الوزارة المنتدبة لدى وزير الداخلية المكلفة بالتربية

الوزارة المنتدبة لدى وزير الداخلية المكلفة بالتربية

الوجه الأول، حتى لا نقول السطحي، لامتحانات الباكلوريا هذه السنة، وكما تتبعها الرأي العام، يفيد أنها مرت في «أجواء عادية»، لكن بالنسبة لكل المهتمين بالشأن التربوي، وعلى رأسهم المدرسين وبعض المفتشين والباحثين في مجال علوم التربية، فما حصل هذه السنة ليس إلا حلقة جديدة من حلقات الكارثة التي يرزح فيها التعليم المغربي، وهذا هو وجهها الحقيقي والخفي.
فإذا كانت وزارة التربية الوطنية تفتخر بحزمة الإجراءات «الأمنية» التي اتخذتها لمحاربة الغش، فإن السؤال الحقيقي هو: إلى متى ستظل هذه الامتحانات حدثا يطغى عليه الهاجس الأمني أكثر من الهواجس التربوية والتكوينية والتدبيرية؟ فما جرى في الدورة العادية لهذه السنة، وسيجري مرة أخرى في امتحانات الدورة الاستدراكية، هو تحول بلمختار إلى وزير منتدب لدى حصاد «المكلف بالامتحانات»، حتى لا نقول «مكلف بالتربية» لأن تفاصيل ما حدث لا علاقة له بالتربية لا من قريب أو من بعيد. وبمنطق الدولة، قد لا ننكر أهمية أن تتجند كل الأجهزة، بما في ذلك الأمنية والاستخباراتية في حدث وطني ذي طبيعة تربوية، لكن بمنطق التربية وأهلها، مادام الأمر يتعلق بوزارة قائمة الذات تحمل اسم «التربية الوطنية»، وليس «وزارة منتدبة لدى وزير الداخلية مكلفة بالامتحانات»، فنحن أمام وزارة فاشلة «حتى يعفو الله».
إن مشكلة تعليمنا لن يعالجها تعاون الشرطة والدرك ومنظومة العدالة، بل تلحها مراجعة البرامج والمناهج، وأساسا ترسيم مقاربة التدريس بالكفايات، كما فعلت فرنسا وبلجيكا عندما عملتا على ترسيمها سنة 2011 بظهيرين، رئاسي وملكي على التوالي، وهذا ينبغي أن يكون بالنسبة لنا أولى الأولويات. فما يحدث كارثي بكل المقاييس، حيث استمرار العمل بمفهوم المقرر، وإجبار المدرسين على التعامل مع البرامج الدراسية بمنطق كمي متخلف، ليجدوا أنفسهم مضطرين لاعتماد إملاء الدروس، أو نسخ بعض مكونات المقررات ورقيا وتوزيعها على التلاميذ، لأن أغلب المفتشين يحرصون على هذا، وبدل أن يتم تعزيز الأنشطة التعليمية-التعلمية التي تُنمي الكفايات بكل أنواعها، نجد الوزارة تعتمد أطرا مرجعية متناقضة تماما، ظاهرها يتبنى مقاربة التدريس بالكفايات، أما جوهرها فيُقَيِّم المعارف، أو على الأصح «تاريخ المعارف»، لأن المناهج الدراسية التي لم يتم تجديدها لأكثر من عشر سنوات هي مناهج تنتمي لتاريخ المعرفة وليس للمعرفة. والنتيجة هي تحول البرامج الدراسية إلى «سَلْكَة» كما هو الحال في التعليم العتيق، وتحول التدريس إلى «تحفيظ» والتقويم إلى لحظة يُرجع فيها التلاميذ/الطّلْبة بسكون اللام، البضاعة إلى أهلها، حتى إذا عجزوا عن ذلك، وفشلوا في شحن ذاكراتهم بـ«اللغو»، عمدوا إلى شحن ذاكرات هواتفهم واستعمالها في الغش.
إن المطلوب، اليوم، هو فتح هذا الورش الوطني المصيري، ولا معنى لكل هذا الاستنفار الهائل الذي يفرضه قطاع التعليم على الدولة والمجتمع كل سنة. فالحقيقة المؤلمة هي أن مسؤولي وزارة التربية الوطنية هم الذين حولوا الباكلوريا إلى هدف انتحاري، على أمل أن يأتي اليوم الذي نضع فيه اختبارات نسمح فيها للتلاميذ وكل المترشحين بالاستعانة بالوثائق دون مشكلة. فورش كهذا سيعني إعادة النظر جذريا في هذا الشكل الممسوخ من مواضيع الامتحانات، والتي لا تتجاوز عتبة المعرفة والتعرف la connaissance و la reconnaissance، بينما تظل مستويات التقويم الأخرى، والتي هي مستويات الكفاية بامتياز، غير مطروقة نهائيا، ونقصد هنا ما يسميه خبراء التربية بمستوى استعمال وتعبئة المعرفة، ثم مستوى «اتخاذ الموقف» أي «prendre position»، وهو مستوى غير مطروق تماما. ولمن شك في هذا نطلب منه أن يلقي نظرة على اختبار مادة الرياضيات الذي تم وضعه هذه السنة في شعبة العلوم التجريبية، وأيضا اختبار المادة نفسها في شعبة العلوم الاقتصادية، ثم أخيرا اختبار اللغة الإنجليزية الذي تم وضعه لشعبة الآداب، إنها اختبارات كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وإليكم المؤشر التالي: ماذا يعني أن يحصل تلميذ على ما دون 5/20 في الدورة العادية ويحصل على 18/20 في الدورة الاستدراكية؟ هل استطاع أن ينمى الكفايات النوعية لهذه المادة في ظرف أربعة أسابيع التي تفصل الدورتين، أم أنه فشل في «التذكر» أو جعل هاتفه «يتذكر» في الدورة العادية بينما استطاع فعل أحد هذين الأمرين في الدورة الاستدراكية؟
لذلك، لتكن لدى مسؤولي وزارة التربية الوطنية الشجاعة اللازمة للإجابة، وإلا كل عام وهم مجرد موظفين في «مندوبية تابعة لوزارة الداخلية مكلفة بتدبير الامتحانات».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة