الرئيسيةالملف التربوي

المعرفة الفلسفية ليس لها معنى إلا في نشاط فلسفي شخصي يقوم به التلميذ

التدريس بالكفايات في الفلسفة أضحى مشروعا مفتوحا للديداكتيك الخاص بها

ترجمة: المصطفى مورادي
وجدت الفلسفة، بوصفها مادة دراسية، نفسها أمام التوجه العالمي المتمثل في مقاربة التدريس بالكفايات، فنجد أن أغلب المناهج الدراسية داخل الأنظمة التربوية التي تتضمن هذه المادة ضمن بعض أسلاكها، إشارات واضحة إلى المهارات التي يجب تطويرها عند التلاميذ، ومنها «تعلم التفكير الفلسفي»، و«القدرة على التحليل»، وأيضا «قدرة التلميذ على استخدام المفاهيم التي يتم بناؤها»، وتجسيد هذه القدرات في إنتاجات فلسفية. فضلا عن قدرة التلميذ على أن يجسد الأفكار التي تعلمها في دراسة المفاهيم وقراءة المؤلفات الفلسفية في حياته الشخصية. هكذا وجدت الفلسفة نفسها أمام تحدي مسايرة هذا التوجه، كباقي المواد الدراسية الأخرى، ومن جهة أخرى، يتوجب عليها أن تحافظ على خصوصياتها، المتمثلة في كونها تفكيرا حرا ونقديا. لذلك، هل التعامل مع الدرس الفلسفي بمقاربة التدريس بالكفايات أمر مشروع أم أنه مجازفة محظورة؟ هل يمكن للفلسفة أن تغني الفكر الديداكتيكي الخاص بها؟ هل لعملية إدماج هذه المقاربة في تدريس الفلسفة فوائد على التلاميذ والأساتذة من جهة تعلم التفلسف؟

نقترح تحديد «الكفاية الفلسفية» للتلميذ، على أنها «معرفة- التفلسف»، والتي تعني التفكير ذاتيا، على أساس أن تعريفنا للكفاية بشكل عام هو: «تعبئة موارد داخلية وخارجية بطريقة مندمجة في التعاطي مع نوع معقد وجديد من الوضعيات». إذن، لنفحص العناصر المختلفة لهذا التعريف في الفلسفة، لمعرفة ما إذا كانت هذه الأخيرة ذات صلة به. فالأنشطة النوعية المتعلقة بتنمية الكفاية الفلسفية، والتصديق عليها، هي كتابة مقال ودراسة منظمة لنص مقترح (مجهول المؤلف)، ومناقشة شفوية لنص (معلوم المؤلف). هذه المهام والأنشطة تنطوي على تعقيدات، لأنها تفترض تعبئة موارد معرفية ومهاراتية متنوعة ومتداخلة في ما بينها.
وعندما نتحدث عن تعبئة الموارد، فإننا نقصد المعرفة الفلسفية: الفلسفات (الأفلاطونية، الكانطية…)، أو مكون من مكونات مذهب معين (الشك الديكارتي، الجدل الهيغلي…)، أو التيارات الفلسفية (المثالية والمادية، التجريبية والعقلانية، الرواقية والأبيقورية…)، أو محتوى مؤلف (بيان الحزب الشيوعي لماركس..)، أو مقطع من مؤلف (قطعة الشمع في تأملات ديكارت. حيرة أوغسطين في تعريف الزمن…)، أو المشاكل الفلسفية الكلاسيكية (نظرية المعرفة، مسألة وجود الله…)، أو محتويات تحيل إليها مفاهيم (الحقيقة، الحرية…). يضاف إلى هذا الدروس التي يقدمها المدرس انطلاقا من ثقافته، أي المعرفة العامة والثقافية المكتسبة خارج المدرسة (الحفلات الموسيقية، المتاحف، القراءات، الرياضات الجماعية، التلفزيون، الإنترنت…)، أو تلك لمناسبة لموضوعات مدرسية أخرى: تاريخ الأفكار، الأدب (شيشرون أو لوكرييس) في اللاتينية، وبالفرنسية عصر التنوير، مسرح سارتر أو كامو، شكسبير باللغة الإنجليزية أو سرفانتس باللغة الإسبانية)، فنون وتاريخ الفنون، اليونان في المرحلة اليونانية أو في التاريخ، البرهنة في الرياضيات، فيزياء نيوتن أو آينشتاين، النظرية الليبرالية للاقتصاد والمؤسسات والقيم الجمهورية والتشريعات في التربية المدنية إلخ.. هذه الثقافة هي الأساس والركيزة الداعمة للتفكير الفلسفي.
إذن، كيف نتصور اليوم مقاربة التدريس بالكفايات في تعلم التفلسف؟
إن مقاربة التدريس بالكفايات تبرز ببساطة في عملية نقل المعارف الفلسفية (براديغم مذهبي أو تاريخي)، لأن المعرفة الفلسفية ليس لها معنى بالنسبة لذات تريد أن تتفلسف ذاتيا، إلا في نشاط فلسفي شخصي، بسبب وجود إمكانات لتكرار- استظهار ما تقوله المذاهب والتيارات الفلسفية. ففي الأنشطة الفلسفية الشخصية أي أشكلة براديغم معين. إن معرفة فكر كانط قد يكون لها قصد «تراثي» وهو التعرف على لحظة كبرى في الفكر الغربي من الناحية التاريخية، أو معرفة كيف يسأل الفيلسوف سؤالاً فلسفيًا ويجيب عنه)، ولكن بالنسبة لمن يريد التفلسف، فإن هذا اللقاء دائمًا ما يكون مع أو ضد هذا الفكر. فنحن نشتغل على هذا الفكر لأنه وسيلتنا لنشتغل على ذواتنا أساسا. فإذا قلنا، على سبيل المثال، «كانطي»، فهذا بسبب وجود وضع شخصي في ما يتعلق بسؤال واحد أو أكثر واجهناه شخصيًا، مع الرؤية التي اقترحها كانط علينا والتي أعجبتنا، وكذلك مقارنة مع الفلاسفة الآخرين الذين لديهم وجهات نظر أخرى، والتي لم تغرِنا بما فيه الكفاية. على عكس ذلك، فنحن نصبح «متفلسفين»، ليس لأننا مؤرخون للفلسفة أو مُعلِّقون على مؤلف، بل عندما نبدأ في التعلم والتدرب على التفلسف. أي عندما نبدأ في التفكير الشخصي المستقل والحر.
يمثل التدريس بالكفايات في الفلسفة وجهة نظر قائمة الذات بخصوص المطلوب من التلميذ، وهذا المطلوب يكون واضحا ليس فقط عند المدرس، بل وعند التلميذ نفسه. إنه يتضمن المعارف التي ينبغي للتلميذ اكتسابها وتعبئتها في المواقف التي تضعه في طريق التفلسف. فهذا النوع من التدريس لا يتعارض مع مبدأ اكتساب المعرفة، والتي يتم انتقادها في بعض الأحيان، بل إننا نرى أنها متكاملة للغاية مع مبدأ تعددية الموارد التي تنبغي تعبئتها.
ومع ذلك، من الضروري توخي الحذر لتجنب السقوط في مطبات مختلفة، ولكنها مطبات يمكن لكل مطب منها أن يعزز الآخر. المطب الأول هو في الغالب أن يتم الاقتصار على المنهج الوصفي للأطر المرجعية المؤطرة للبرامج الدراسية، بدل التركيز على النشاط الفعلي للتلميذ. فهذه التوجيهات تبقى نظرية، بينما نشاط التلميذ والمدرس هو نشاط فعلي وواقعي. فالأبحاث تشير دوما إلى أن هناك دائمًا تباينًا بين النظري والعملي، لأن الأنشطة المطلوبة من التلميذ، وبسبب الصعوبات التي تتضمنها، لا يمكن لهذه التوصيفات المتضمنة في البرامج الدراسية أن تستوعبها في تفاصيلها. فتطور الكفاية يتم عبر نشاط يتولد من لحظة الدرس، وبالتالي فهو ليس نشاطا محددا بشكل قبلي رسميا. ففي هذا النشاط الحقيقي يجب أن يعمل المرء في مجال الديداكتيك.
لقد قدمنا، ​​بشكل أساسي، تلبية لمتطلبات نوع الاختبار في الفلسفة، ثلاث عمليات فلسفية هي (الأشكلة والمفهمة والحجاج)، مع التأكيد على خصوصيتها في الفلسفة، لأنها موجودة أيضا في تخصصات أخرى (العلوم واللغات..). وهي عمليات تم تجريبها لمدة تجاوزت العشرين سنة، من طرف المصححين الفرنسيين للإنشاء الفلسفي في تصحيح الباكالوريا. كما أننا نجدها اليوم في برنامج الفلسفة الحالي في السنة الختامية للباكلوريا. وإلى جانب هذه العمليات، هناك مهارات أخرى كالتحليل، وهي مهارة تحتاج لتوضيح أكثر. ما هو «التحليل الفلسفي»؟ هل هو منهج؟ منهج عام أم لكل فيلسوف منهجه الخاص. (نفكر على سبيل المثال في التحليل الديكارتي؟). يجب على التلميذ أن يكون قادرًا على فهم المطلوب بدقة في تحليل مثال مثلا.
إنها مشكلة معرفة ما إذا كانت عمليات التفكير هي كفايات أم قدرات فقط، كما حددناها في نموذج التعلم الفلسفي الخاص بنا في عام 1992. خصوصًا في النهج القائم على الكفاية، تمكن تعبئة الكفايات كمورد لتطوير مهارة أخرى (مثلا المفهمة في الإنشاء الفلسفي). إن الانتقال من قدرة واحدة إلى كفاية واحدة يعتمد بالتأكيد على تعقد عملية التفكير والحاجة إلى تعبئة الموارد في أنشطة جديدة. يمكننا أن نقول، على سبيل المثال، إنه في الإنشاء الفلسفي في مستوى الإجازة، وللإجابة عن سؤال: «هل نحن مسؤولون عن لاشعورنا؟»، ففهم ومعالجة هذا الموضوع ينطوي على قدرة المرشح على المفهمة ككفاية رئيسية. بحيث يقوم بالتمييز الذي قام به جاك لاكان للحقيقي والخيالي والرمزي: لأنه من الضروري التحكم في المقام الأول، الفهم الذي طوره لاكان (أي الحصول على معرفة حقيقية به، وعدم حفظ ملخص)، ثم من الضروري تعبئة هذه المعرفة، وعدم الاكتفاء بمعالجة ما نعتقد أننا نعرفه حول جاك لاكان، من حيث أن الموضوع يثير مشكلة المسؤولية الإنسانية تجاه اللاوعي (كيف يكون الإنسان مسؤولاً عما لا يعرفه، ثم إذا ما كانت المسؤولية تعني الوعي بالأفعال الصادرة عنه؟).
مقاربة التدريس بالكفايات في الفلسفة أضحت مشروعا مفتوحا للديداكتيك. وهي مشروع مفتوح بسبب المقاومة التي لاقتها هذه المقاربة من جهة، وأيضا بسبب الصعوبات النظرية والعملية التي تواجهها من ناحية أخرى. لقد تم حظر مفاهيم التعلم والكفاية قبل بضع سنوات من برامج الفلسفة: إنها مفاهيم ازدهرت في عالم الأعمال ولغة علوم التربية. في سياق اكتسحت فيه مقاربة التدريس بالكفايات جميع الأنظمة التربوية، ما فرض على برنامج مادة الفلسفة السير في هذا الاتجاه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق