الگرمومة

إنه، يا سادة، المال أو «لْمَانِي» بلغة العم سام أو «لارْجُونْ» بلغة موليير. وفي بلادنا المغربية، لا يستطيع المرء أن يحصره في اسم واحد، لأن الناس يطلقون عليه أسماء كثيرة تعكس درجة الحبّ الذي يكنونه له في قلوبهم. ومن ثمّ، يبدو من المستحيل أن يكلمنا أخونا المغربي دون أن يدرج أحد تلك الأسماء العديدة في حديثه.
وتختلف المفردات التي تطلق على المال في المغرب باختلاف المناطق الجغرافية والطبقات الاجتماعية؛ ولكنه يحظى بالأولوية نفسها تقريبا لدى الجميع. وإذا قمنا بالإنصات إلى الحديث الدارج بين شبابنا، سنسمع غالبا أسماء من قبيل «اللّعَاقة» و«الحْبّة» و«البينگا» و«عُمَرْ» و«الصُّولْدي» و«الصّرْفْ» و«الدِّينِيرُو» و«لْبَرَكَة» و«الرْزِيّْقْ» و«الحْصْيْصة».. وإذا طلب منا أحدهم قدرا من المال، فإنه سيقول لنا: «اكْحْبْ» أو «دُوّرْ» أو «تْفُوبْرْ» أو «مُوفِي» أو«مِيزِي» أو «خلّص» أو «تْهْلاّ» أو «قْهيوة» أو «لْگامِيلا».. وإذا أرفق الطلب بتحديد ما فسيكون بـ«الفرنك» و«الدرهم» و«الريالات» و«البساسط» و«الدّورُو» و«الشْقُوفا» و«الزْرْقا» و«القْرْفيا»..
ويصادف أن نسمع نعوتا أغرب، كأن يطلق على النقود اسم «الگرْمُومَة»، وبما يحمله من تعقيد يجده السامع في سياق الكلام مستساغا ومعبرا عن إحساس ناطقه. وفي مقطع من قصيدة زجل مغربي نقرأ للزجال الجرجاني: «كيفاش بغيتوها تزيان.. الصّنْكْ كُلشِي عليه عْوّال.. يلحّْن ميات موال وموال.. لا حْديث إلاّ علْ الگرمُومَة»..
يشاع أن المغاربة يحبون «الفلوس» كثيرا، وفي أحايين كثيرة يربطون مشاكلهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية بالمال كمسبب رئيسي ومباشر، ويؤمنون بأنه أصل كل الإخفاقات والمصائب التي تقع على رؤوسهم، كأنه لو توفر معهم لحلّت عقدهم واجتازوا عراقيلهم وفتحت في وجوههم كل أبواب السعادة.
عشق المادة يعمي بصيرة الإنسان ويدفعه إلى ركوب الأهوال من أجلها دون أن يفرق بين الحق والباطل، فيرمي بنفسه في المهالك عاصفا بمستقبله.
وتفاديا للآثار المدمرة للهوس بالمال، فإن امتلاكه أو إنفاقه ينبغي أن يكون في إطاره كوسيلة، وأن يبرمج الإنسان حياته على قدر ما يملكه منه، وألا يجعله غايته فتضيع أيام حياته في سبيل جني هذه «الگرمومة» التي تنبت أشجارها النادرة على قمم عالية من ورائها تقع الهاوية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.