GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الهجوم على المباني الذرية في أمريكا

العالم الذي نعيش فيه يجلس على فوهة بركان اسمه السلاح الذري. وللتخلص منه ـ سلامة للجنس البشري ـ فقد نشأت حركة دينية في أمريكا اسمها حركة بلو شير PSM=Plowshare Movement تؤمن بإمكانية تحويل أمريكا من مستودع للذخيرة النووية إلى نبع للسلام.
قامت هذه الحركة بتاريخ 28 يوليو من عام 2012م بالهجوم على أعتى مركز ذري في الولايات المتحدة الأمريكية، في أواك ريدج Oak Ridge في ولاية تينسي، على يد ثلاثة من القساوسة، منهم امرأة عجوز بلغت 85 عاما هي السيدة ميجان رايسMegan Rice آثرت أن تختم حياتها بالصالحات، ومن اقتحم المركز مع السيدة التقية ميجان رايس رجلان أصغر منها سنا، ميشيل ويليMichael Welli وثالث ثلاثة من السلاميين هو جريجوري بيرتجي عبيد Gregory Boertje Obed.
هذا الهجوم على المقر الذري(Y12 NSCOMP) المعروف بالمجمع الوطني المحصن Y 12 National Security Complex ليس الهجوم الأول من نوعه؛ بل هو الهجوم رقم 94 خلال ثلاثة عقود، التي شنتها حركة بلو شير على المواقع الذرية في أمريكا. كانت المحاولة الأولى بتاريخ التاسع من سبتمبر من عام 1980م 09\09\1980 أما المحاولة رقم 94 من المحاولات كما أسلفنا فكانت في 28\07\2012 بمعدل ثلاث هجمات كل عام على السلاح الذري.
إن خوفهم كبير من اندلاع حرب نووية هي قيامة الجنس البشري؛ فصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله.
والآن من أين اشتقت الحركة اسمها؟ إنه من الفقرة الخامسة من العهد القديم من إصحاح أشعياء الذي يقول فيه هاتو رماحكم وسيوفكم وخناجركم أصهر حديدها فأحوله سكة ومحراثا تزرعون به الأرض الطيبة فتأكلون وتعيشون بحب وسلام.
ما الذي حصل في صيف عام 2012؟ درس القساوسة الثلاثة ميجان وميشيل وجريجوري المكان جيدا. إنه المستودع الذري المخزن فيه 400 طن من البلوتونيوم ما يكفي لتصنيع عشرة آلاف قنبلة ذرية، ما يكفي لمسح العالم والمخلوقات من وجه الأرض مثنى وثلاث ورباع وخماس؟ وتحويل سطح الأرض إلى جمهورية تقطنها فصائل من الصراصير والعقارب؟ بالمناسبة بعد تجربة فرنسا سلاحها الذري في الصحراء الجزائرية تبين أن من صمد فيها عقارب المنطقة بفعل العصير الذي يجول في مفاصلها.
في كثير من الأحيان أقف أمام سؤال لا جواب له عندي؟ ألم يكن كافيا تصنيع مقدار من السلاح النووي كاف لمسح الأرض والبشر مرة واحدة؟
كان ما يؤرق السيدة ميجان المشبعة بالإيمان، وهي تابعة لكنيسة الطفل المقدس يسوع حرصها أن لا تؤذي الكلاب الضارية المكلفة بحراسة الأسوار الخارجية، برش مسحوق الفلفل في خياشيمها، حتى تقعدها عن الشمشمة ومهاجمة المقتحمين!
أخيرا اتفقوا على حماية الكلاب بدون رشرشة، وحملوا زجاجات مملوءة بالدم الطازج، من شرايين أعضاء حركتهم، بالإضافة إلى قاطع أسلاك وأقلام كتابة على الحيطان بحبر الدم الفاقع.
كان الموعد في استراحة قريبة من مركز الصناعة الذرية، المحمي على نحو صارم، بعشرات من الحراس والكلاب والكاميرات وحساسات الحركة والأنوار الكاشفة.
مركز أواك ريدج هذا هو المكان الأول، لأعظم عبقرية وحشية عرفتها البشرية فيها ولد سلاح البلوتونيوم 239، بعد تطوير اليورانيوم 238 لتفجير أفظع سلاح عرفه الجنس البشري؛ عفوا كلمة أفظع سلاح لا تقترب من مفهوم العصر النووي، فهو مسك الختام لأية حياة إنسانية على وجه البسيطة. نحن هنا لسنا أمام سلاح بل فناء للحياة.
هذه المرة ـ وربما من سخرية الأقدار ـ يحمل الخبر الجيد والسيء جدا؛ فهو السلاح الذي إذا انشق فإن السماء ستصبح وردة كالدهان، فيها تصب السماء بشواظ من نار ونحاس وبلوتونيوم فلا تنتصران.
هذا السلاح فيه نذير وبشير. بشير بموت مؤسسة الحرب، وانتهاء مرحلة اقتتال البشر، بنفس الوقت نذير بأن استخدام هذا السلاح يعني دخول عالم الفناء، ولا أحد يشتهي رحلة الفناء والعدم.
كانت الحروب فيما سبق تقاد بأسلحة بدائية نسبة للسلاح الذري، وكانت مؤسسة الحرب مثل التنين تكبر كل مرة بأذرع جديدة ورؤوس تقذف باللهب، وكانت دورة الحروب تزداد اتساعا وضراوة بين من يمتلك تقنية خوض الحروب واختراع آلتها، أما الآن فهي نهاية الرحلة، وإعلان موت مؤسسة الحرب، وهو ما يعرفه عالم الكبار يقينا فلا يتقاتلون، ويجهله المتخلفون فيتحاربون.
ولذا كان مركز أواك ريدج هو الرحم والقبر للسلاح النووي، وهو ما يحرص عليه أتباع حركة )بلوشير( أن وقت الاقتتال انتهى، وأنه يجب التخلص من السلاح النووي مرة واحدة وللأبد، كما هو في فيروس الجدري، والأخير له قصة مستقلة.
في أواك ريدج وفي لوس آلاموس تم الوصول للمرة الأولى إلى تقنية القنبلة الذرية؛ فأما مركز لوس آلاموس فقد مضى في تقنية التنقية النووية إلى ولادة سلاح الانشطار في صورة قنبلة الولد الصغير little Boy ولم يكن صغيرا بل هائلا مخيفا مسح مدينة.
كان من اليورانيوم المخصب 235 وهي التي ألقيت على هيروشيما يوم 6 غشت 1945م وهو العام الذي فيه ولدت ورأيت النور في مدينتي القامشلي.
أما مركز أواك ريدج فقد تم التوصل إلى قنبلة تصنيعية من نوع مختلف، يقوم على الدمج النووي المتناظر، حيث يتم ضغط سطوح كرة من مادة البلوتونيوم 239 لتقفز الكتلة من مستوى ما تحت الحرج إلى مستوى الكتلة الحرجةCritical Mass وبوزن مدروس فتنفجر الذرة في واحد من مليون من الثانية، وتستعر الأرض بحرارة الشمس بدرجة حرارة مليون درجة، وبقوة تدميرية أنهت الحياة في مدينة ناجازاكي اليابانية، ومعها أرواح سبعين ألفا من الأنام في سبعين ثانية.
من الغريب لهذه المجموعة الجريئة أنها حين اقتحمت المجمع النووي لا كلب نبح، ولا حارس صاح واستنجد. قطعوا الأسلاك الشائكة؛ فلم يصوت جهاز إنذار، ولا سجلت محطات الحرارة لأي قدم دعست فمشت في الأرض المحرمة.
بكل بساطة دخلوا المجمع الخطير وفي واجهتهم 400 طن من مادة البلوتونيوم، ولو أمكن لهم أن يفجروا المكان ـ مثلا لو كانت مجموعة من مجرمي داعش اقتحمت المجمع ثم فجرت المكان على أي نحو ـ فهذا معناه تلوث أمريكا بهذه المادة الكريهة.
القساوسة الثلاثة قاموا برش جدران المبنى بالدم الأحمر على شكل كتابة تقول بلون دموي أن كفوا عن ارتياد هذا الشر الأعظم.
بقيت ثلاث ساعات معدودات حتى طلع النهار عليهم، فهم دخلوه مع الساعة الواحدة والنصف صباحا. وصعق الحرس حين رأوا ثلاثة أشباحا في المجمع الذري، وبدأوا يلوحون بقبضاتهم ويصرخون. كيف دخلوا أفظع وأخطر مجمع في غفلة عن العيون.
كتفوهم وساقوهم إلى السجن، ثم المحاكمة، ليعلن القاضي السجن بثلاثة أعوام للثلاثة. بقيت الأخت ميجان البالغة من العمر 85 عاما في السجن مدتها، لتخرج أشد صلابة بعمر الـ 88 عاما في الاستعداد لاقتحام مبنى حكومي جديد في محاولة رقم 95 في وجه سياسيين مارقين على الكذب معتادين.
ويمضي الجدل الإنساني في دورة جديدة بين الشر والخير حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة