MGPAP_Top

المرحوم أبو الفنون

تم اختيار المخرج الروسي أناتولي فاسيليف لكتابة رسالة اليوم العالمي للمسرح 2016، والتي تمحورت حول أسئلة مثل: هل حقا نحتاج للمسرح؟ وفيم حاجتنا إليه؟ وما المسرح بالنسبة لنا؟ وعن أي شيء يحدثنا المسرح؟
وخلص فاسيليف إلى أن الحاجة إلى المسرح تنامت خلال السبعين سنة الأخيرة، ووجه نداء إلى العالم في شكل صرخة: «فلتذهب كل الأجهزة الإلكترونية والحواسيب إلى الجحيم! اذهبوا إلى المسرح واتخذوا أماكنكم في الصفوف الأمامية وفي الشرفات، وارهفوا السمع لكل كلمة تنطق على مسامعكم، ها هو المسرح أمامكم فلا تتركوه نهبا للنسيان».
قد يعتبر المسرحيون المغاربة أنفسهم غير معنيين بهذا النداء- الصرخة الذي يصح على بلدان تعمل بها المسارح كل يوم وأحيانا على مدار الساعة، حيث طقوس ارتياد المسارح ثابتة منذ قرون، وحيث الدعم العمومي للفرق المسرحية متواصل، وحيث الإعلام السمعي البصري والمكتوب يواكب مستجدات أبي الفنون، وحيث حركة نشر الكتب المسرحية نشيطة لا تتوقف، وحيث المعاهد تزود الفرق سنويا بكفاءات جديدة.
يحق للمسرحيين المغاربة أن يطرحوا أسئلة من نوع آخر ويطلقوا صرخات استغاثة بمناسبة اليوم العالمي للمسرح الذي يحل غدا، خصوصا بعد أن شهدت السنوات القليلة الماضية أفول نجم رموز وازنة من مؤسسي المسرح المغربي، وساد الانطباع بأننا لم نوفر الخلف الصالح للسلف الرائد، وتهنا في صحراء قاحلة وأرض خالية لا تنتج قمحا ولا زهرا، نتيجة الغياب المهول لسياسة ثقافية وطنية ذات بعد استشرافي، تتناغم مع تطلعات الجيل الجديد وتواكب زمنا تم فيه تهميش المادة الثقافية والفنية وتم تعويضها بثقافة وفن الاستهلاك السريع والنجوم التي يتم تفريخها اصطناعيا لكي تلمع لعدة أسابيع ثم يخبو بريقها إلى الأبد.
عوض التباكي على أوضاع المسرح بالمغرب، الذي وصل إلى حد النعي والإعلان عن وفاته المبكرة، كان لا بد من قليل من الجرأة والشجاعة لكي نشخص الداء الذي نخر كيانه وأودى بحياته، ثم العمل على تحديد هوية «القاتل» قبل أن تقيد الجريمة ضد مجهول.
فمن يا ترى تربص بـ«أبي الفنون» بالمغرب وترصد له تحت جنح الظلام وطعنه طعنة غادرة أدخلته غيبوبة مستديمة؟
هل الجناة يرتدون ربطات العنق ويشحذون السكاكين وهم جالسون في مكاتبهم الفسيحة بالوزارة الوصية على القطاع؟ أم هم رجال ونساء المسرح أنفسهم الذين تفرجوا بسلبية على ضياع مصدر أرزاقهم دون تحريك ساكن، الأمر الذي يعني أنهم لم يهبوا لإنقاذ فن في حالة خطر؟
لقد تعب المغاربة من ربط كلمة «أزمة» بكل الأصناف الفنية بدون استثناء: (أزمة المسرح، أزمة السينما، أزمة السيناريو، أزمة الأغنية، أزمة التشكيل…) وانخرط وزراء الثقافة أنفسهم في ترديد هذه الأسطوانة، وكان آخرهم محمد الأمين الصبيحي، الذي سبق أن صرح بحماس كبير مباشرة بعد تعيينه بأن «المغرب يعيش أزمة في الفن المسرحي نظرا لقلة دور التنشيط وندرة الأطر ومشكلة الترويج» ووعدنا بـ«التفكير في البدائل والبحث عن أصل المشكل»، وما زلنا لحد الساعة، ونحن على أبواب نهاية الولاية الحكومية، ننتظر نتائج تأملات السيد الوزير، لنتعرف على نوعية المفاتيح التي اكتشفها من أجل فتح الأبواب المغلقة والطاقات المعطلة ووعود الليل التي يمحوها النهار. أما ما عدا ذلك فيدخل في خانة «طلقها تسرح» أو «شوف وسكت».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة