النشر والنشر

moradi

وقعت وزارتا الثقافة والتعليم العالي اتفاقية لنشر الأطروحات الجامعية، لكن لهذه الاتفاقية وجها آخر، لأنها ستكشف حقيقة ما يجري في جامعاتنا، من تفش مهول لظاهرة «البلاجيا» في صفوف الطلبة، والكسل في صفوف الأساتذة المشرفين، والزبونية والمحسوبية في صفوف لجان المناقشة. وحتى لا يتصور البعض أننا نمعن في طعن هذا الجسم المثخن بالجروح والأمراض، المسمى «الجامعة»، دعونا نجيب عن هذه الأسئلة: ماذا يعني أن يشرف أستاذ على مائة بحث للإجازة و20 بحثا للماستر وعشر أطروحات للدكتوراه في السنة الواحدة؟ هل سيقرؤها فعلا، أم أن المهم هو أن يستفيد منها في التعويضات عن التأطير، بالإضافة إلى الاستفادة منها في الترقيات؟ ماذا يعني استغلال أصحاب مراكز البحث للطلبة الباحثين في إنجاز أبحاث مربحة لهؤلاء، فقط من أجل الإشراف على أبحاثهم الجامعية؟ ماذا يعني دفع رشوة للأستاذ الباحث من أجل تحديد موعد لمناقشة الدكتوراه؟
أجزم بأن الاتفاقية لم تكن إلا مدخلا آخر لتشجيع السرقات العلمية وتكريس العلاقات غير العلمية بين الطلبة الباحثين والأساتذة المشرفين. ذلك أن مشكلة قرصنة البحوث الجامعية بمختلف أنواعها، تعد من الطابوهات الكبرى في الجامعة المغربية، قديما وحديثا. فهذا معطى يعتبر «جاريا» به العمل في سلكي الإجازة والماستر، وسنويا يتم ضبط مئات الحالات من طرف بعض الأساتذة النزيهين والجديين، والذين يقرون باستفحال الوضع سنة عن أخرى، وذلك منذ تبني نظام (LMD)، لطلبة اختاروا الطريق «السهل» في إنجاز «البحوث»، واعتمادهم على قرصنة أبحاث يصعب على الأستاذ المؤطر «الكسول» اقتفاء أثرها، كما يسهل على الأستاذ الجدي النزيه بالمقابل اكتشاف مصدرها، لكن عندما تتفشى الظاهرة أيضا في الأطروحات الجامعية، سواء في نظام الدراسة الجديد أو القديم، أطروحات يتقدم بها «موظفون» سامون، أو موظفون يشتغلون في قطاعات يفترض أن تكون حارسة لقيم الحكامة والنزاهة في القطاعين العام والخاص، فنحن فعلا نتكلم عن «وباء» حقيقي، فقط تنقصنا الشجاعة والنزاهة لإعلان الطوارئ. وبدل أن تطبق الوزارة الوصية القانون على المتورطين، فإنها تقبل غض الطرف عنهم، بل وتوظيفهم وترقيتهم بهذه الأطروحات المسروقة.
صحيح أنه من الإجحاف والظلم تعميم الظاهرة، إذ يتواجد في كل الجامعات المغربية، بدون استثناء، وكذا في كل مؤسسات التعليم العالي غير المنتسبة للجامعة، شرفاء ونزهاء وباحثون حقيقيون، لا يتسرعون في إخراج الكتب ثقيلة الوزن وتافهة المضمون، ويقومون بأمانة وتجرد بتأطير الطلبة الباحثين، ليس بحثا عن ترقيات سريعة وسهلة، بل دفاعا عن قيم البحث العلمي، لكن بالمقابل حين يتقاطع كسل بعض الأساتذة المؤطرين، غير القادرين على تخصيص ساعات على مدى أشهر لقراءة أطروحة جامعية واحدة، بعدم نزاهة بعض الطلبة الباحثين، سيما مع الإمكانات الهائلة التي تتيحها الثورة المعلوماتية الحديثة، تضاف إلى هذا لامبالاة الوزارة الوصية في التعامل مع الحالات التي ترد إليها، والتي تثبت بالأدلة والقرائن وجود سرقات علمية، وكذا التعامل «السياسوي» للنقابة أحيانا في تبني ملفات بعض «السارقين».. كل هذه المعطيات تتضافر لتصنع واقعا خطيرا، يصبح فيه بعض رجال الفكر والعلم والبحث غير مختلفين كثيرا عن بعض الفاسدين والغشاشين الذين يتواجدون في الشوارع العامة وأسواق المتلاشيات.
فطلبة وأساتذة كلية الحقوق بجامعة الحسن الأول بسطات، يتذكرون أن سنتي 2012 و2013 شهدتا سجالا بين أستاذين بشأن اتهامات حول قرصنة مواد وبحوث علمية أنجزت قبل سنوات من طرف باحثين أغلبهم أجانب من طرف أستاذ جامعي، أثناء تحضير أطروحته الجامعية، بل وقام أيضا بقرصنة كتاب لزميل له، ونشره في كتاب آخر، وهو ما فجر نقاشا كبيرا بين الأستاذين، احتضنته بعض الصحف الوطنية، لينتهي بأن أقر مجلس الكلية بوجود سرقة، ليقدم الأستاذ المعني اعتذارا رسميا ويغادر المنصب الذي كان يشغله في الكلية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *