد أمزيان، فلولا المقاتلون الذين جاؤوا من الريف لقمع التظاهرات والاحتجاجات المسلحة، لكان الجنرال فرانكو قد هُزم خلال تلك الأحداث بدون شك، بحكم التراجع الكبير الذي سُجل على قوات الجنرال قبل تدخل محمد أمزيان الذي كان مقربا منه لكي يحضر مقاتلين من الريف لتعزيز صفوف الجيش كقوة مستقلة تنفذ مخططا بدا للوهلة الأولى أنه ثانوي، لكنه سرعان ما أصبح رسميا.
كان وقتها التنكيت على فرانكو عندما استعان بمقاتلين مغاربة من الريف، قد بلغ أوجه. وراجت إشاعات في بني نصار وبقية مناطق الريف، تقول إن فرانكو اعتنق الإسلام وأن هناك من شاهده في موسم الحج خلال الحرب الأهلية في إسبانيا. كان مصدر هذه النكت هم الدعاة إلى الالتحاق بمحمد أمزيان للقتال إلى جانب فرانكو ضد أبناء بلده خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وعلى كل حال، فإن الماريشال محمد أمزيان، دخل التاريخ من باب واسع ليس فقط بالدور الذي لعبه لصالح الجنرال فرانكو ديكتاتور إسبانيا، وإنما للتكريم الذي خصه به الملك الراحل الحسن الثاني عندما رقاه إلى رتبة «ماريشال» في واحدة من اللحظات التاريخية النادرة في التاريخ العسكري المغربي. لقد زوّج أمزيان ابنته للكولونيل المذبوح الذي كان مشرفا على ديوان الملك الراحل الحسن الثاني ومقربا منه فوق العادة قبل أن يتورط في انقلاب الصخيرات، ورغم أن الرجلين ينحدران معا من منطقة الريف، إلا أن التاريخ فرّق بينهما. فالأعمال، كما يقال، بالخواتم.
بقيت منطقة بني نصار، تعيش على ماضي مشاركة ابنها الماريشال أمزيان في الحرب الإسبانية، وذكريات اصطحاب مئات المقاتلين من القرية، وآلاف المقاتلين من قرى أخرى لكي يشاركوا في قوات فرانكو خلال تلك الحرب. ولا تزال بعض قرى تلك المنطقة تعيش على ذلك التاريخ، منسية تماما في الوسط.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق