الرئيسيةالملف الأسبوعي

المهن الأصلية للوزراء

عساكر ومحامون ومعلمون وصحافيون وأطباء ومترجمون تخلوا عن مهنهم من أجل حقيبة وزارية

حسن البصري
مع حصول المغرب على الاستقلال، لم تكن الشهادات سندا أساسيا في امتحان الاستوزار، فقد كانت التمثيلية الحزبية هي الكفيلة بمنح هذا الشخص أو ذاك صفة وزير، لكن مع مرور الوقت أضحت للتقنوقراط مكانتهم في التشكيلات الحكومية، قبل أن يهيمن الهاجس الأمني ويصعد العساكر والأمنيون إلى سدة الحكم.
بنظرة سريعة على الشهادات الجامعية التي يحملها وزراء الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن السياسي لبلادنا، يتضح جليا أن القانون والطب كان لهما النصيب الأكبر في مهن الوزراء، ويحل الإعلام والفكر والتجارة والدين في المركز الثاني.
احتل الطب مكانته من بين المهن المحظوظة ضمن هيكلة الحكومات المغربية على مر السنين، رغم أن بعض الوزراء وجدوا أنفسهم يدبرون قطاعات لا علاقة لها بالطب، كالإشراف على قطاع البريد أو الفلاحة، ولأن المنصب سياسي أكثر مما هو تقني فإن الغاية تبرر الوسيلة.
والغريب في الأمر أن الأدب الفرنسي حظي بحضور لافت سيطر على الإعلام والحقوق والفلسفة والأدب العربي، حيث نال حقائب وزارية عديدة منذ الحصول على الاستقلال. ولم تعد الصحافة «كاشفة العورات» وصانعة الرأي العام ومؤثرة فيه، بل تحولت في ظل «كوطا» التحالفات السياسية إلى معبر آمن نحو كراسي الاستوزار. فقد شاءت الأقدار أن يتحول كثير من المشتغلين في مهنة المتاعب إلى وزراء يعيشون الرخاء بعيدا عن المتاعب.
حين اعتلى عبد الله إبراهيم منصة رئاسة أول حكومة وطنية، وقف الجميع للمعلم، وقيل حينها إن الفصل الدراسي ليس المكان الوحيد للمعلمين، وعلى خطاه سار كثير من رجال التعليم الذين حققوا نقلة نوعية من ضفة التربية إلى ضفة السياسة بالرغم من الفرق الشاسع بينهما.
ليست المهن هي المحدد الأساسي في الارتقاء إلى منصب سياسي، لأنه لا توجد مدرسة أو جامعة تدرس علوم الاستوزار، بالرغم من اعتبار مدرسة القناطر الفرنسية أحد أبرز جسور الوزارة في المغرب.
في هذا الملف نتوقف عند مهن أشخاص نزعوا بذل الطب والتدريس والتعليم وزي العساكر والأمن ابتغاء صفة وزير.

الهاجس الأمني يدفع بعساكر ورجال شرطة إلى دائرة الاستوزار
رغم انخراط مبارك البكاي في الجيش الفرنسي وبلوغه مرتبة عقيد، إلا أن هذه الصفة لم تمنعه من خدمة القضية الوطنية، وسجل له التاريخ موقفه بعد نفي محمد الخامس، إذ ضحى الرجل بمنصبه كباشا لمدينة صفرو رافضا الانضمام إلى قائمة رجال السلطة المتآمرين على العرش العازفين على مقام و«نوتة» «أمنا فرنسا». حين عاد السلطان محمد بن يوسف من منفاه اختاره رئيسا لأول حكومة وطنية بعد الاستقلال، بمباركة من الحكومة الفرنسية وهو الذي فقد ساقه دفاعا عن فرنسا.
وتحول المحجوبي أحرضان من عسكري إلى مدني بصفة وزير، وهو الذي عاش نصف حياته بزي الجيش الفرنسي، حيث درس في الثانوية العسكرية لمكناس، وتخرج منها برتبة ملازم، وتحول إلى ضابط في الجيش الفرنسي، خلال الأربعينات، قبل أن يستقيل سنة 1949، ليعين قائدا في منطقة زمور، ومع حصول المغرب على الاستقلال عين عاملا للرباط، وحصل على مناصب وزارية بدءا بوزارة الدفاع والفلاحة والبريد ثم أصبح مكلفا بالتعاون الدولي.
أما الجنرال محمد المذبوح فلم يكن مجرد رئيس القطب الدفاعي للملك، بل كان أكثر الضباط قربا من الحسن الثاني الذي فتح له أبواب الجاه إلا أنه لم يكن يسعى إلى ذلك. كان الرجل يعبر لزوجته عن عدم رضاه على الفساد المستشري في دواليب السلطة، وحين عينه الحسن الثاني وزيرا للبريد والتلغراف والتيلفون، غضب أشد الغضب واعتقد أن وضعه في منصب مدني هو إجراء تأديبي، أبعده عن محيط الملك، طلب الجنرال إجازة لمدة شهرين بدعوى المرض وانزوى في بيته، «وهكذا تسللت فكرة الانقلاب إلى ذهنه».
يرتبط المذبوح الذي قتل في انقلاب الصخيرات بعلاقة مصاهرة مع المارشال محمد أمزيان الذي شغل في عهد الملك الحسن الثاني مناصب قيادية في إدارة الدفاع الوطني، قبل أن يظهر محمد أوفقير الذي تحول إلى رجل ثقة الحسن الثاني. بل إنه لعب أكثر من دور سياسي، لذلك سيضطر الحسن الثاني ليتخلى عن كثير سلطاته ويضعها في يد جنراله الدموي أوفقير مباشرة بعد انقلاب الصخيرات صيف 1971 بالصخيرات، قبل أن يكتشف أن أوفقير هو واحد ممن رسموا الخطوط العريضة لهذا الانقلاب، ولانقلابات أخرى.
كما دخل ضابط عسكري برتبة كولونيل واسمه عبد الله القادري دائرة الحكومة، لكنه لم يستمر سوى ثمانية أشهر في منصبه كوزير للسياحة، قبل أن يتلقى إشارة من القصر بترك المنصب والاستعداد لمراسيم تسليم المهام لعبد القادر بن سليمان.
وفي أول حكومة برئاسة البكاي، عهد للضابط أحمد اليزيدي بتدبير قطاع التجارة والصناعة، وحين سئل الملك عن سر منح عسكري صفة وزير للتجارة، قال: «أنا أعرف اليزيدي التاجر ورئيس الغرفة اسألوا عنه أهل تادلة».
إلى جانب الضباط العسكريين برز رجل أمن اسمه إدريس البصري، انتقل من مفتش شرطة إلى أقوى وزير مغربي، بعد أن حرق المراحل في أواخر سبعينيات القرن الماضي ليصبح وزيرا للداخلية، وهو المنصب الذي ظل فيه لما يقارب ثلاثة عقود، قبل أن تنطفئ شعلته بعد وفاة الملك الحسن الثاني.

محامون نقلوا مرافعاتهم إلى مجالس الحكومة
كان عباس الطعارجي محامي الفقراء في مراكش، قبل أن يختاره الملك لمناصب حكومية، بتزكية من حزب الاستقلال، بعد أن خاضت عائلة الطعارجي حربا مع الكلاوي، لإعلانه الفيتو على زواج المحامي البشير التعارجي بمبرر «الظهور في الشارع العام رفقة زوجته بـ«لوك» أوربي».
وعاش المعطي بوعبيد فترة هامة من شبابه في مدينة بوردو الفرنسية حيث درس القانون وعاد إلى المغرب حاملا شهادة الدراسات العليا في القانون الخاص مما مكنه من ولوج عالم القضاء كوكيل للملك في مدينة طنجة، لكنه تألق بشكل ملفت في مجال المحاماة الذي شغل فيه منصب نقيب لهيئة المحامين بالدار البيضاء، قبل أن يتأبط مجموعة من الحقائب الوزارية ويصل إلى قمة المناصب الحكومية حين جمع بين وزارتين العدل والوزارة الأولى، فضلا عن مناصبه السياسية كقيادي في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم كأمين عام للاتحاد الدستوري.
وعلى المنوال نفسه سار عبد اللطيف السملالي، الذي بدأ مساره محاميا قبل أن يدخل عالم السياسة عبر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومنه إلى الاتحاد الدستوري الذي اقترحه وزيرا للشباب والرياضة لسنوات طويلة.
أما امحمد بوستة فقد جمع بين الفلسفة والقانون بالسوربون، وحين عاد إلى المغرب فتح له والده مكتبا للمحاماة في الرباط سنة 1950، وعمره 25 سنة، قبل أن يصبح نقيبا للمحامين، بل إن مكتبه كان مدرسة في المرافعات، حيث تخرج منه محامون مشهورون شقوا طريقهم في هذه المهنة التي كان يسيطر عليها الأجانب خاصة الفرنسيين، وأبرز الشخصيات التي تمرنت في مكتب امحمد بوستة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال عباس الفاسي، الذي درس بدوره القانون وحصل على صفة متدرب في مكتب بوستة، قبل أن يدخل غمار السياسة حيث عينه أحمد بلافريج عضوا في حكومته وزيرا للوظيفة العمومية والإصلاح الإداري بعد ثمان سنوات فقط من الممارسة في قطاع غير حكومي إذ شارك كمحامي في أغلب المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب إبان فترة الصراع بين القصر والمعارضة.
أما أحمد رضا كديرة فيملك ثلاث قبعات أبرزها قبعة المحاماة، حيث حصل على ديبلوم معهد الدراسات القانونية العليا بالرباط، واستقر بهم المقام في الجامعات الفرنسية، وبعد استكمال تعليمه في المجال الحقوقي، علما أنه مارس الصحافة والسياسة.

صحافيون يهربون من مهنة المتاعب إلى كراسي الوزارات
في السابق كان منصب وزير الأنباء أو الإعلام محجوزا للصحافيين، لكن شرط الاشتغال في قطاع الصحافة لا يكفي لنيل حقيبة وزارية، بل لا بد من الصفة السياسية والتزكية الحزبية لتصبح وزيرا متخلصا من ضغط الإصدار ومخاطر المهنة.
برز اسم محمد بن الحسن الوزاني، حين وضع اللبنات الأولى لإنشاء جريدة تكون بمثابة لسان حال الحزب الشورى والاستقلال، اختار لها اسم «الرأي العام»، ووضع على رأسها أحمد بن سودة الذي تقلد العديد من المناصب السياسية بالرغم من معارضة الاستقلاليين، وانتهى به المطاف مستشارا للملك الحسن الثاني، علما أنه كان أول وزير للشبيبة والرياضة بعد الاستقلال.
وبنفس العباءة السياسية، انضم صحافي محنك اسمه عبد الهادي بوطالب إلى السلك الدبلوماسي، وشغل مهمة وزير في وزارات وازنة، كوزارة العدل، ووزارة التعليم، إضافة إلى تقلده منصب وزير خارجية المغرب، ثم مستشار ملكي.
وجلس صحافيون آخرون على كراسي الوزارات، كمحمد المكي الناصري الذي أسس عدة صحف ومجلات وطنية وعلمية وأدبية كالمغرب الجديد والوحدة، وحين عاد إلى المغرب انشغل بالصحافة وبالتربية والتعليم، وتقلد مناصب سامية في الحكومة، حيث عين وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافية في نونبر 1972 في حكومة أحمد عصمان، التي تلت المحاولة الانقلابية التي استهدفت الملك الحسن الثاني.
أما أحمد العلوي، الملقب بـ«الوزير الدائم»، الذي كثيرا ما وضعه الملك في خانة وزراء الدولة الذين لا حقائب لهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لقد ظل الرجل اسما مرعبا للوزراء ورجال السلطة والصحافيين. وعايش العلوي الملوك الثلاثة، وذهب إلى فرنسا لدراسة الطب لكن السياسة استهوته منذ أن كان مراسلا لجريدة العلم من باريس فابتلى بحب الصحافة.
ومن الصحافة إلى الوزارة شق عبد القادر الصحراوي كاتب افتتاحية المحرر، الطريق نحو دائرة القرار، بعد أن تمرد على «فيتو» الحزب، لتسند إليه مهمة وزير للأنباء في فترة عصيبة من تاريخ المغرب.
وبرز اسم محمد العربي المساري في الحقل الإعلامي والسياسي والدبلوماسي المغربي، لكنه يصر في حواراته على أن يرتدي قبعة الصحافي، التي اشتغل فيها على امتداد ستة عقود من الزمن، حيث ناضل من أجل حرية الصحافة سواء كصحافي في جريدة العلم أو كوزير للاتصال.
ولم يمارس عبد الكريم غلاب مهنة أخرى سوى الكتابة، فالرجل اختزل حلمه في القرطاس والقلم. لكن الرياح جرت بما اشتهاه الحسن الثاني، حيث أصبح الروائي والصحافي عبد الكريم وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول، يتأبط ملفات الإصلاح الإداري.
وبعد حصول محمد أوجار على شهادة الإجازة في الحقوق من جامعة محمد الأول بوجدة، قرر الريفي متابعة دراسته العليا في مجال الصحافة والإعلام خارج المغرب وتحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والبرتغال. وحين عاد إلى بلاده أسند له أحمد عصمان منصب مديرا جريدة «الميثاق الوطني».
دخل الصحافي الريفي الوزارة عبر جسر التناوب الديمقراطي، حيث عينه الملك الحسن الثاني، في شهر مارس 1998، وزيرا مكلفا بحقوق الإنسان، وفي شهر شتنبر 2000 عينه مجددا الملك محمد السادس في نفس المنصب، وخاض تجربة نائب برلماني في الغرفة الأولى، وفي الحكومة الحالية شغل منصب وزير للعدل.
ولم يكن محمد الكحص الصحافي بجريدة «ليبراسيون» اللسان الفرنسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يعتقد أن الصحافة الاتحادية ستحوله إلى وزير، لكن قدر التناوب ساقه لمنصب كاتب للدولة في الشباب، قضى فيها فترة طويلة دامت خمس سنوات.
أما محمد الأشعري ابن مدينة زرهون، فكان يشعر بميولات سياسية، تحاول أن تقفز بالشاعر والروائي نحو الضفة الأخرى. وحين اختار الاشتغال في صحيفة المحرر وبعدها الاتحاد الاشتراكي، أصبح مديرا لمكتب الرباط واشتهر بعموده «عين العقل» في الصفحة الأولى من الجريدة، قبل أن يقترحه عبد الرحمن اليوسفي وزيرا للثقافة في حكومة التناوب.
وجمع مصطفى الخلفي بين التخصص العلمي والديني والسياسي، وفي حقيبته تعايشت الفيزياء بالدراسات الإسلامية بالعلوم السياسية في خلطة أتاحت للرجل هامشا كبيرا لاختيار مناصبه. عمل كصحفي في جريدة «الراية» ومنها نال منصب مدير نشر جريدة «التجديد»، الذراع الإعلامي لحزب العدالة والتنمية، مرورا بالكتابة الجهوية للحزب في القنيطرة، وحين صعد حزبه إلى السلطة كان أبرز المرشحين لمنصب وزير الاتصال الذي قضى فيه ولايتين، قبل أن يصبح وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلفا بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني ناطقا باسم الحكومة.

أطباء عامون ونفسانيون وبياطرة في الحكومة
انضم الطبيب الجراح عبد الكريم الخطيب للحكومة، وكان يملك عيادة في كراج علال، يعالج فيها المرضى المعوزين بالمجان. تقلد عبد الكريم عدة مناصب حكومية كبيرة كوزير للصحة وللشؤون الإفريقية ورئيس للبرلمان، ومؤسس حزبين سياسيين، وهما حزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية، وبعد انسحابه من حزب الحركة الشعبية، حول بوصلته السياسية وأنشأ «حزب العدالة والتنمية».
وكان ليون بن زاكين الطبيب المغربي اليهودي، الأجدر بأن يعين وزيرا للصحة في أول حكومة بعد الاستقلال، نظرا لكفاءته الطبية، لكن ذلك لن يحصل إلا في التعديل الحكومي الذي مس الحكومة مغربية سنة 1956.
يعد ليون واحدا من أشهر الأطباء الذين عرفهم المغرب، سينطلق الطبيب إلى داخل دواليب العمل السياسي المغربي، بطريقة رتبتها له الظروف والصدف، ليحصل على وضع اعتباري جيد في مغرب الأربعينات وبداية الخمسينات. وعندما حصل المغرب على الاستقلال، تم تعيينه وزيرا للبريد والمواصلات، ثم أصبح وزيرا للصحة، قبل أن يقتله الربو.
واختار الملك الراحل محمد الخامس الشاب محمد بنهيمة لينتقل من مدينة آسفي إلى نانسي الفرنسية لدراسة الطب على نفقة القصر، إلى جانب طلاب آخرين، كان يريد من وراء ذلك إعداد جيل جديد من الكفاءات التي يمكن أن تسد الفراغ الذي سيخلفه الاستعمار بعد رحيله.
لكن بنهيمة لم يمارس الطب، ولكنه اختير وزيرا للأشغال العمومية في يونيو 1962، من بين أعضاء الحكومة التي ترأسها الملك الحسن الثاني.
أطباء كثر تسلموا حقائب وزارية في قطاعات بعيدة عن مجال تخصصهم أبرزهم الدكتور أحمد العراقي القيادي في الاتحاد الاشتراكي سابقا، الذي عين وزيرا للبيئة في أول حكومة تناوب مع عبد الرحمان اليوسفي وكان أستاذا بكلية الطب وطبيبا في مستشفى إبن رشد بالدار البيضاء. ثم عبد الرحيم الهاروشي الذي كان متخصصا في طب الأطفال، والذي عين وزيرا للتضامن وأسماء عديدة أغلقت عيادتها.
في السياق ذاته تحول أطباء نفسانيون إلى وزراء، وساهموا في تدبير الشأن الحكومي بعد أن عاشوا سنوات يشخصون الحالات المرضية، على غرار الطيب الشكيلي الذي كان من الأوائل في هذا المجال وهو المتخصص في الأمراض العصبية وتقلد مهمة مدير أكثر من مصلحة متخصصة في هذا المجال، إضافة إلى الدكتور سعد الدين العثماني، القيادي في حزب «العدالة والتنمية» الذي مارس مهنة الطب النفسي منذ عدة سنوات، كما أنه ضليع في الفقه الإسلامي، ولديه مؤلفات في هذا المجال.
ويمكن أن ينضاف لهؤلاء، بياطرة تقلدوا مهام حكومية كعبد الحفيظ القادري وحمو أوحلي.

قم للمعلم فقد أصبح وزيرا
أغلب المراكشيين لا يصدقون أن عبد الله إبراهيم المفكر السياسي والوزير الأول في حكومة 1958-1960، هو نفسه المربي الفاضل الذي تعلمت على يديه أجيال حين كان معلما، في الثلاثينات من القرن الماضي، بإحدى المدارس الحرة في مراكش.
قضى الرجل فترة من حياته كمدرس في حي الزاوية العباسية بالمدينة القديمة لمراكش، وكان على الرغم من صغر سنه، وكان يعلم المكفوفين القرآن بالسمع، بموازاة مع مهمته كمدرس ابتدائي، تابع عبد الله إبراهيم دراسته العليا، ثم التحق بفرنسا وتخرج في جامعة السوربون، ومعهد الدراسات الشرقية بباريس. أسند إليه الملك الراحل محمد الخامس رئاسة الحكومة الوطنية في أواخر سنة 1958، وكان حينها ضمن تشكيلة حزب الاستقلال، وقدم مشروعا إصلاحيا أساسه التعليم، فكان أول من نادى بإلزامية التعليم ودعا إلى تعميمه في القرى والمداشر.
وعلى نفس المنوال سار عبد الرحيم بوعبيد الذي التحق بسلك التعليم الابتدائي بمسقط رأسه سلا، بعد نجاحه في مباراة الولوج إلى مدرسة المعلمين، بـ «كوليج» مولاي يوسف. وهنا يظهر أن الأقدار شاءت أن يتمم عبد الرحيم بوعبيد مساره الدراسي رغم كل العراقيل، وحصل على أول وظيفة في التعليم لمدة سنتين.
وحسب الباحث عبد اللطيف جبرو، فإن عبد الرحيم بوعبيد أصبح معلما بمدرسة اللمطيين بفاس، خلال السنة الدراسية 1939-1940، ويحضر في نفس الوقت شهادة الكفاءة المهنية للتدريس، وأيضا شهادة البكالوريا (فرع الفلسفة)، قبل أن ينفصل عن الدرس والتحصيل ويتفرغ للسياسة.
ورغم أن أغلب الكتابات التي لامست حياة عبد الرحمن اليوسفي تركز على مساره كرجل قانون، وتقفز على فترة مهمة من حياته قضاها في تعليم النشء، خاصة بالدار البيضاء، إلا أن الرجل لا يلغي «هذا المرور التربوي» من حياته كسياسي ومناضل يساري، وأحد المؤسسين لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأحد صناع «التناوب».
كان اليوسفي يدرس مستويات وأعمارا مختلفة، في المدرسة التابعة لمعمل كوزيمار، وبعدها في مدرسة الاتحاد، قبل أن تطرده السلطات الاستعمارية من المصنع ومن القسم بعد أن شعرت بحجم الخطر القادم من الفصل الدراسي.
أما أرسلان الجديدي فأول وظيفة شغلها هي التدريس في إحدى المدارس الابتدائية في ضواحي أكادير، بعدما تلقى في العاصمة الرباط تكوينا كمدرس، وكان معلما للغة الفرنسية، لكنه لم يستمر طويلا في التدريس، بعد أن كثرت احتجاجاته على الوزارة، ولمس فيه رؤساؤه نزعة نقابية مستترة سرعان ما تفجرت حين قرر أرسلان مغادرة وزارة التربية والتعليم، واجتياز مباراة لولوج وظيفة بالمكتب الشريف للفوسفاط بخريبكة، فولج عالم النقابة، وهكذا سيعينه الراحل الحسن الثاني مندوبا ساميا للإنعاش الوطني، ثم فيما بعد وزيرا للشبيبة والرياضة في حكومة كان يقودها محمد كريم العمراني، ثم وزيرا للشغل والتكوين المهني.
وكان حلم والد أحمد التوفيق أن يصبح ابنه يوما مدرسا، وهو الذي قضى طفولته راكضا بين الروابي والجبال حين قرر أن يطلب العلم قرب قرية تينمل مهد الموحدين.
حصل أحمد على الشهادة الإعدادية عام 1961، ودخل على الفور مدرسة المعلمين واشتغل مدرسا في التعليم الابتدائي لمدة عامين حصل فيها على الكفاءة المهنية، ثم حصل على البكالوريا عام 1964، وانتقل إلى الرباط حيث تعاقد مع المدرسة العليا للأساتذة.
ورغم أنه ينتمي وجدانيا لمدينة الرشيدية، إلا أن الحبيب الشوباني الوزير الذي كان مكلفا بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، قد سجل عبوره في القسم كمدرس للفيزياء بإعداديات وثانويات مدينة الراشيدية لمدة 14 سنة.
وحسب السير الذاتية لبعض الوزراء، فإنها تؤرخ لمسارهم في هيئات التدريس بكليات المملكة، على غرار محمد أوزين ومحمد نجيب بوليف.

مترجمون محلفون يحملون حقائب وزارية
صحيح أن الصدر الأعظم محمد المقري قد دخل المغرب ليمتهن الترجمة، فوجد نفسه بعد سنوات يحكم البلاد والعباد، وعلى المنوال نفسه سار مترجمون آخرون دخلوا الحكومات من بوابة الترجمة بدعم من الإقامة العامة، لكن الأمر لا يقتصر على حكومات ما قبل الاستقلال بل تعداه إلى ما بعده، حيث بدأ أحمد باحنيني مساره المهني مترجما قبل أن يتولى مسؤوليته كوزير أول للمرة الأولى.
وإذا كان الحاج باحنيني قد نجا من ملتمس الرقابة الذي وقعه نواب الحزب الاشتراكي، إلا أنه سقط صريعا برصاص العسكريين المتورطين في المحاولة الانقلابية خاصة الجنرال محمد المذبوح.
لكن أشهر المترجمين المحلفين هو محمد نبيل بنعبد الله الذي شغل ستة مناصب رسمية في العقدين الأخيرين، لكنه لا يريد أن يتقاعد على غرار كثير من الزعماء الخالدين الذين يسعون إلى ترجمة أفكارهم في المجالس الحكومية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق