بان بوجهك

بان بوجهك

النقاش الذي أثاره بلاغ وزارة الداخلية الذي يمنع خياطة وبيع البرقع، وليس ارتداءه كما فهم البعض، نقاش إعلامي حيوي وضروري في مجتمع مثل المغرب طبقته السياسية مشغولة بالجري والتسابق وراء الحقائب والمناصب، فيما مثقفوه أو أشباههم منفصلون عن قضايا المواطن اليومية وغير قادرين على تقديم أجوبة للإشكالات الفكرية المطروحة على المواطن.
ولعل المثير في قضية حظر خياطة وبيع البرقع هو أن الأغلبية الساحقة من الذين عبروا عن موقفهم الرافض لقرار الداخلية كلهم رجال، أي أنهم ليسوا هم المعنيون بهذا المنع بل النساء، مما يكشف عن عقلية الوصاية التي مازال يفرضها أمثال هؤلاء الناس على المرأة.
هناك من رأى أن القرار صائب، وهناك من رأى فيه مسا بالحريات الفردية، وهناك من فضل لو أن الأمر طرح للنقاش العمومي قبل اتخاذ قرار رسمي.
والواقع أنه في سياق أمني عادي كنا نقول «كلها يلبس كي بغا»، لكن في سياق أمني محلي وإقليمي ودولي مضطرب يستغل فيه الإرهابيون كل شيء للتخفي من أجل سفك الدماء، فمنع ارتداء البرقع مسألة مطلوبة وليس فقط منع خياطته وبيعه، ولو كان ارتداء البرقع الأفغاني أمرا عاديا كما يقول البعض فهل سيكون عاديا ومسموحا للرجال بالخروج للشارع واضعين «قب» فوق رؤوسهم لا يظهر منه سوى العينين ؟
عندما تكون المرأة في بيتها فهي حرة فيه، تلبس لزوجها النقاب أو تبقى عارية فهذا شأن خاص، ولكن عندما تقرر المرأة الخروج إلى الفضاء العام المشترك فكشف الوجه وإظهار الهوية ضروري لدواع أمنية أولا وأخيرا، «زعما الناس عاشقين يشوفو وجوه شي وحدات، را غي هاد الويل ديال داعش هوا اللي فرض هاد الشي».
سيقول البعض إن الإرهاب حالة نفسية وإن الإرهابي يمكنه أن يلبس سروال «جينز ليفيس» ويضع «كاسكيطة أي لوف نيويورك» وحذاء «نايك» ويفجر بها نفسه، نعم هذا صحيح فمن قتل 39 شخصا في ملهى ليلي بتركيا لم يكن يلبس «سروال مقزب ورجليه المفلحين خارجين ليه من البلغة»، بل كان يلبس لباسا أوربيا والتقط سيلفي لنفسه قبل تنفيذ جريمته، لكن هذا لا يلغي الآخر.
أولا البرقع الأفغاني ليس زيا إسلاميا ولا شرعيا، بل هو من الناحية الأمنية زي تنكري، ومن الناحية الجمالية زي خالي من الذوق، و»زايدون كاين الدين وكاين مظاهر التدين»، نحن مع الدين وليس الدين هو مظاهر التدين.
والدليل على ما نقول هو أن واحدا من أشرس المدافعين عن البرقع والنقاب هو بنحماد، وفي الأخير ضبطوه في سيارته بشاطئ المنصورية يمارس الجنس في مكان عام مع أرملة صديقه.
فمظاهر التدين لا تعني بالضرورة أن صاحبها إنسان قويم السلوك. وفي المغرب، وكثير من بلدان الإسلام، أصبحت اللحية والسبحة والمسواك والنقاب «أدوات النصب» الجديدة التي يستعملها النصابون للإيقاع بضحاياهم، خصوصا في المجتمعات المتخلفة التي ما زالت تعتبر المظهر انعكاسا للحقيقة.
وينطبق هذا الوصف على الطبقات «المتعلمة» وليس فقط على الطبقات الشعبية محدودة الوعي، فأنت تسمع عن أستاذ جامعي وتعتقد أن مستواه يرقى إلى شرف الجامعة، وعندما تقرأ الأسئلة التي يطرح على طلبته تكتشف أنه ينتحل صفة أستاذ جامعي ظلما وعدوانا.
وقد وصلت الضحالة الفكرية التي يعيش فيها هذا الفكر حدا وضع فيه أستاذ بجامعة عبد المالك السعدي، في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سؤالا على طلبته في مادة علم الإجرام كالتالي: يقول الرسول (ص) تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك. فسر هذا الحديث تفسيرا علميا في ما يتعلق بالسلوك الإجرامي للشخص ؟
أما السؤال الثاني فلم يترك للسؤال الأول ما يقوله، وهو كالتالي «هل للإعلام دور في السلوك الإجرامي للشخص ؟
«دابا هادا ردنا محرضين على الإجرام كاع».
وانظروا أي درك وصله تحصيل العلم في الجامعات المغربية تحت حكم هؤلاء البوجاديين.
وبالعودة إلى قضية البرقع أو النقاب فالقضية ليست قضية شرعية أو قضية أن البرقع دخيل على الثقافة المغربية، فكل اللباس الذي يرتديه المغاربة دخيل على ثقافتنا بما في ذلك الجابادور والدفينة وغيره مما جاءنا من العثمانيين والشام والأندلس، و«شنو كانو كايلبسو المغاربة هادي واحد 100 عام، المخير خارك جلابة ولابس بلغة فرجليه وطالق الكرن»، وإنما المسألة لا علاقة لها بلباس دخيل أو أصيل، بل لها علاقة بالظروف الأمنية العصيبة التي يجتازها العالم والتهديدات الإرهابية التي تتربص بالمغرب.
و«حتى واحد ما يعطينا الدروس» في الدفاع عن الحجاب، لأنه يكفي العودة إلى «غوغل» لمعرفة عدد المقالات التي خصصتها للدفاع عن حق المحجبات في العمل بحجابهن، ودافعت عنهن عندما أصدر بنهاشم مذكرته التي تمنع موظفات مندوبية السجون من وضع غطاء الرأس، وعندما منع بنهيمة في لارام لبس الحجاب وفي أماكن أخرى، لذلك فأنا أكبر مدافع عن حرية النساء في ارتداء ما بدا لهن، لكن البرقع ليس هو الحجاب، فهو ليس زيا عاديا بل زي تنكري يمنع من معرفة هوية حامله في الأماكن العامة، وهذا مناف لقواعد الأمن العام.
إن المبدأ الوحيد الذي يجب الاحتكام إليه في قضية الحجاب في أماكن العمل، هو هل يعيق هذا الحجاب حاملاته عن أداء عملهن بالشكل الذي تؤدي به الموظفات الأخريات اللواتي اخترن ألا يحملنه عملهن أم لا.
إنه لمن الظلم للمرأة المغربية أن يتم منعها من ولوج سوق الشغل في بلدها المسلم وفق كفاءتها ومؤهلاتها العلمية والأدبية، لمجرد أنها اختارت اللباس الذي ترتاح فيه. في الوقت الذي تفتح فيه دول علمانية أذرعها لاستقبالهن في إداراتها الرسمية وشركاتها الخاصة، حيث الحرية الدينية والاختلاف والحريات الفردية حقوق يضمنها الدستور والقانون.
أما المدافعون عن ارتداء البرقع بحجة أنه زي شرعي فهؤلاء يلوون عنق الأحاديث النبوية لتبرير ارتداء ثوب يمنع الرجال الغرباء من رؤية وجوه نسائهن، ولو أنهم فعلا مؤمنون بهذا المبدأ لما قبلوا أن تنزع نساؤهن الثوب عن وجوههن لالتقاط الصور الشخصية لاستخراج البطاقة الوطنية وجواز السفر، ولرفضوا أثناء أداء شعيرة الحج أن تنزع المنقبات نقابهن.
إن تغطية الوجه بالكامل تطرح اليوم سؤالا أمنيا لن يستطيع المتحمسون للدفاع عن البرقع الإجابة عنه، وهنا نكتفي بمثال واحد، ويتعلق الأمر بقاعة المراقبة التي أعطى الملك أشغال انطلاقتها بالدار البيضاء حيث توجد 700 كاميرا متطورة للسهر على أمن المواطنين وممتلكاتهم، هذه القاعة مجهزة بنظام معلوماتي للتعرف على الأشخاص عن طريق ملامح الوجه، كيف يمكن لهذا النظام المعلوماتي أن يشتغل إذا لم تكن وجوه المواطنين مكشوفة ؟
ثم من يضمن أن لابس البرقع ليس رجلا مبحوثا عنه يتحرك متنكرا في ذلك الزي، فالأرداف والأثداء البلاستيكية اليوم تشترى وتستعمل للتمويه حتى من طرف بعض النساء، ومن المحتمل أن يلجأ بعض المجرمين أو الإرهابيين لهذا النوع من التنكر لإخفاء هوياتهم.
ومثلما يجب أن يتم التعامل بصرامة مع مظاهر دعشنة المجتمع والدعوات المشيدة بالإرهاب فيجب أيضا عدم التسامح مع الميوعة التي أصبحت تتفشى في المجتمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويبدو أن التساهل مع «زعماء» هذه الميوعة المنحلة التي لا تقيم احتراما لا للدين ولا للآداب العامة ولا للقانون يجعلنا قريبا «نوحلو مع هاد الرباعة ديال المخنتين اللي كايسحاب ليهم روسهم ثوار من درجة تشي غيفارا».
فهذه زينب الغزوي، مؤسسة حركة مالي للدفاع عن الحرية الجنسية والإفطار العلني في رمضان وزواج الشواذ في ما بينهم، ترى أن الحل هو مسح الدين الإسلامي ومعه الأديان الأخرى كلها من الوجود فهذه أحسن خدمة يمكن تقديمها للنوع البشري.
وأبرز مثال على هذه الميوعة والاستفزاز البليد لمشاعر الناس ذلك البرنامج الذي يصوره أصحابه في بار ويجلسون لاحتساء الروج والبيرة وتبادل الشتائم بينهم، مقنعين أنفسهم بأنهم يقودون ثورة في المجتمع.
رضا بنشمسي، الناطق باسم منظمة العفو الدولية، قال إنه كان يتمنى أن يرى هذا البرنامج في التلفزيون العمومي المغربي، أي أنه يتمنى أن يجلس المغاربة مع أبنائهم ويسمعوا أحد ضيوف البرنامج يقول لإحدى منتحلات مهنة الصحافة «جمعي ك…».
ونحن نقول لبنشمسي «سير دبر ليهم فالميريكان على شي قناة تدوز ليهم برنامج فيه الضيوف شاعلين الكارو وحاطين فلاغ سبيسيال والروج وكايخسرو فالهضرة، وشوف واش غادي تلقاها»، فأمريكا التي تؤوي منظمتها بنشمسي بتوصية من مولاي هشام، هي أكبر دولة تتشدد في منع هذه الموبقات في تلفزيوناتها.
والمصيبة أن فكرة البرنامج منقولة من برنامج فرنسي شهير كان يقدمه تيري أرديسون اسمه 93Faubourg Saint- Honoré أما اسم البرنامج فمنقول من الفيلم الشهير le dîner de cons، الشيء الوحيد الذي ليس منقولا في هذا البرنامج هو المحتوى ولذلك فقد نجحوا في تقديم محتوى فقير معرفيا ورديء لغويا وسطحي إعلاميا.
إن التطرف مرفوض في الاتجاهين، سواء كان تطرفا في فهم الدين أو غلوا في تبني أفكار التحلل والميوعة.
والذين يخفون وجوه نسائهم تحت البرقع لا يقلون خطورة عن الذين يدعون لتعرية المجتمع من كل القيم والأخلاق.
والحل ليس في سن القوانين وركنها في الرفوف، بل في سنها وتطبيقها، حرصا على سلامة الوطن والمواطنين الجسدية والروحية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة