TM_Top-banner_970x250

المغرب غير النافع

كان والدي يرسلني بعد منتصف الليل لأبحث له عن السجائر بعدما توصد كل الدكاكين أبوابها، وإن تعذر علي ذلك يكون ظهري غرامة فشلي في حصدها. كنت حمارا ولعل الحمار كان أكثر مني ذكاء. لم يكن حينها أخي (صلاح) ليفارقني غالبا ما أحمله على ظهري، ثم أشق طريقي لأملأ قارورات الزيت الفارغة التي تصل عبواتها لخمسة لترات بالماء، أكرر الذهاب والعودة مرارا وتكرارا حتى أوفر ما سيكفينا من الماء للشرب والطبخ والتنظيف، أما عما قد نحتاجه للخلاء فقد كان الخلاء نفسه ملاذنا صيفا وشتاء.
أذكر أن أخي الأصغر أفرغ مثانته في مكان فرش برماد أُحضر من المسجد، فقد قيل إنه يلحق أضرارا جلدية ومن لم يتمكن من تخليص أرضه وإعتاقها من بقايا البشر يستمد به. أخي وقع ضحية ذلك، ومرض لمدة طويلة، لولا أن بعث الله لنا ببركة الفقيه الذي يقطن بحينا مترامي الأطراف لأخذ منه المرض مأخذه. كان العلاج بما يسمى «أصوط»، و لا يملك أن يعالج به إلا من أعطيت له بركة خاصة لشفاء أمراض مثل «النار الفارسية»، وهو نفسه مرض يصيب الجلد وبعد التهابه يفرز القيح، هذا الرجل المبروك له القدرة على تشخيص المرض وعلاجه. بداية كان عمله أشبه بعمل حداد يسخن السكين على نار ملتهبة، وبعد أن يحمر يقوم بلحسه ويجمع اللعاب في فمه ثم ينفثه على المنطقة المصابة ويكرر الأمر ثلاث مرات، ثلاثة أيام متتابعة، ويأتي الشفاء بعدها.
منذ ذلك اليوم ونحن ننتبه للمكان الذي يستقبل فضلاتنا، أما ما سنعد به دورة مياه في المنزل فلا مجال للتفكير في فعل ذلك، فالبنية التحتية شبه منعدمة بالمنطقة التي نقطن فيها. حتى الكهرباء لا نمتلكه.. اختلسنا خيطا من بيت الجارة (عائشة) التي اختلسته هي نفسها من عمود الكهرباء بعدما أسكتت «المقدم» بجسدها.. لم نسكتها بشيء سوى بالدعوات. هي امرأة من نوع خاص كانت تعيش رفقة والدتها وبعدما انتقلت لعفو الله أصبحت تعيش لوحدها. تزوجت بعدها بائع خضر، رزقه يحصده من أرض فلاحية يبيع محصولها بالسوق الأسبوعية، لكنهما انفصلا بعد شهور معدودات.
كنت ألاحظ ارتفاع نسبة الأعراس في فصل الصيف وبالمقابل ارتفاع نسبة الطلاق شتاء. الأسباب تختلف لكن توجد نسبة يسيرة تتزوج بهدف «تحياد اللومة»، أي إثبات عذريتهن وشرفهن، فما أصعب أن تغامر القبيلة بترك الفتاة حرة تتجول ولم يسفك دم مابين فخذيها.. بالحلال. أغلبهن غير متمدرسات، فما خلقت المرأة إلا للبيت، أما الأطفال الذكور فلا مجال لممارسة حق الطفولة. يولدون رجالا، فمنهم من يتجه للفلاحة، ومنهم من يتجه للبيع في الأسواق حتى لو كان رأس المال درهما واحدا وأكياس بلاستيكية سوداء، والبعض الآخر يحمل مقتنيات القادمين للتسوق من مناطق بعيدة على عربات تدفعها تلك الأجسام النحيلة، غير من يتجه للعمل بأشغال البناء أو التجوال بيعا. هم غير محتاجين لقضاء سنوات طويلة من العمر لنيل شهادات ستجعلهم في يوم ما معطلين محتجين أمام ساحات البرلمان، يتعرضون للضرب بالسياط كما يضربون هم اليوم الحمير تأديبا وأحيانا كثيرة ظلما وجورا. لا ينتظرون شيئا من أحد، فالفلاح ينتظر أن تجود السماء ببركاتها، فإن لم يكن ينقبون عن المياه بحفر الآبار، وإن سخر الله تعالى لهم من السماء بركات فالعمل بالأسواق يروج ويشتغل الكل وينعم بما يسد جوعه وجوع أهله.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة