MGPAP_Top

الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا بين الاستظهار والمتطلبات

يبقى الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا، الذي ينظمه اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا بالبورجيه بضاحية باريس٬ وبلا منازع٬ أهم تظاهرة إسلامية على المستوى الأوربي. وقد حاولت جمعيات إسلامية في كل من بلجيكا٬ ألمانيا٬ إيطاليا وهولاندا٬ إلخ.. العمل بالمثل أو استنساخ المفهوم لكن من دون نتيجة تذكر.
يفسر نجاح تجمع مسلمي فرنسا بالبورجيه باتكائه على هيئة قوية ممثلة في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، والذي يتألف من 250 جمعية منخرطة مباشرة في الاتحاد.
وبما أن قوة ووزن أي تنظيم تقاس بعدد المساجد التي تقع تحت نفوذه، فإن الاتحاد يملك أزيد من 30 مسجدا موزعة على غالبية المدن الكبرى، كما يسير قرابة 200 مكان تمارس به الشعائر الدينية الإسلامية. ويعادل هذا العدد نفس عدد المساجد الواقعة تحت نفوذ المسجد الكبير لباريس.
ويقع اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا تحت نفوذ الإخوان المسلمين، الشيء الذي ألب مختلف الحكومات الفرنسية منذ نشأته عام 1983 ضده، بحجة مساندته للإرهاب ومحاربته لقيم الجمهورية الفرنسية.
وكانت ولا تزال بعض الوجوه التي يتماهى الاتحاد مع خطها الفكري والديني، مثل الشيخ القرضاوي وطارق رمضان، نقطة التشنج الكبرى. ويعتبر نيكولا ساركوزي ومانويل فالس من الخصوم التقليديين بل المتطرفين للاتحاد. هذا دون الحديث عن شيطنة الاتحاد من طرف تنظيم «داعش» الذي استباح دم أعضائه. كما أن بعض دول الخليج، وبالأخص دولة الإمارات، وعلى خلفية ارتباط الاتحاد بتنظيم الإخوان المسلمين، أدرجته في قائمة المنظمات الإرهابية. لكن يبقى تجمع البورجيه، الذي يعقد سنويا في ضاحية سان دونيه، استظهارا حقيقيا لوزن الاتحاد ولقوة المسلمين لا في فرنسا فحسب، بل وفي المجال الأوربي، إذ يحج للقاء سنويا قرابة 150000 زائر.
ويزاوج التجمع بين فكرة السوق والمنتدى المفتوح، حيث تعرض الأغراض الإسلامية الوافدة من الشرق والبلاد المغاربية من ملابس، كتب، تذكارات، بل ويمكن للزائر أن يقتني قنينات ماء زمزم، قبل أن ينتقل لمتابعة وقائع وأشغال محاضرة أو ندوة. وستكون الموضة الإسلامية في قلب النقاش، وذلك على خلفية السجال الذي شهدته فرنسا أخيرا.
تعقد إذن نسخة هذا العام٬ وهي النسخة الثالثة والثلاثون ما بين 13 و16 مايو تحت شعار: «لنشيد معا المستقبل.. سلام، وحدة وإخاء». ويطمح المنظمون إلى إقرار التعايش المشترك، غير أن دورة هذه السنة تنظم في ظرفية سياسية واجتماعية جد متشنجة٬ إذ تأتي عقب هجمات باريس وبروكسيل، تدفق اللاجئين مع طفرة الإسلاموفوبيا بشكل غير مسبوق في ربوع المجال الأوربي. كل ذلك ومسلمو أوربا يستعدون لاستقبال شهر رمضان. وستكون المناسبة إذن سانحة لترسيم مواقف ومواقع الاتحاد من القضايا المطروحة على مشهد النقاش والتساجل، مثل مسألة الحجاب في الجامعات، والتي أخذ منها مانويل فالس موقفا سلبيا.. أو مسألة العلمانية وحرية المعتقد وصعود الخطاب اليميني المتطرف إلى الواجهة وإحراق المساجد٬ ومستقبل فرنسا على ضوء الانتخابات الرئاسية، وموقع الجبهة الوطنية العنصرية ورئيستها التي تطمح إلى الوصول إلى «الإيليزيه»، على شاكلة نظيرها النمساوي.
المؤكد أن الاتحاد راغب في «تنظيف» صورته من الشوائب التي رافقته منذ تأسيسه عام 1983، وبالأخص من شائبة الراديكالية والتطرف والخطاب المزدوج. وسبق للاتحاد أن نظم في شهر فبراير مناظرة وطنية في موضوع الراديكالية تمهيدا للقاء البورجيه. ويشدد الاتحاد على عدم وجود علاقة صريحة بين الإسلام والمتطرفين الشباب الذين وقعوا الهجمات الإرهابية في كل من فرنسا وبلجيكا، بحجة أنهم لم يترددوا على المساجد.
في هذه الدورة ستتم دعوة 157 محاضرا تفد قلة منهم من الدول العربية بسبب القيود المفروضة على منح ضيوف الاتحاد تأشيرات الدخول إلى فرنسا.
السؤال الرئيسي اليوم هو: هل الاتحاد قادر على توحيد صفوف مسلمي فرنسا وجعلهم قوة ضاغطة في الانتخابات الرئاسية لعام 2017؟ هل سيجعل من مليون ونصف المليون مسلم، الذين يصوتون في الانتخابات، ورقة ضغط، أم سيترك لهم حرية الاختيار ليضخموا بذلك صفوف الممتنعين عن التصويت، الشيء الذي قد يرجح كفة اليمين المتطرف؟ يعي رئيس الاتحاد٬ المغربي عمار لصفر (من مواليد الناظور)، جسامة هذه المسؤولية.. لكن المسلمين، وبالأخص منهم الشباب، سواء في ولاية ساركوزي أو هولاند٬ والذين تم التعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثالثة، لن ينسوا لا «الحكرة» ولا الحملات الإعلامية الإسلاموفوبية التي طالتهم، دون الحديث عن التهميش الاقتصادي وانتشار البطالة والتمييز العنصري في صفوفهم. لذا فمن غير المستبعد أن لا تنصت الأغلبية الصامتة لدعوات ونداءات إنقاذ الجندي هولاند في حال ترشحه للانتخابات، بل من غير المستبعد أن تصوت ضده. رهان الانتخابات الرئاسية مطروح إذن على هيئة تمثيلية وازنة، مثل اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا٬ لأنه رهان يهم مستقبل الجالية الإسلامية بفرنسا. ويبدأ التعايش المشترك الذي رفعته شعارا، من احترام هذه الجالية وتقدير وزنها في المشهد الفرنسي.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة