الملف التاريخيتاريخ

الوجه الآخر لسفريات المسؤولين

عجائب رحلات الدبلوماسيين و«المخزنيين» المغاربة القدامى في الخارج

«قد تكون رحلة الحاج الصفار إلى باريس مشهورة بالطرائف النادرة التي نقلها هذا السفير المغربي، وأقدم بعثة دبلوماسية مغربية إلى الخارج تم توثيقها بتلك الطريقة المثيرة. لكن أحد جوانبها المظلمة التي بقيت طي الكتمان، هي قصة المرافق الفقيه الذي تسبب لباسه في إنهاء حياته الدبلوماسية، رغم أنه كان من الخاصة الذين يرافقون الحاج الصفار قيد حياته في دواليب المخزن قبل أن يعينه المولى عبد الرحمن مكلفا بمهمة تلطيف الأجواء مع الفرنسيين.. وليس تقليدهم في حياتهم «الباريسية»، تبقى جديرة فعلا أن تروى، إذ أن الرجل انتهت حياته السياسية في قلب دار المخزن، فقط لأنه أعجب بالبذلة الأوربية وفكر في ارتداء واحدة بعد عودته إلى المغرب»

باريس.. بلد العطل و«المشاكل»!
لم تخف فاطمة أوفقير، أرملة الجنرال الذي كان ظل الملك الحسن الثاني، في مذكراتها التي أصدرتها فور وفاة الملك الراحل، أنه كان يتابع عطل الجنرال عن كثب، وأنه كان في زياراته المفاجأة لبيت الجنرال يردد أنه يحب أن يعرف كل شيء عن رجال ثقته المقربين، ولمح في مرات كثيرة إلى ضرورة تجنب البذخ. تقول فاطمة أوفقير إنها كانت تحب الحياة وتقبل عليها بقوة، وتقضي عطلتها رفقة الجنرال وأحيانا رفقة أبنائها وحدهم، في أرقى الفنادق بباريس. وعندما انتهى الجنرال أوفقير سنة 1972، كانت كل حياة النجوم التي عاشتها زوجته في ظل سلطاته الواسعة، قد انتهت.
كان السواد الأعظم من المسؤولين المغاربة، خصوصا منهم الذين كانوا ينتمون إلى عائلات ثرية، يقضون عطلا باذخة بالخارج وكانت أخبارهم تصل أولا بأول إلى الملك.
حدث مرة أن الملك الراحل محمد الخامس غضب بشدة على اثنين من ديوانه، وعاقبهما لأشهر من خلال إبعادهما تماما عن القصر وإبقائهما بدون مهمة، والسبب أنه توصل بإخبارية تفيد أنهما كانا قد اصطحبا زوجتيهما إلى باريس، وقضيا عطلة فاخرة ترددا خلالها على أرقى الكاباريهات والكازينوهات في باريس. وحدث أن تشاجر أحدهما مع مسير طاولة للقمار، وصار يصرخ في القاعة أنه موظف سام مغربي وتوعد الموظف بالعقاب. فيما كان مرافقه يتوعد إدارة الكازينو لأنها طردتهما إلى الخارج، بالعقاب باعتباره مسؤولا مغربيا رفيعا.
فور علم الملك الراحل بالأمر لامهما، بحكم أن أحدهما كان والده عالما كبيرا نواحي بني ملال، وكان من كبار الأعيان الذين امتنعوا عن التوقيع على لائحة المطالبين بنفي الملك أثناء الحماية الفرنسية للمغرب.
انبهار المغاربة بالحياة الأوربية، جاء على مراحل. فقد مضى زمن انبهر فيه المغاربة الأولون الذين زاروا أوربا في إطار مهام دبلوماسية بالحياة الأوربية من قطارات وأنفاق واستعمال للمواصلات والهواتف في الحياة اليومية. ووصل زمن آخر كان خلاله المغاربة الذين ترددوا على العواصم الأوربية، خصوصا باريس، يعيشون عطلهم الفاخرة بالطول والعرض.
الباشا الكلاوي كان أحد الأعيان المغاربة الذين تعرفوا مبكرا على حياة باريس ولندن أيضا. وكان للرجل أصدقاء كثيرون يجعلون منه في بداية الخمسينات ضيفا استثنائيا يتسابق كبار نجوم السينما وقتها إلى تحيته، لأن الصحافة كانت تكتب عن ممتلكاته في المغرب ودور الضيافة في مراكش والتي كان يضعها رهن إشارة الضيوف الذين كانوا يأتون إليه من أمريكا أيضا وبينهم عسكريون وليس من أوربا فقط.
كانت عطل الباشا الكلاوي في أوربا التي كان يصل إليها بحرا، عبر حجز الباخرة بالكامل ووضعها تحت تصرفه، لا تمنعه من كشف طابعه التقليدي من خلال ارتداء الجلابة في قلب مسارح باريس ودور العرض بها. لكنه في مرات كثيرة كان يظهر بالبذلة الرسمية الأوربية رفقة مضيفيه، وهو نفسه الذي كان محافظا ويعاقب الشبان المغاربة في مراكش إن هم تخلوا عن الطابع التقليدي، فالباشا الذي كان يعيش هذه التفاصيل في الخارج ويستمتع بها، هو نفسه الذي كان يمنع الشبان في مراكش من التجول رفقة خطيباتهم أو مسك أيديهم في حدائق المدينة خلال بداية الخمسينات.
يبدو أن تفاصيل كثيرة بقيت طي الكتمان. لم يكن أمر العطل خارج المغرب واردا بالنسبة للمسؤولين المغاربة إلا بعد الاستقلال. وقبل ذلك كانت السفريات التي قام بها قدماء الموظفين المغاربة والأعيان إلى الخارج لا تخرج عن مهمة تبليغ الرسائل في إطار البعثات الدبلوماسية أو ما كان يصطلح عليه وقتها بـ«السفارات»، أي مجموعة من الموظفين المخزنيين الذين كانوا يتوجهون إلى أوربا لغرض دبلوماسي، ينتهي بعودتهم إلى المغرب. وهنا وقعت أمور طريفة.. لنعد إلى التاريخ إذن.

عندما قرر إدريس البصري مواصلة دراسته.. والسبب زيارة لفرنسا
لم يكن إدريس البصري بطبيعة الحال أول وزير مغربي ينبهر بالحياة الأوربية. فقد روّج بعض الذين سخروا من نهايته السياسية عندما أقام وحيدا في باريس بعد إعفائه من وزارة الداخلية التي عمر فيها ثلاثة عقود، أنه تاه في شوارعها مرتين، ولم ينقذه إلا تذكره لاسم أحد الفنادق التي كان يتردد عليها في ذلك الوقت.
قبل إدريس البصري، العارف بدواليب المخزن وقيدوميه، كان هناك مبعوثون مخزنيون إلى أوربا، قبل زمن البصري بقرن ونصف، انبهروا بدورهم بالحياة الأوربية، بل حدثت لبعضهم «صدمة الحضارة»..
وربما يكون أحد المخزنيين القدامى واسمه ابن الهاشمي، أحد أقدم المسؤولين المغاربة الذين زاروا أوربا، لعطلة وليس لغرض دبلوماسي. فالرجل لم يذكر اسمه في أي سفرية رسمية إلى الخارج، لكنه تحدث في قصة وردت في مذكرات «خلف الكواليس المغلقة للقصر بفاس»، سنة 1909، وتحدث فيها للكاتب البريطاني عن تجربته في مانشستر، وهو ما يوحي أنه قضى فعلا عطلة هناك: « لقد كون لنفسه رأيا في ما رآه هناك. واخترع له تفسيرات انطلاقا من الطريقة المغربية في فهم الأمور. لقد أخبر أصدقاءه، الذين كانوا مهتمين كثيرا بتفاصيل الحديث، بأن النساء في بريطانيا لا يتمتعن بالحياء ولا يخجلن: «لم يكن يضعن غطاء على رؤوسهن، وكانت أفواههن مكشوفة للجميع. كانت بعض النساء يضعن ثوبا شفافا على وجوههن، لكنك تستطيع رؤيتها رغم ذلك. لقد كن يضعنه فقط من أجل منع الرجال من تقبيلهن في الشارع».
انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن عجائب السكة الحديدية: «بحق الله! رحلة من لندن إلى مانشستر، لا تكلف إلا ثلاثة أو أربعة دولارات فقط. إنها رحلة طويلة. أكثر من ألف ميل. أشهد الله أنني أقول الحق. تأخذ لنفسك مقعدا في مكان يشبه البيت ثم.. بووف.. الغرفة تطير بك. وبعد ثلاث أو أربع ساعات، بفضل الله تعالى، تصل إلى وجهتك. لكن النصارى «الكفار» أجبروني على دفع المال مقابل ورقة خضراء صغيرة. عندما ذهبت إلى مقعدي، جاء إلي «مخزني»، وقام بقطع جزء صغير من تلك الورقة. بعده جاء «مخزني» آخر، وقام بقطع جزء من الورقة مجددا، وكان يضحك على احتجاجي. عندما أنهيت الرحلة ووصلت إلى وجهتي، أخذ مني جندي يرتدي قبعة زرقاء، الورقة. بحق الله! إن النصارى كذابون ونصابون».
أما بخصوص إدريس البصري، فقد شاع في أوساط الجامعيين المغاربة وموظفي وزارة الداخلية ما بين نهاية السبعينات ومنتصف الثمانينات، أن إدريس البصري كان يفكر جديا في مواصلة مساره الدراسي، خصوصا وأن الأمر كان يثير حفيظته كلما جالس طينة من المثقفين والأطر الذين أتموا دراستهم الجامعية في فرنسا. وفي إحدى الزيارات التي قام بها رفقة الملك الراحل الحسن الثاني إلى فرنسا، شملت لقاء بين الملك الحسن الثاني وتمثيلية من الأكاديميين الفرنسيين، عاد بعدها إدريس البصري إلى المغرب مأخوذا بضرورة استكمال دراسته الجامعية، وهو الأمر الذي جر عليه وقتها سخرية المعارضة.

إبعاد عضو بعثة «مخزنية» بسبب لباسه في باريس سنة 1845
ربما تكون رحلة السفير المغربي، محمد بن عبد الله الصفار، إلى فرنسا سنة 1845، أقدم الرحلات التي قام بها المغاربة إلى بلاد الأنوار. وكان هذا السفير المغربي دون يوميات تضم انطباعاته رفقة الفريق الدبلوماسي التقليدي الذي رافقه في الرحلة التي كانت أيام المولى عبد الرحمن، لتصفية الأجواء بين المغرب وفرنسا بعد أزمة معركة وادي إيسلي، وتدهور العلاقات.
إلى اليوم، لا تزال هذه الرحلة التي قام بها السفير المغربي، محط اهتمام الباحثين والدارسين، وحتى الذين يبحثون فقط عن «التسلية»، خصوصا عندما يتوقفون عند مقاطع دونها السفير المغربي، يتحدث فيها عن الغرائب التي رآها لأول مرة، والاختراعات في الاتصالات والمواصلات بما فيها القطار والهاتف وصالات الموسيقى والمسارح.. كلها مظاهر جعلت البعثة الدبلوماسية المغربية تصاب بانبهار غير مسبوق، حتى أنهم حاولوا تفسير سبب تأخر المغرب وتخلفه الحضاري مقارنة مع الحياة الحديثة التي كان يعيشها الفرنسيون.
كان وقتها المولى عبد الرحمن، حسب بعض الإفادات التاريخية، قد توصل بمعلومات مفادها أن أحد الفقهاء ممن رافقوا السفير الصفار، كان يتحدث لبعض رفاقه بعد عودته من فرنسا أنه يفكر جديا في العودة إلى هناك، وأنه «صار يخجل من لباس الجلابة المغربية» بعدما رأى جمال اللباس الأوربي وحداثته، وأنه «لولا سفور النساء عند الفرنسيين لاصطحب زوجاته معه لكي يعيش نهائيا هناك». هذه الإفادة أدلى بها أحد أقدم أعيان مدينة طنجة، واسمه ابن عبد السلام، عندما كان في أوج وقته لأحد القناصة الأجانب، كما رواها له والده الذي استقبل الفقيه المغضوب عليه أيام المولى عبد الرحمن.
هذا الفقيه، الذي لم يشر المصدر إلى اسمه كاملا، تعرض لغضبة كبيرة في أوساط العلماء بسبب انبهاره بالحضارة الأوربية حتى بعد عودة الصفار من رحلته بسنوات. لكن المثير أن الأخبار التي وصلت إلى المولى عبد الرحمن كانت تؤكد أن الفقيه المعني بالقصة، قد قام فعلا باقتناء بذلة أوربية من أحد المحلات وحاول ارتداءها عندما كان السفير المغربي منشغلا بتقديم رسالة المولى عبد الرحمن والاستقبال الرسمي الذي خُصص له في مختلف المدن الفرنسية.
قد يكون الأمر مجرد دسيسة لإبعاد الفقيه الذي راح ضحية لباسه، وقد يكون من وجهة أخرى أمر إقدامه على ارتداء اللباس العصري في باريس صحيحا، وبالتالي استوجب غضبة محافظي «المخزن» عليه لكي يلقى ذلك المصير.
وحسب نفس المصدر فإن صاحبنا قد أصبح ضيفا «لاجئا» رفقة أفراد أسرته على والد الخليفة السلطاني أيام المولى الحسن الأول، وكان في ذلك التاريخ أي أيام المولى عبد الرحمن واحدا من كبار الأعيان، إلى أن مات بطنجة بعد أن صار ممنوعا عليه مخالطة كبار العلماء الذين كانوا ضيوفا دائمين على القصر الملكي، حيث كان لديهم مجلس للاستشارة، مقرب من السلطان.
قد تكون رحلة الصفار إذن مشهورة بالطرائف النادرة التي نقلها هذا السفير المغربي، وأقدم بعثة دبلوماسية مغربية إلى الخارج تم توثيقها بتلك الطريقة المثيرة. لكن أحد جوانبها المظلمة التي بقيت طي الكتمان، هي قصة هذا المرافق الذي تسبب لباسه في إنهاء حياته الدبلوماسية، رغم أنه كان من الخاصة الذين يرافقون الحاج الصفار قيد حياته في دواليب المخزن قبل أن يعينه المولى عبد الرحمن مكلفا بمهمة تلطيف الأجواء مع الفرنسيين.. وليس تقليدهم في حياتهم «الباريسية».

محمد الفاسي.. كاتب انبهر بحياة الإنجليز وقال إنها «مقرفة»
في سنة 1860، كان على المولى محمد الرابع أن يحاول فتح قناة التواصل مع لندن، خصوصا أن المغرب عاش على إيقاع أزمة بعد أحداث معركة تطوان وكان على الدبلوماسية أن تتحرك لحل المشاكل مع القوات الأجنبية الفرنسية التي كانت تحاول التوغل صوب فاس من الجزائر بالإضافة إلى تلويح قوات أخرى باحتمال فتح باب الحرب لاقتسام المغرب.
أمام هذا الوضع، لم يجد محمد الرابع أفضل من الحاج الأمين الفاسي، ونائبا له هو محمد المطاع، بالإضافة إلى محمد الطاهر الفاسي كاتب الرحلة الذي كانت مهمته التوثيق لها وتدوين الملاحظات لإطلاع القصر عليها عند العودة. لكنه كاد دون وعي منه أن يتسبب في أزمة حقيقية بين المغرب وبريطانيا بعد أزيد من خمسين سنة على رحلته. فقد كان القنصل البريطاني المعين في طنجة بعد وفاة المولى الحسن الأول، قد سمع من أحد أصدقائه الفاسيين أن هناك مخطوطا في فاس يضم توثيقا دقيقا للبعثة الدبلوماسية التي أرسلها المغرب إلى بريطانيا أيام محمد الرابع، وشعر أن عليه أن يُبرق إلى لندن بمضمونها. وكان عليه أن يطلع عليها أولا.
لم يجد القنصل بدا من التواصل مع بعض الفقهاء في طنجة، والذين درس بعضهم في جامعة القرويين بفاس، ووجد أن بعضهم يعلمون فعلا بوجود مخطوط محمد الفاسي، وأخبروه أنه يتحدث فيه عن المهمة الدبلوماسية التي كلفت بها البعثة بالإضافة إلى انطباعاته الشخصية عن الإنجليز، وأسرّوا له أنه قال إن بلادهم تنعم في الخيرات والتقدم العلمي والتقني على مستوى المواصلات والاتصالات لكن كل هذا لن يفيدهم في شيء لأنهم ليسوا على دين الإسلام، وأن بعض طبائعهم وعاداتهم سيئة جدا، وهكذا أبرق القنصل البريطاني لوزارة الخارجية رسالة قصيرة يقول فيها إنه علم بوجود التقرير عن البعثة الدبلوماسية التي توجهت من المغرب إلى لندن قبل 47 سنة (البرقية أرسلت أواخر سنة 1907) وقال في رسالته أن كاتب البعثة قال إن حياة مواطني بريطانيا «مقرفة».
ولو أن البريطانيين علموا بمضمون تقرير محمد الفاسي الذي اطلع عليه محمد الرابع بطبيعة الحال وأوصى الفاسي بالاحتفاظ به في أرشيفه الخاص إلى أن أصبح وثيقة تاريخية، لربما اندلعت حينها أزمة دبلوماسية جديدة بين المغرب وبريطانيا.
مرة أخرى، لكن في عهد الملك إدوارد السابع، قام القصر بإرسال وفد دبلوماسي لتهنئته على توليه الحكم في لندن. هذه المرة كان الوضع مختلفا، إذ أن المغرب كان يتوفر على «حكيم بريطاني» يتولى نصرة الموقف والسياسة المغربية بالخارج، يتعلق الأمر بالاسكتلندي ماكلين، والذي اصطحب معه الوزير المغربي المهدي المنبهي في تلك الرحلة. والمؤسف أن هذه الرحلة لم يتم التوثيق لها، رغم ما قيل عن الوزير المنبهي وانبهاره بالحياة في لندن، والصداقات التي ربطها مع موظفين بريطانيين، استقبل أغلبهم عند تقاعده في طنجة، بل وتعلم الرياضات التي كانوا يلعبونها مثل الغولف والتنس، لكي يتآلف معهم ومع طباعهم، لكن بعد أن انتهت أيامه في السلطة وأبعد مغضوبا عليه بسبب صداقاته مع الأجانب واتهامات وُجهت له بالاختلاسات.

ساعات أوربية من قنصل كلفت وزراء مغاربة مناصبهم
لم يكن المخزن التقليدي يتسامح، خلال القرن 19 وبدايات القرن العشرين، مع موظفيه وخدامه الذين كانوا ينجرفون وراء مظاهر الحياة الأوربية.
لا بأس هنا أن نذكر بالسياق التاريخي والصورة التي كان عليها موظفو المخزن والوزراء المغاربة في العقدين اللذين سبقا توقيع المغرب على معاهدة الحماية سنة 1912، وقبلهما بقليل.
تكون جيل من الوزراء كانوا يحفظون الشعر وينظمونه، وهذه طبعا هي المدرسة التقليدية التي كانت تخرج الوزراء ومدراء الدواوين والمستشارين الذين يوظفهم القصر دائما بناء على مستواهم العلمي التقليدي.
بدا هذا الأمر واضحا في مراسلاتهم الرسمية التي كانوا يرفعونها إلى القصر، إذ كانت أشبه بالمواعظ ولا تخلو من لغة الفقهاء التي تعلموها بفضل تكوينهم الديني القديم.
من أطرف ما روي في هذا الباب، أن السيد ماكلين أسكتلندي الأصول والذي أصبح برتبة «قايد» بعد أن قرر الاستقرار بالمغرب نهائيا كان يجد صعوبة كبيرة في التفريق بين الفقهاء والوزراء الذين لم يكونوا كذلك، وكان يجد أنهم في النهاية كلهم فقهاء ما داموا يحفظون القرآن الكريم ويواظبون على الصلاة ويكتبون خطاباتهم بلغة دينية عتيقة.
كان ماكلين يتأسف لضيوفه الأجانب في كل مرة يزورنه فيها، خصوصا منهم القادمين من طنجة التي كانت منطقة دولية تعج بمقرات القنصليات والسفارات الأجنبية التي تبحث لها عن موطئ قدم في شمال إفريقيا، إذ كانوا يسألونه إن كان يستطيع تنظيم حفلة يحضرها وزراء مغاربة للتعرف عليهم، لكن ماكلين كان يضحك كثيرا قبل أن يشرح لهم أن الوزير المغربي، وقتها، سواء كان وزيرا للعدل أو وزير تجارة، فإنه ينام باكرا حتى يستيقظ لصلاة الفجر، ولا أمل في حضوره لحفلة يأتي فيها القناصلة بزوجاتهم، لأن رؤية زوجة الوزير كان سابع المستحيلات في ذلك الوقت، وهكذا تكرست أكثر تلك النظرة التي راكمها الغرب عن الوزراء المغاربة بكونهم فقهاء محافظين لم يكونوا يعرفون أي شيء عن عالم «البروتوكول»، وهو ما كان يزيد من توسيع الهوة التي وقعت في وقت سابق بين موظفي الدولة المغاربة والوافدين الأجانب إلى المغرب.
هذا الأمر جعل الأجانب يقررون التركيز على عقد وساطاتهم مع التجار وبعض المخزنيين الذين كانوا بعيدين تماما عن عالم الوزارة ليتولوا مهمة تسهيل إقحامهم وسط منظومة «المخزن» حتى يستطيعوا النفوذ إلى أصحاب القرار، والفوز باتفاقيات مع المغرب.
في هذا السياق، حاول بعض معارف هذا المواطن الاسكتلندي، أي القايد ماكلين، استمالة قلوب المخزنيين والوزراء عبر تقديم الهدايا إليهم ودعوتهم إلى زيارة بعض الدول الأوربية. وقد تسبب أحد رجال الأعمال الإيطاليين من أصدقاء القايد ماكلين بطنجة، في أزمة كبيرة داخل القصر بعد وفاة المولى الحسن الأول، وقد غضب الوزير القوي وقتها باحماد كثيرا وكاد أن يسمح للمخازنية بتصفية بعض موظفي القصر لأنهم قبلوا بعض الهدايا من رجل الأعمال الإيطالي.
هذه الواقعة أشار إليها أحد الأطباء الألمان، والذي ترجمت مذكراته إلى الفرنسية سنة 1923، بحكم أنه تناول فيها تجربته القصيرة في المغرب. وكان يتحدث عن الطبيعة المحافظة لجل المسؤولين المغاربة، وأشار إلى أن رجل الأعمال الإيطالي كان يطمح، بعد فشل وزارة الخارجية في بلاده في الفوز بمكانة داخل المغرب، إلى استمالة قلوب بعض الأعيان والرسميين المغاربة، لكي يستطيع من خلالهم الفوز بتوقيع من القصر ويحتكر بالتالي استيراد وتصدير أنواع معينة من السلع بين المغرب وإيطاليا. لكن خطته باءت بالفشل، بعدما صادر الوزير القوي باحماد، الساعات الذهبية التي فاز بها مقربون منه مقابل السماح لرجل الأعمال الإيطالي بدخول القصر الملكي في فاس، بل وأن يحظى بموعد رسمي مع السلطان لكي يقدم له أوراقه ويُعتمد كمرخص له حصريا بالاستيراد والتصدير.
لم تتجاوز قدماه عتبة القصر، وعاد خائبا إلى طنجة، في حين أن أخبار الذين عاقبهم باحماد، وصادر ممتلكاتهم، لم يكن يعرف بشأنها إلا قلة من العارفين، بمن فيهم القايد ماكلين بطبيعة الحال، والذي رحل وفي صدره أسرار كثيرة عن دواليب المخزن ورجالاته الذين تقلبوا، أو تقلب بهم الزمن.

الحسن الثاني حرص على أن يبقى سفراؤه ووزراؤه محافظين
كان الملك الراحل الحسن الثاني يوزع خارطة مبعوثيه إلى الاتجاهات الأربع، حسب شخصيات هؤلاء المبعوثين وميولاتهم العلمية. فقد أرسل الذين يحملون الطابع المحافظ إلى رؤساء الدول التي كانت علاقته معها متشنجة أو متقلبة حسب مزاج رؤسائها الذين حاول بعضهم الإساءة إليه مثل القذافي وحافظ الأسد، بينما أرسل لبراليين وآخرين جمعوا بين المحافظة والحداثة إلى أمريكا وأوربا ودول عربية أخرى..
هذا الأمر يشهد به قدامى ومؤسسو السلك الدبلوماسي المغربي بعد سنة 1956. ولم يكن غريبا أن يظهر الملك الحسن الثاني في عواصم أجنبية ودول كبرى، باللباس التقليدي المغربي، حتى أنه كان يشدد على السفراء أثناء إحيائهم للمناسبات الوطنية داخل السفارات المغربية في الخارج، لكي يرتدوا اللباس التقليدي المغربي، وليس البذلة الأوربية. وهي العادة التي بقيت متوارثة إلى اليوم.
ربما يكون الملك الراحل الحسن الثاني قد ورث هذه الخصلة من والده الملك الراحل محمد الخامس، والذي بقي وفيا لجلبابه المغربي حتى في سنوات المنفى، ولم يظهر بالبذلة العصرية إلا في مرات نادرة كانت بعيدة في أغلبها عن الأجواء الرسمية.
كانت أخبار العطل التي يقضيها المسؤولون المغاربة بالخارج تصل إليه بانتظام، خصوصا عندما تحوم الشكوك حول الذمة المالية لبعض المسؤولين المغاربة. وكان وزير الداخلية إدريس البصري يتولى مهمة نقل التقارير الداخلية التي يتم إعدادها عن كل المسؤولين المغاربة الذين كانوا في مناصب المسؤولية ومن بينها عطلهم في الخارج هم وزوجاتهم وتنقلاتهم. وقد كان الملك الراحل الحسن الثاني ردد كثيرا في المجالس الوزارية، سنوات السبعينات والثمانينات، أنه سبق له إعطاء الأمر بمحاكمة سبعة من وزرائه بتهمة الفساد أودعوا السجن وأنه لن يتورع مرة أخرى في إعادة نفس العقوبة إذا استدعى الأمر ذلك لتأديب آخرين.
كان الملك الراحل الحسن الثاني يتضايق عندما تصله أخبار عن أحد السفراء المغاربة، خصوصا في الدول التي كان يحرص على أن تكون علاقاتها مع المغرب محاطة بالعناية الدبلوماسية الضرورية. فقد غضب الملك الراحل مرة على سفير في أحد الدول الآسيوية لأنه تماطل في نقل طلب بعثة علمية تضم باحثين في العلوم الشرعية أرادوا حضور الدروس الحسنية وزيارة جامعة القرويين، وحسب ما رواه مقربون من الوزير إدريس البصري الذي امتص غضب الملك وطلب منه العفو على السفير وعدم إقالته من منصبه، فإن الملك الحسن الثاني استشاط غضبا عندما توصل بمعلومات مفادها أن السفير لم يكن يحل بالسفارة إلا نادرا وأنه لم يقم بالترتيب لإحياء مناسبة وطنية في السفارة إلا في اللحظات الأخيرة بعد أن كان يخطط لقضاء عطلته في أوربا.
لا بد وأن بعض هذه التفاصيل قد تتشابه في حالات أخرى استوجبت غضبة من الملك الراحل بخصوص سلوكات سفرائه ومبعوثيه في الخارج. فأصل الداء، أو العطب، قديم كما يقال.
لم يخف الملك الراحل في حواراته الصحفية أيضا، والتي بث أغلبها على الهواء مباشرة، مواقفه المحافظة، وأبهر الفرنسيين في مرات كثيرة وهو يتحدث عن تاريخ الكنيسة مدافعا عن طابعه المحافظ وتمسكه بالتقاليد القديمة والخصوصية الدينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق