الواجب الكفائي… في طهران

sobhihd

في أواسط يونيو، أعلن الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ناطقاً باسم المرجعية الشيعية وآية الله علي الحسيني السيستاني، أنّ «العراق وشعبه يواجه تحدياً كبيراً وخطراً عظيماً» من «الإرهابيين»؛ ولهذا فإنّ «مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم مسؤولية الجميع ولا تختص بطائفة دون أخرى أو طرف دون آخر»، وهذا واجب كفائي.
بعد 16 شهراً، ومن منبر الأمم المتحدة في نيويورك، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أنّ «الحشد الشعبي»، الوليد الأحدث عهداً لنداء الواجب الكفائي، هو «أحد تشكيلات الدولة الرسمية التي تدافع عن البلاد صفا واحداً مع باقي القوات الأمنية الباسلة التي تحارب الإرهاب والعصابات الإجرامية التي تحاول العبث بالسلم الاجتماعي». وقبل أسابيع قليلة، خلال خطبة عصماء أمام مؤتمر برلمانات الدول الإسلامية، شدد العبادي على أنّ «الحشد الشعبي الذي يقاتل اليوم ضد عصابات داعش، يمثل صورة للتلاحم العراقي». وأمّا قبل ساعات، خلال كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن، فقد أقرّ الرجل بأنّ «الحشد الشعبي أفرز جماعات خارج إطار الدولة»، معتبراً أن وجود هذه العصابات يتطلب تدخلا لمكافحتها، ويجب القيام بإصلاحات تمكن الدولة من السيطرة على العصابات المنفلتة».
والحال أنّ قوّات «الحشد الشعبي» لا تتبع الدولة العراقية، بما في ذلك وزير الداخلية محمد سالم الغبان، الذي تربى في كنف «منظمة بدر»، الحاضنة الأمّ لـ«الحشد»؛ كما أنها لا تأتمر مباشرة بما يصدر عن المرجعية، خاصة وأنّ المرجع الأعلى يدرك ذلك، ويحرص على عدم طلب ما لا يُطاع! وأمّا تابعية هذه القوّات ـ في مكوناتها الثلاثة الأبرز: «بدر»، و«عصائب الحق»، و«حزب الله» اللبناني ـ فإنها قد عُقدت لمركز واحد وحيد، هو طهران. وبمعزل عن تعقيدات المشهد الشيعي الداخلي في العراق، وصلاته بمركزية المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي؛ فإنّ جذور «الحشد الشعبي» لا تضرب في تربة راهنة، ذات صلة بسقوط الموصل في براثن «داعش» وزحف التنظيم نحو العمق العراقي، بل هي بين أولى الثمار الشائهة، والسامة الدامية، التي استنبتها الاحتلال الأمريكي للعراق، قبل 13 سنة.
وبهذا المعنى فإنّ الاعتراض الأمريكي على استدخال «الحشد الشعبي» ضمن صفوف الجيش والشرطة والأمن التابعة للدولة العراقية، ليس مردّه ما افتُضح ـ والبعض يقول: جرى تسريبه علانية عن سابق قصد ـ من فظائع وحشية ارتكبها «الحشد» ضدّ مواطنين مدنيين أبرياء من أبناء الطائفة السنية، فحسب؛ بل كذلك ما يعتبره مراقبون بنداً مكمّلاً في أجندة «ستراتيجية الخروج» الأمريكي من العراق… مرّة وإلى الأبد، كما يساجل البعض! وليس غريباً، بعد انكشاف الاعتراض الأمريكي على استمرار عمل «الحشد» ضمن صفوف الوحدات العسكرية والأمنية العراقية الرسمية؛ أن ينقضّ عمار الحكيم، باسم المجلس الإسلامي الأعلى، على هذا التفصيل، ليحفر حفرة للعبادي، بقصد الإطاحة به. لكنّ الساسة العراقيين الشيعة، من العبادي والحكيم إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وزميله إبراهيم الجعفري، يتصارعون في واد؛ وقادة «الحشد» الميدانيين، من هادي العامري إلى أبو مهدي المهندس (جمال جعفر علي)، دون استثناء قاسم سليماني، جنرال «الحرس الثوري» الإيراني، يتناغمون في واد آخر… شاسع البون، واسع الشقة! هذا إذا استبعد المرء، مؤقتاً على الأقلّ، احتمالات الصراع، وربما الصدام العسكري المباشر، بين «الحشد» وقوات «البيشمركة» الكردية في الشمال، إذا حانت ساعة التناقض. فإذا أقرّ المرء بوجود «معادلة إيرانية» كبرى في قلب المسألة العراقية، فإنّ الواجب الكفائي لـ«الحشد»، وسواه من التكوينات السياسية والميليشياتية الشيعية العراقية، ذو مرجعية عابرة للحدود العراقية، نحو طهران، وحدها.

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *