المسرح الملكي يتحدى الحاكم الفرنسي

achhab1

أبدى الزعيم التاريخي المهدي بن بركة إعجابه بحيوية شاب قدم من الجديدة إلى الرباط، يفيض حماسا وشعلة، اسمه إدريس المسفر. سيطبع حلقات الكفاح الوطني من أجل الاستقلال في منطقة دكالة ببصمات التضحية ونكران الذات.
في تفاصيل أن الشاب أسس فرقة مسرحية في نهاية خمسينيات القرن الماضي، كانت تعتزم تقديم عمل فني من تأليفه بعنوان «مصرع الأمين» ابن هارون الرشيد. أعجب بن بركة بالفكرة وطلب إلى الفرقة عرض عملها في العاصمة الرباط، خلال حفل يحضره ولي العهد الأمير مولاي الحسن.
حل وفد من الفرقة بالرباط لطلب مقابلة الملك محمد الخامس، لوضعه في صورة العمل الفني الذي اعتبر في حينه جزءا من التعبئة وإذكاء الوعي الوطني، عبر مسرحيات تستلهم شخوصها وأحداثها من التاريخ الإسلامي. ولم يجد الوفد أي صعوبة في الالتقاء بالملك الراحل، غير أن الصدر الأعظم محمد المقري حين علم بمضمون المسرحية أبدى امتعاضه، وقال، وفق رواية إدريس المسفر: «من العار أن تمثلوا بملوك المسلمين»، في إشارة إلى الصراعات التي نشأت بين نجلي هارون الرشيد، الأمين والمامون.
كان موقف الصدر الأعظم استثناء من بين مشجعي الفرقة، من رجالات الحركة الوطنية. بينما وافق محمد الخامس على الرئاسة الشرفية لولي العهد، وأجرى اتصالا مباشرا بمدير «المسرح الملكي» في الرباط المسيو ميلسوت لتسهيل عمل الفرقة وتخصيص يوم لعرضها. سيدخل المهدي بن بركة على الخط ويتكفل بطبع الملصقات الإشهارية في مطبعة «الرسالة»، وهي عبارة عن معلومات حول المسرحية ومكان وتوقيت عرضها. إلا أن تعليق الملصقات يحتاج إلى ترخيص إداري من الحاكم الفرنسي الذي يراقب من خلال عيونه وآذانه المبثوتة في كل مكان، أي نشاط سياسي أو ثقافي.
وفق إفادات إدريس المسفر التي تضمنها كتاب أصدره عن صفحات من تاريخ الكفاح الوطني في مدينة الجديدة، أن العرض المسرحي كان هدفه التعبئة الوطنية، وفي الوقت ذاته إيجاد موارد لتمويل مدرسة خاصة أنشأها في مسقط رأسه. وأذن الملك محمد الخامس بالترخيص لها، على رغم اعتراض السلطات الاستعمارية، ما يعكس جوانب من صراع القصر ونظام الحماية الذي كان ينسحب على كافة المجالات والمبادرات. ونزل محمد الخامس عند رغبة الفرقة في أن يكون عرضها الأول في «المسرح الملكي» برعاية ولي العهد.
قضى ممثلو الفرقة بضعة أيام في الرباط، يجرون آخر التداريب استعدادا لمواجهة الجمهور الذي كان شغوفا بالأعمال الفنية التي يقدمها شباب مغاربة، خصوصا وأنها كانت تعتمد الإيحاءات التاريخية للالتفاف على الرقابة التي تحظر أي عمل يشتم منه أنه ينتقد الإدارة الاستعمارية. وكان غالبية الأدباء والكتاب ينهلون من الوقائع التاريخية لإسقاط الماضي على الحاضر، وشكلت حقبة تهاوي الخلافة واندلاع حروب ملوك الطوائف في الأندلس أقرب الفترات في الإحالة على أوضاع العالم الإسلامي وقتذاك. وكتب المستشار عبد الهادي بوطالب في هذا السياق عن «سقوط غرناطة» بينما مثلت شخصيات بارزة أدوارا نسائية، نظرا لصعوبة إدماج الفتيات في الأعمال الفنية.
برزت صعوبات أمام حيازة ترخيص لعرض مسرحية «مصرع الأمين»، فقد علمت السلطات الفرنسية أن الملك محمد الخامس وافق على العرض، واهتدت إلى فكرة رفض تعليق الملصقات للحيلولة دون إقبال الجمهور. وأوجدت لذلك أكثر من مبرر، من قبيل أن المسرحية كتبت باللغة العربية، ويتعين قراءة ترجمتها بالفرنسية من طرف لجنة رقابة على الأعمال الفنية. وأن ممثليها يتحدرون في غالبيتهم من الجديدة، ما يفرض الحصول على ترخيص من سلطة الحماية المحلية هناك.. إلى غير ذلك من أشكال التماطل.
في كل مرة كان أعضاء الفرقة يسارعون إلى الرد على العراقيل الإدارية، لأن ما كان يعنيهم أكثر أن يتم عرض المسرحية، وأن تكون البداية من الرباط لتنظيم جولة تشمل مدنا أخرى، بغاية جلب موارد إضافية لتحويل «مدرسة الصفا» في الجديدة، التي كانت تؤوي وتدرس تلاميذ من أبناء الفقراء والمعوزين. بيد أن العراقيل تركز في نهاية المطاف على مضمون الملصقات، تلافيا لأن تكون تحريضية من وجهة نظر السلطات الاستعمارية.
حمل مسؤولو الفرقة نموذجا بالملصقات التي كان المهدي بن بركة أشرف على طباعتها، وقدموها إلى الإدارة الاستعمارية لحيازة ترخيص، ولأنها كتبت بحروف عربية، فقد طلب إليهم إعداد نص مترجم بعناوينها وأسمائها،
فاضطروا إلى الإذعان للطلب. وكانت المفاجأة أن الحاكم المدني الذي وضعت الملصقات على مكتبه للحسم فيها، أخرج قلما أحمر وشطب على الفقرة المكتوبة بالفرنسية، والتي تفيد أن العرض سيكون تحت رعاية سمو ولي العهد الأمير مولاي الحسن، ورهن منح الترخيص بإلغاء تلك الفقرة.
فاته أن المطبوعات التي كانت في أصلها مكتوبة باللغة العربية حافظت على صفة تلك الرعاية، وغاب عنه أن ترجمة مضمون الملصقات قدمت إليه وحده، ولم تعلق على شوارع الرباط. وعرضت مسرحية «مصرع الأمين» في «المسرح الملكي».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *