GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

انكسار «النواة الصلبة» لمنظومة أصدقاء سورية

انكسار «النواة الصلبة» لمنظومة أصدقاء سورية

عندما سئل المرشح المستقل للرئاسة الأمريكية غاري جونسون، من قبل مقدمي برنامج إخباري صباح الخميس الماضي، عما سيفعل إذا ما فاز في الانتخابات بشأن مدينة حلب، أجاب بسؤال “ما هي حلب هذه؟” ولا نعتقد أن الكثير من المسؤولين الأمريكيين في الادارة الحالية يملكون إجابة أفضل، وأكثر تحديدا ووضوحا، بما في ذلك جون كيري وزير الخارجية والطاقم المساعد له.
نلجأ إلى هذه المقدمة بمناسبة انهيار التوقعات بقرب التوصل إلى اتفاق بين القوتين العظميين، أمريكا وروسيا حول سورية، أثناء لقاء القمة بين الرئيسين باراك أوباما وفلاديمير بوتين، على هامش اجتماع زعماء الدول العشرين في مدينة هانغتشو الصينية قبل بضعة أيام، وتعثر عقد اللقاء المقرر بين وزيري خارجيتهما الذي كان مقررا الخميس والجمعة الماضيين في جنيف، والاكتفاء باتصال هاتفي بينهما.
المعلومات المتواردة من كواليس قمة الدول العشرين، كانت تؤكد أن الاتفاق بين بوتين وأوباما حول سورية كان مؤكدا، حتى أن الاستعدادات لعقد مؤتمر صحافي مشترك لكل من جون كيري وسيرغي لافروف اكتملت لإعلانه، ونضيف معلومة أخرى تؤكد ما قلناه سابقا، وهي أن مايكل راتني المبعوث الأمريكي إلى سورية بعث برسالة إلى المعارضة السورية من أربع صفحات يوم الثاني من شهر (شتنبر) الحالي يبلغها فيها بأهم بنود الاتفاق، وهي هدنة دائمة يتوقف فيها إطلاق النار، والقصف الجوي السوري والروسي، وإيصال المساعدات الانسانية، والبدء في العملية السياسية فورا، وهذا ما يفسر عقد اجتماع للنواة الصلبة لمنظومة أصدقاء سورية في لندن، وإعداد المعارضة السورية خطة من ثلاث مراحل للتسوية السياسية.
ثلاثة عوامل رئيسية أدت إلى انهيار هذا الاتفاق في رأينا، ودفعت روسيا للتراجع عنه في صيغته النهائية، ومطالبها بتعديلات لبعض البنود المتعلقة بوقف إطلاق النار:
الأول: التقدم الكبير الذي حققته قوات الجيش العربي السوري في جبهة جنوب غرب حلب، واستعادتها لمنطقة الكليات العسكرية، والراموسة، وإعادة إحكام حصارها على حلب الشرقية.
الثاني: الصفقة التي عقدها التحالف الروسي الايراني السوري مع تركيا في الغرف المغلقة، ويقضي بتراجع الدعم التركي لقوات المعارضة في حلب، ووقف الامدادات العسكرية لها مقابل السماح لها، أي تركيا، في المقابل بالتقدم نحو مدينتي جرابلس والباب، وإنهاء الوجود العسكري لقوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية في المدينتين، والشريط الحدودي على طول الحدود التركية السورية في الشمال الغربي.
الثالث: حدوث انقسام في صفوف المعارضة السورية، وانسحاب بعضها المفاجئ من جبهة حلب، وترك الفصائل السلفية “القاعدية” مثل أحرار الشام، وفتح الشام (النصرة سابقا) تقاتل لوحدها، وانضمام هذه الفصائل إلى القوات التركية المتقدمة نحو جرابلس والباب، وتشير أصابع الاتهام بالخذلان التي وجهها الشيخ عبد الله المحيسني، مفتي أحرار الشام الشرعي إلى الجيش الحر، وحركة نور الدين زنكي، ولواء السلطان مراد، ولواء الصقور، ولواء الحق، ولواء الحرية، والقائمة تطول.
الاتصالات بين الجانبين الروسي والأمريكي ما زالت مستمرة، والخلافات ما زالت على حالها أيضا، حيث يتهم الجانب الروسي نظيره الأمريكي بعدم الالتزام باتفاق سابق بالفصل بين المعارضة المعتدلة عن نظيرتها المتشددة.
لا نستبعد أن تكون التصريحات التي أدلى بها السيد رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للمعارضة السورية (كتلة الرياض)، أثناء شرحه للمراحل الثلاث للخطة التي تقدم فيها إلى مؤتمر أصدقاء سورية الذي انعقد في لندن، وقال فيها إنه لن يقبل بوجود الرئيس بشار الأسد يوما واحدا، ولا دقيقة واحدة، في المرحلة الانتقالية قد لعبت دورا رئيسيا في انهيار اتفاق الهدنة الأمريكي الروسي.
السيد حجاب ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما قال إنه لن يقبل ببقاء الرئيس الاسد وأعوانه في سورية، لتجنب تكرار تجربة الرئيس علي عبد الله صالح في اليمن، فبقاء الاخير لم يؤد إلى تهدئة الاوضاع بل زادها اضطرابا، ولكنه شدد أيضا، أي السيد حجاب، على ضرورة الاستفادة من تجربة العراق بعد الاحتلال وأخطائها، مثل حل الجيش العراقي والاجهزة الامنية ومؤسسات الدولة.
يتساءل المراقبون عن القوة التي يستند اليها السيد حجاب عندما يدلي بمثل هذه التصريحات المتشددة حول ضرورة رحيل الاسد، في الوقت الذي تجنب التطرق اليها، وتكرارها، السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي الذي شارك في اجتماع لندن، وطالب والوزراء الخليجيين المشاركين الآخرين المعارضة السورية بالتحلي بالموضوعية والواقعية في مطالبها، فهو صاحب حقوق النشر لهذه العبارة.
الوفد الرسمي السوري لا نعتقد أنه يقبل المشاركة في عملية سياسية مع وفد السيد حجاب المعارض المطالب برحيل رئيسه قبل بدء المرحلة الانتقالية، أي أن يظل هذا الرئيس في السلطة لستة اشهر فقط، والادهى من ذلك أن ينخرط وفده في مفاوضات لرحيله ومن يقول بغير ذلك لا يعرف النظام السوري، وآليات عمله، حتى لو كان في مقام السيد حجاب، الذي عمل وزيرا ورئيسا للوزراء في حكومته قبل انشقاقه.
المتحدث باسم الخارجية السورية سخر بشدة من بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني الذي طالب بالشيء نفسه في مقالة نشرها في صحيفة “التايمز″، أي رحيل الأسد، عندما أكد أن السيد جونسون ليس له علاقة بالواقع ومنفصل عنه تماما.
المتحدث السوري محق تماما في سخريته، فقد علمت من وزير عربي كبير التقى المستر جونسون قبل بضعة أسابيع، أن الاخير يحتاج إلى دروس مكثفة ليعرف أبسط تطورات الأمور الدولية، ناهيك عن قضايا الشرق الأوسط المعقدة، وعلى رأسها الأزمة السورية.
اجتماع “النواة الصلبة” لمنظومة أصدقاء سورية الذي رأسه الوزير جونسون في لندن قبل يومين، لم يكن صلبا على الاطلاق، ويؤشر غياب عدة وزراء خارجية أبرزهم كيري عنه، علاوة على وزير خارجية الأردن، ليس إلى انهيار مجموعة أصدقاء سورية فقط، وإنما نواتها الصلبة أيضا.
الأرجح أن السيد حجاب سيرحل من منصبه كقائد للمعارضة قبل رحيل الرئيس الأسد بأشهر، وربما سنوات، مثلما قال لي أحد المعارضين السوريين الكبار الذي لا يكن ودا للاثنين، ويتمنى رحيلهما معا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي فلسطيني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة