الوزير الذي تقاعد بلا معاش

لم يكن الوزراء يغبطون شخصا على ما حباه الله من صفات الاسم، غير الوزير الذي كان وسيبقى كذلك يحمل اسمه، ولا يتأثر بتقلبات أحوال السياسة. فهو وزير مع حكومة التناوب وقبلها، وهو وزير في حكومة عبد الإله بنكيران، كما كان منذ تشكيلة مبارك البكاي.
يقولون عنه إنه الوزير الذي يقف يوما لأداء قسم التعيين، ومع ذلك فهو وزير؟ لم ينتسب إلى أي حزب سياسي، لكنه كرس اسمه وزيرا بلا انتماء. لم يتدخل لديه وسيط في الإشادة بأخلاقه ونزاهته، وبقي وزيرا يقول عن نفسه إنه «حي لا يرزق» مع وضع الضمة على الياء، إذ يرادف المعنى من لا يملك شيئا يندم على فقدانه.
كان ينافسه وزير واحد في مكوثه فترة أطول، هو مولاي أحمد العلوي الذي لم تسقط عنه صفة وزير الدولة، حتى وهو خارج الحكومة، وربما كان الفرق أن العلوي تنبه مبكرا أثناء عمله ناطقا باسم الديوان الملكي إلى ضرورة وجود وزير ينطق بصوت مرتفع في كل القضايا والملفات.
وحين مجالسته هو الناطق الصريح كوزير، تتحول كلماته وأمثاله إلى سلوك سياسي يفرضه على الخصوم والأصدقاء. حتى أنه التفت يوما إلى العمال في اجتماع رسمي وقال لهم: «كلكم هنا والبلاد تسير على ما يرام»، فتحسس الكثير من الولاة والعمال رؤوسهم التي أينعت، متسائلين إن كان جاء الدور ليذهب بعضهم إلى حال سبيله، ويريح البلاد والعباد.
لكن الوزير الأخير كان يخطب على طريقته في العمال وحتى الوزراء، فيضحكهم ويبكيهم، ثم ما يلبث أن يعود إلى حاله، يقضي يومه حاملا هذه الصفة، وفي بعض الأحيان يفقدها، لأنه يصبح «مجذوبا» تائها بين الصحاري والشعاب، أو مُهرجا يثير الضحك وينزعه من القلوب القاسية، أو يتحول إلى «حراز» يلم بالعناوين والتفاصيل وطبائع الأشخاص. وسبحان الله، فما الوزارة بالاسم أو العنوان، إنما هي «حظوة» لدى البعض وصدفة عند آخرين و«نضال» عند البعض وجاه ووجاهة بالنسبة لآخرين.
وكنت برفقة الزعيم الحركي المحجوبي أحرضان حين جاءه وزير يستأذنه في سفر في مهمة حكومية، وما إن غادر بيته، حتى قال أحرضان: «ها أنت ترى كيف أن بعض الوزراء يستشيرون في كل شيء، وما إن يشتد ساعدهم حتى ينقلبوا».
في قصة أن الوزير إياه جالس وزيرا آخر، لم يكن سوى رئيس الحكومة السابق عباس الفاسي، واكتفى في غضون ذلك بالصمت، بينما كان ثالثهما يتحدث بطريقة لا تترك موضوعا دون الإمساك بخيوطه. وفجأة انتبه الوزير الآخر إلى أن صديقه لا يفتح فمه. وحين سأله أجاب الأخير: «نحن الوزراء نفعل ولا نتكلم». وأشار إلى رفيقه أنه إذ يكون في حضرة وزيرين عليه أن ينتقي كلماته بدقة.
ضحك عباس الفاسي، الذي كان وقتها وزير الصناعة التقليدية والإنعاش الوطني، وأذعن لطلب الوزير ورفيقه في أن ينظما جولة مسرحية في بعض المدن المغربية بدعم من وزارته. فقد كان الوزير الآخر اسمه عبد الجبار الوزير الذي رافقه الفكاهي محمد بلقاس زمنا طويلا، وشكل الرجلان أول ثنائي فكاهي، وإن كانا يمثلان ضمن مجموعة من المنتمين إلى فرقة «الوفاء المراكشية» التي كان لصوتها رنينه في الآذان والأذهان.
عبد الجبار الوزير كان سعيدا باسمه، وكان في وسعه أن يفاخر بأنه إذا كان الوزراء لا يضمون وظيفتهم إلى أوراق الثبوت الإدارية، يوم كانت البطاقة الوطنية وجواز السفر يحيلان على المهنة، فإنه يثبت اسم الوزير كاملا على بطاقته الوطنية، فالأسماء لا تميز بين الوظائف، لكنها تتغير أو يتم إدخال تعديلات عليها حين يرتقي حاملها من منصب إلى آخر، أو يكون اسمه الحقيقي لا يلائم سمعته وصورته الفنية. ولعل الذين اخترعوا قصة الأسماء المستعارة كانوا مدركين أن حمل بعض الأسماء يصبح ثقيلا، بعد الشهرة والجاه.
يحبذ المشارقة حمل أسماء أبنائهم وبناتهم تكريما لهم، ومن لم يكن له أبناء اصطفى اسمه ملازما لتوصيف عسكري أو بطولة. كأن يحمل قائد فلسطين اسم «أبو الهول» متلازما مع الأهوال التي يتسبب فيها الكفاح الفلسطيني للكيان الإسرائيلي. وظل اسم «أبو نضال» مستعصيا على اقتفاء الأثر، مع أنه أهدر دماء فلسطين أكثر من إسرائيل.
مازحني صحفي عربي كان يشتغل في جريدة كويتية إن كنت أرغب في رؤية «أبو نضال». كنا وقتها في بغداد نحضر مؤتمرا شعبيا. وأقسم أنه رآه يحتسي قهوته في فناء أحد الفنادق، فيما كان العالم يبحث عنه، وهو مختفٍ وراء اسمه المستعار.
لكن عبد الجبار الوزير يعاني، ولشد ما تكون المعاناة قاسية بالنسبة لحامل اسم الوزير، بلا معاش ولا تقاعد.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة