المقاطعة” ما لها وما عليها 1/3

 

 

بدأت مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب تقتحم حقولا “نضالية” غير مسبوقة، خصوصا بعدما أصبح الغضب الإلكتروني يصيب مصالح شركات كبرى في مقتل.

ومؤخرا انهالت الانتقادات في المغرب من كل حدب وصوب ضد شركة نيستلي السويسرية المتخصصة في صناعة الشوكولاته والقهوة والمياه والمواد الغذائية،

بسبب سلسلة تبث في الويب عنوانها “باغي نتزوج”، الشركة اعتقدت أنها بتقديم سلسلة حول موضوع الزواج

في المغرب ستنجح في ترسيخ صورتها كماركة شعبية، غير أن الشركة المكلفة بإنتاج السلسلة، والتي نقلت الفكرة من سلسلة فرنسية عنوانها “من يريد أن يتزوج ابني”، تسببت لماركة نيستلي في تشويه لصورتها.

فالشركة التي تأخذ الملايين من أجل تحسين صورة نيستلي اعتقدت أن قصة “سيدي أنس”، الذي بمجرد ما ستراه أي أم “غادي تجري عليه من الباب وتقوليه سير أوليدي حتى تكبر عاد جي تخطب”، ستنجح في الترويج للعلامة التجارية كمرادف للنجاح.

لقد كان الهدف هو إنتاج برنامج يسير في منحى “لالاهم العروسة” الذي خلق “البوز” والذي يمول من أموال دافعي الضرائب ويعرض في قناة عمومية والذي ليس سوى تكرار لنفس الرسائل حول المرأة النموذجية “الحادكة”، وأن “المرا خاصها تعجب الراجل ودير كلشي باش ترضي أم العريس”.

للأسف هذا واقع نعيشه في مجتمعنا، ونساء كثيرات يفهمن قواعد اللعبة ويتمسكن حتى يتمكن، “كتكون الزوجة دريويشة مع الحماة ومع الزوج، غا كيضربو لكحل فلبيض كاتسيف عليه وعلى مو، خاصة إدا دارت لولاد”.

لكن وظيفة شركة متعددة الجنسيات ليست هي أن تجتر أعطاب المجتمع وتشوهاته لكي تحسن صورتها في أذهان المستهلكين، بل أن تطمح لإقران صورتها مع الظواهر الإيجابية والتقدمية في المجتمع. ومع ذلك لا أحد طالب بمقاطعة منتجات هذه الشركة التي فضلا عن إهانة المرأة المغربية تعاني النساء العاملات لديها في مراكز الفواكه الحمراء من سوء المعاملة.

وتبقى المقاطعة الشعبية للمنتجات، سواء كانت غذائية أو فكرية، هي أرقى أنواع الاحتجاج الشعبي.

وهي أيضا سلاح اقتصادي مدمر بوسعه أن يحطم منتوجا تجاريا ويتسبب في إفلاسه، لذلك تجب قبل اللجوء إلى استعماله معرفة دوافع أصحابه الحقيقيين جيدا حتى لا ينخرط الشعب في خدعة لها أهداف سياسية محددة في الزمان والمكان ظنا منه عن حسن نية أنه بصدد خوض معركة نبيلة.

هذه الأيام تشن عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملة منظمة ومكثفة حول ثلاثة منتجات هي حليب سنطرال الذي تملك غالبية أسهمه شركة دانون الفرنسية، وماء سيدي علي التابع لمجموعة شركات هولماركوم التي تملكها عائلة بنصالح، ومحطة الوقود أفريقيا التابعة لمجموعة أكوا التي يملكها عزيز أخنوش، والهدف المعلن للحملة هو الدعوة إلى مقاطعة هذه المنتجات بسبب غلاء أسعارها.

أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو هل هذه المنتجات تحتكر السوق ؟ هناك مجلس للمنافسة للحسم في ذلك وإلى اليوم لم يتهم أيا من هذه المنتجات بالاحتكار، إذ هناك في الأسواق منتجات منافسة لحليب سنطرال، الذي لا أحبه شخصيا وأجده أقرب إلى الماء من الحليب، ومنتجات منافسة لماء سيدي علي، الذي أفضل عليه مياها معدنية أخرى أقل احتواء على الصوديوم والبيكاربونات، كما أن هناك محطات وقود منافسة لمحطات أفريقيا، وأغلبها محطات تابعة لشركات أجنبية.

إذن السوق المغربي يوفر منتجات مختلفة وتنافسية من حيث الأسعار، التي يجب الاعتراف أنها ارتفعت بنسبة خمسين بالمائة خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة حسب آخر التقارير.

الحليب والماء المعدني ليسا منتجين ضروريين، فالحليب وراءه آلة دعائية عالمية تصرف المليارات لإقناع المستهلكين بأنه مادة ضرورية للحياة، والحال أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستمر في تناول الحليب بعد انقضاء فترة الرضاعة، وجميع الكائنات الأخرى تنقطع عن تناول الحليب مباشرة بعد الفطام.

فمكونات الحليب تكون ضرورية في فترة النمو الأولى، خصوصا بالنسبة للعظام، وخصوصا حليب الأم الذي يعطي مناعة للأطفال، أما بعد ذلك فليس للحليب أية فائدة عدا أن مكوناته تصبح مصدرا للأمراض المتعلقة بالسمنة والكوليسترول وغير ذلك من الأمراض الناتجة عن الدهون.

أما المياه المعدنية فهذه عملية احتيالية كبرى يشارك فيها الجميع، فإلى اليوم ليست هناك دراسة علمية مبنية على تحاليل مخبرية تعطي المستهلكين معلومات حول ترتيب المياه المعدنية حسب الجودة، وبالتالي تبرير سعر كل ماركة على حدة.

والغريب أننا نجد ماركات مياه تحظى بمعاملة خاصة في اجتماعات حكومية ورسمية، بحيث تظهر العلامة أمام كاميرات الإعلام العمومي في تحد صارخ لقواعد المنافسة، في الوقت الذي تضطهد فيه ماركات أخرى لمجرد أن أصحابها ليسوا من كبار المقاولين.

وحسب دراسة سرية أنجزتها شركة تركية حول سوق المياه المعدنية بالمغرب فالنتائج جاءت صادمة، إذ إن الماركات التي تحظى بأكبر قدر من الدعاية والرعاية ليست بالضرورة ذات جودة غذائية عالية، بل الماركات المحتشمة إعلانيا هي التي تأتي على رأس التصنيف.

ويبقى تناول المياه المعدنية ترفا في المغرب، لارتفاع أسعارها من جهة، ولكون مياه الصنابير تبقى صالحة للاستهلاك، خصوصا إذا تم تناولها بعد غليها للتخلص من الكالسيوم وقتل الكثير من الجراثيم والباكتيريا المتواجدة فيها، وينصح بوضعها داخل الثلاجة بعد غليها لتكسب كمية من الأوكسجين التي افتقدتها خلال غليانها.

وهناك دراسة أمريكية حول قنينات المياه المعدنية البلاستيكية لو اطلع عليها المغاربة لتوقفوا عن استهلاك المياه المعدنية نهائيا، والدراسة التي أجرتها منظمة “أو آر بي ميديا” بالتعاون مع جامعة نيويورك الحكومية والتي شملت فحص 259 عبوة بلاستيكية من 11 علامة تجارية عالمية، قادت إلى اكتشاف أن المياه الموجودة داخل عبوات المياه البلاستيكية تحتوي على ملوثات بلاستيكية ونيلون وبوليمرات، وهي مكونات خطيرة على الصحة العامة واستهلاكها تنتج عنه أمراض خطيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.