الرئيسيةالملف التربوي

انتقادات واسعة لقرار العثماني السماح للبالغين 50 سنة بولوج مهنة التدريس

المصطفى مورادي

أثار القرار الاستثنائي لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني القاضي برفع سن الترشح لمباراة ولوج مهنة التدريس إلى 50 سنة بدل 45 التي حددتها مذكرة المباراة، (أثار) موجة انتقادات واسعة سواء في صفوف المهتمين والفاعلين في الشأن التربوي ببلادنا، أو في صفحات التواصل الاجتماعي..، حيث تساءل عدد من النشطاء عن خلفيات هذا القرار في وقت لم يصدر فيه ما يعرف بـ«الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات» التي نص عليها القانون الإطار في بابه السادس المخصص للموارد البشرية. هذه الدلائل التي يفترض، حسب القانون الإطار، أن تعتمد لـ«إسناد المسؤوليات التربوية والعلمية والإدارية، وتقييم الأداء والترقي المهني». إذ في الوقت الذي تواجه فيه منظومة التربية والتكوين تحديات تشبيب أطرها البشرية في ظل موجات الشيخوخة التي تجتاح القطاع منذ خمس سنوات، والتي أدت إلى حدوث خصاص غير مسبوق بسبب إحالة عشرات الآلاف إلى التقاعد، نلاحظ أن العثماني حرص على أن يلمع صورته شعبيا بقرار لا يخدم هذه المنظومة التي تنتظرها تحديات إصلاحية كبرى، تفرض أطرا شابة ذات تعليم متجدد وقادرة على التعلم الذاتي مدى الحياة. وليس «جدات» و«أجداد» أغلبهم مارسوا مهنا لعقود، وبعضهم حصلوا على تقاعد في مهن أخرى، من قبيل المهن العسكرية حيث يمكن الحصول التقاعد في سن 45 سنة.
مسؤول وزاري: نحن نصلح والسياسة تُفسد
تزامن قرار العثماني مع زيارة يقوم بها وزير القطاع، سعيد أمزازي، لفرنسا في إطار زيارة رسمية. هذا التزامن خلف تعليقات وتأويلات كثيرة، اتجهت أغلبها إلى كون العثماني لم يستشر وزير القطاع، بل هناك من ذهب إلى الحديث عن لمسة «انتقام» من طرف مستشار العثماني الجديد خالد الصمدي، غير أن مصادر موثوقة خاصة بجريدة «الأخبار» أكدت أن رئيس الحكومة عرض الموضوع على وزير القطاع، وهذا الأخير رفض المقترح جملة وتفصيلا، مبررا ذلك بكون القطاع في حاجة لأطر شابة ذات استعدادات نفسية وجسدية ومعرفية خاصة، لاسيما في ظل المرحلة الجديدة التي دخلتها المنظومة بعد صدور القانون الإطار. وأكد وزير القطاع، حسب المصادر ذاتها، للعثماني، أن المنظومة مقبلة على تغييرات على مستوى المناهج التربوية وكذا طرق التدريس وجيل جديد من مشاريع المؤسسة، وهي تغييرات نص عليها القانون الإطار في أبوابه الأربعة الأولى. فضلا عن ضرورة انتظار صدور ما أسماه القانون الإطار «الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات» التي نص عليها القانون الإطار في بابه السادس المخصص للموارد البشرية، حيث تعد مسألة الاستعداد لمزاولة المهنة أحد أبرز ملامح هذه الدلائل. وأضافت المصادر نفسها أن العثماني قرر السير على نهج سلفه بنكيران وتفضيل ممارسة صلاحياته التي تعود لزمن الوزارة الأولى. في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا بكونها شعبوية واضحة، لكون عدد كبير من الأشخاص الذين يستفيدون من هذا الإجراء هم «مناضلون» في الحزب، ودوما ما يتخذ منهم الحزب واجهات لممارسة التأثير على ملفات قطاعية كثيرة تهم فئات، لاسيما وأن فئة أطر الأكاديمية ستتجاوز الآن الثمانين ألف موظف، وبذلك يشكلون قاعدة انتخابية مغرية، ليس فقط حزبيا، بل ونقابيا أيضا، وذلك قبيل شهور معدودة من الانتخابات المهنية التي سيشارك فيها هؤلاء لأول مرة لاختيار ممثليهم. هذا القرار، وقياسا لهذه الخلفية الانتخابوية الواضحة، يضع العثماني في تناقض تام مع فلسفة إصلاح منظومة التربية والتكوين عموما، والموارد البشرية خصوصا. وهي الحقيقة التي خلفت غضبا كبيرا في صفوف كل مسؤولي الوزارة، تفيد المصادر نفسها، التي ختمت تصريحها الخاص لجريدة «الأخبار» بـ«نحن نصلح والسياسة تفسد»، في إشارة واضحة إلى كون هذا القرار لا يخدم إطلاقا مستقبل المنظومة.
الجودة.. السؤال المغيب
خطأ القرار الذي اتخذه العثماني يبدو واضحا في سياق كل التقارير الرسمية وغير الرسمية التي صدرت في مجال التعليم ببلادنا، وأكدت على أهمية إيلاء أهمية خاصة لمجال تكوين وتأهيل أطر التربية. أهمها ما ورد في الرؤية الاستراتيجية، وتحديدا في الرافعة التاسعة التي تحمل عنوان: تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير، حيث اعتبرت الرؤية هذا المجال «أسبقية أولى للرفع من الجودة». فهذه الرافعة التي تأتي في الفصل الثاني المعنون بـ «من أجل مدرسة الجودة للجميع»..، تجعل قرار العثماني يناقض تماما ما ينبغي تبنيه من إجراءات لضمان جودة التربية، وعلى رأسها توظيف أطر شابة ذات استعداد ذهني ونفسي ومعرفي وجسدي لأداء مهنة صعبة تتطلب، حسب دراسات دولية، خمس سنوات من الممارسة الفعلية المتبصرة، ومن التعلم الذاتي المستمر قبل أن يتمكن المدرس الجديد من تحقيق أولى مؤشرات جودة التدريس. وهو التوجه نفسه الذي ذهب إليه تقرير أنجزه المجلس الأعلى للتربية والتكوين أيضا تحت عنوان «الارتقاء بمهن التربية والتكوين والبحث العلمي والتدبير» الصادر قبل سنة من الآن.
فبخصوص معايير ولوج المهن التربوية، أكد هذا التقرير الاختيار الواعي لمهنة من المهن التربوية، والميل الفعلي لمزاولتها، وتملك المعارف والكفايات الضرورية لذلك، من الشروط الأساسية لولوجها، ولتشكُّل الهوية المهنية المرتبطة بها. لذلك، وحرصا على توفير قاعدة جديدة من الفاعلين التربويين تتعزز المدرسة المغربية بكفاءاتهــم، يتوجب اعتماد معايير الانتقاء لولوج المهن التربوية اعتبارا لما يلي: الميل إلى المهنة، والتوافر على الاستعداد النفسي لمزاولتها مهما اختلفت ظروفها، من قبيل: الشغف بالمجال المعرفي أو التقني للتخصص، ومتعـة العمـل مع الناشئة (التلاميذ أو الطلبة أو متدربو التكوين المهني). انتقاء أجود الكفاءات استنادا إلى معايير ومؤشرات تراعـي خصوصيات ومتطلبات كل مهنة تربوية، بقطاعات التربية والتكوين المختلفة، من حيث الإشــهاد، والتوفر على المعارف واللغات والقدرات والكفايات، التي يحددها الإطار المرجعي الخاص بكل مهنة، مع العمل المتواصل على تنمية القـدرات والمعارف، والتواصل الإيجابي، والعطاء المبتكر والمبادرة الخلاقة.
هذه الواصفات يبدو فعليا أن العثماني لم ينتبه إليها وهو يسمح بتوظيف أشخاص، بعضهم جد أو جدة لأحفاد، وبعضهم مقاولون سيزاولون مهنة التدريس كمهنة ثانية، وبعضهم متقاعدون من مهنة ووظائف أخرى.
بنكيران كان السباق لهذا «العرف»
قرار العثماني كان مفاجئا لكثيرين لأن المرحلة الحالية التي تمر منها المنظومة بعد صدور القانون الإطار تفترض وضع نهاية للأعراف التدبيرية السابقة. ففي السابق كان رئيس الحكومة آنذاك عبد الإله بنكيران يوقع شخصيا على رسائل اسمية، موجهة لوزير التربية الوطنية والتكوين المهني السابق رشيد بلمختار، يأمره فيها بتسجيل المدرجين في لوائح كانت تأتيه من دواوين وزراء حزبه وكذا من البرلمانيين، وهي لوائح خاصة بأبناء الحزب فقط، تمكنهم من مباراة ولوج مهنة التدريس بالرغم من تجاوزهم السن القانوني الذي حددته مذكرة منظمة للمباراة في 45 سنة، وذلك بناء على ما تسميه مراسلاته «ملتمسات» توصل بها رئيس الحكومة في هذا الشأن.
وفي السياق ذاته، يتذكر مجموعة من المتتبعين لشأن التربية والتكوين، احتجاج أعضاء حزب العدالة والتنمية على قرار مماثل اتخذه الوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي تم خلاله توظيف مجموعة من ضحايا سنوات الرصاص في سلك الوظيفة العمومية بالرغم من تجاوزهم السن القانوني لذلك، وكان من ضمنهم مناضلون معروفون داخل منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، تعرضوا للسجن والمتابعات المختلفة في التسعينات. وأغلبهم تم توظيفهم في سلك التعليم، حيث احتج إخوان بنكيران آنذاك على ما اعتبروه ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص في استفادة هؤلاء دون غيرهم من قرار كهذا. القرار اعتبرته الحكومة آنذاك يدخل ضمن صلاحيات الوزير الأول، وها هو القرار ذاته يتخذه رئيس الحكومة، ويستفيد منه أشخاص معينون قُبيل الانتخابات القادمة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق