آخر الأخبار

الملك محمد السادس ينقل تفاصيل التوجس الجزائري من التقارب بين الحسن الثاني والقذافي

الملك محمد السادس ينقل تفاصيل التوجس  الجزائري من التقارب بين الحسن الثاني والقذافي

عزيز الحور
ما زلنا مع استهلال بحث نيل الإجازة الذي أعده الملك محمد السادس، حين كان وليا للعهد، سنة 1985، رفقة زميله في الدراسة، محمد رشدي الشرايبي. هذا الاستهلال الذي حمل اسم «شهادة» وقد تضمن، في الحقيقة، شهادة غير مسبوقة من ولي العهد، الشاب الذي لم يُجاوز الاثنين وعشرين ربيعا من عمره، في حق والده، الحسن الثاني أولا، وتجاه فترة حساسة من تاريخ المغرب حين دخل في خضم تقارب استراتيجي مع ليبيا التي كان يدير دفتها حينها العقيد معمر القذافي.
وفي الحقيقة، فإن هذا التقارب كان يضمر صراعا واضحا بين الحسن الثاني والقذافي حول الزعامة، عربيا ومغاربيا وإفريقيا، ذلك أنه صار من الراسخ تاريخيا أن القذافي كان مهووسا بالزعامة، لدوافع نفسية شخصية بدرجة أولى، إلى الحد الذي جعله ينصب نفسه ملكا لملوك إفريقيا، كما كان يسمي نفسه، واضعا نفسه فوق الزعماء العرب خلال اجتماعات القمم العربية، كما أنه ظل يكن غيرة خفية من الحسن الثاني الذي كان، بفضل كاريزميته ونبوغه السياسي والثقافي، فضلا عن أصله الذي يحيل على أبعاد دينية راسخة، يفرض نفسه زعيما عربيا وإفريقيا ومغاربيا، بل إنه كان محط ثقة وإعجاب زعماء العالم إلى الحد الذي كان يستشار في قضايا دولية حساسة بما فيها قضية الصراع العربي الفلسطيني.
لذلك نقل الملك محمد السادس، في شهادته المصدرة لكتابه، استغراب مبعوث القذافي إلى الحسن الثاني عندما أخبره الأخير استعداد المغرب الارتقاء بالعلاقات مع ليبيا إلى حد تشكيل اتحاد بين الدولتين، إذ الظاهر أنه تفاجأ من موقف الحسن الثاني المتقدم في ظل صراع بينه وبين القذافي لم يكن خفيا على أحد حينها، وأكثر ما يوثقه صور لبقايا طائرات ليبية دعمت البوليساريو في هجماتها العسكرية على المغرب. المفاجأة مدعاها أيضا أن الحسن الثاني رد على رسالة القذافي بدعوة إنشاء اتحاد رغم أن الرسالة لم تكن سوى محاولة من القذافي لتسجيل موقف إزاء الوضع العربي ليس إلا، كما يعلق ولي العهد، سيدي محمد، على الأمر حينها، في مستهل الشهادة.
لقد تبين أن خلق اتحاد بين المغرب وليبيا لم يكن بالحدث الهين، في ظل السياق الجيو-سياسي حينها، والذي كان موسوما بتأزم العلاقات بين الدول العربية والمغاربية تحديدا بفعل الشرخ الذي أحدثته الاصطفافات بين المعسكرين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة، ذلك أن المغرب وتونس اختارا، رغم إظهارهما عدم الانحياز، التقرب أكثر من المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، في حين اختارت ليبيا والجزائر الانضمام إلى المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي، إضافة إلى هذا البعد الجيو-استراتيجي يحضر بعد جيو-إقليمي يتجلى في الصراع المحموم بين الجزائر والمغرب بسبب ملف الصحراء المغربية.
لذلك كان لأمر خلق اتحاد في المنطقة أن يحدث رجة، وقد تنبه الملك الراحل الحسن الثاني إلى الأمر، وفق ما يرويه ولي عهده حينها، الأمير سيدي محمد، في مستهل بحث الإجازة، حين نقل اقتراح الملك الحسن الثاني على القذافي أن يزور الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة لاطلاعهما على التوقيع على اتفاقية اتحاد بين المغرب وليبيا في وجدة في 13 غشت 1984، وذلك لتلافي ما قد ينشأ عن إبرام المعاهدة من صدمة لحساسية البلدين المجاورين للمغرب وليبيا وحتى يفسح لهما المجال، منذ البداية، ليحتلا مكانا داخل الاتحاد إن أرادا، كما يقول الملك محمد السادس.
هذه الفكرة التي عبر عنها الملك محمد السادس بلغة موجزة تنطوي على تفاصيل توضح ما أراد قوله، ذلك أن الاتحاد المغربي الليبي يعني اتفاقا بين دولتين محيطتين جغرافيا بتونس والجزائر، ما يفرض، في القواعد الجيو-استراتيجية، تأويلا قد يذهب في اتجاه خاطئ بافتراض وجود نية للمغرب وليبيا لمحاصرة البلدين، بالمفهوم اللاعسكري لكلمة محاصرة، لذلك كان يتحتم تبديد ورود هذا التأويل بشكل استباقي وإعلان حسن النية وراء خلق الاتحاد. وهذه الفكرة هي التي فصلها الملك محمد السادس، على نحو أوضح، في ما بعد.
رغم ذلك، لم تسلم الخطوة التي قام بها الحسن الثاني والقذافي من تأويل متعسف من طرف الجزائر وتونس، وذلك رغم مقترح الحسن الثاني الذي حاول استباق وقوع هذا التأويل الخاطئ. هذا ما يوضحه الملك محمد السادس في كتابه بقوله: «ولم تحظ معاهدة الاتحاد بين المغرب وليبيا بقبول حسن من لدن الجزائر وتونس، فقد اعتبرها المسؤولون الجزائريون والتونسيون مناورة، وظنوا بجلالة الملك والعقيد القذافي ظنونا لم تكن لهما في الحسبان، ورأى التونسيون أنها جاءت ردا على معاهدة التعاون والإخاء المبرمة حديثا بين الجزائر وتونس وموريتانيا، وذهب الجزائريون إلى ما هو أبعد من ذلك فاعتبروها محاولة حصار، الغرض منها جعل بلدهم بين فكي الكماشة المغربية الليبية».
وعلى نحو صريح سيدلي الملك محمد السادس بتعليقه على الموقف الجزائري والتونسي من الاتفاق المغربي الليبي إذ قال: «إن هذه الاتهامات ليست تافهة وجائرة فحسب، ولكنها، إلى ذلك وفوق ذلك، تنم عن خطأ في التقدير السياسي لا تخفى خطورته، فالمعاهدة المفترى عليها لا ترمي إلى الهدم ولا إلى النيل من مصالح أي كان، بل هدفها الجوهري إن لم نقل الوحيد هو البناء والتشييد، تشييد المغرب الغربي (هكذا كتبت الكلمة وربما كان القصد هو العربي ووقع خطأ مطبعي) الكبير الذي هو مطلب من مطالب شعوبنا الأساسية، وتشييد مجموعة عربية إفريقية من شأنها أن تساعد على تلافي انقسام إفريقيا إلى كتلتين: كتلة البلاد العربية وكتلة البلدان الأخرى، واعتبار هذا المرمى النبيل هو ما جعل جلالة الملك يلح في أن يطلق على الاتحاد اسم الاتحاد العربي الإفريقي».
لقد كان للاتفاق المغربي الليبي حظ من النية الحسنة كما يؤكد الملك محمد السادس في شهادته، خصوصا في الفقرة الأخيرة منها التي يروي فيها تفصيلا آخر من تفاصيل تأسيس الاتحاد العربي الإفريقي، إذ قال: «لا ريب في أن هذه كانت مقاصد جلالة الملك الطموحة والشريفة عندما استقبل ذات يوم جمعة من شهر يوليوز سنة 1984، في آخر المساء مبعوثا ليبيا يحمل إليه من العقيد القذافي خطابا ملؤه البراءة كذلك، وفي ضوء هذا كله يمكن تحليل وتقييم سمة البراءة والفضيلة التي تمتاز بها المعاهدة المحدث بموجبها اتحاد بين دولة المملكة المغربية ودولة الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية».
ملحوظة: ما بين القوسين () من تعليق المحرر.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة