بحثا عن حقيقة التدين

بحثا عن حقيقة التدين

الحياة الدينية في البادية التي عشت فيها طفولتي طبعتها ثلاثة مظاهر أساسية:
المظهر الأول: «بوشتى» ودوره الأساسي في تعليم الأطفال القرآن والمبادئ الضرورية من الدين، وهي مهمة نبيلة حافظت على آيات الله منقوشة في الصدور على مر الأزمان.. لكن الفقيه خان الأمانة، ونكث عهده مع القبيلة التي آوته وأطعمته، فهتك عرض أطفالها وتحرش بنسائها وأذاع الخرافة والشعوذة بين أهاليها، وكتب الحروز باسم آيات الله.. أكيد أن «فقهاء» البادية ليسوا كلهم على شاكلة «بوشتى»، فمنهم الشريف والعفيف والطاهر، لكن فيهم أيضا الوضيع والمحتال والنصاب..
لم تفرط باديتنا في تحفيظ أولادها القرآن.. كانت «الزاوية» المؤسسة التعليمية الوحيدة التي استطاعت أن تقاوم قرونا من الجهل وتحافظ على الأقل على قراءة كتاب الله آناء الليل وأطرافا من النهار..
في العقود الأخيرة، بنت الدولة مدرسة عصرية تبعد عن دوارنا كيلومترات معدودة.. أصبح أولياء التلاميذ يفضلون أن يلتحق أبناؤهم بالتعليم العصري بدلا من تحفيظهم القرآن الكريم، وكنت واحدا من هؤلاء.. شيئا فشيئا، اندثر تحفيظ القرآن تماما من دوارنا، وانقطع دابر «الفقهاء»، ولم تبق الآن إلا الأقلية القليلة ممن يحفظونه ويرتلونه في المساجد والمآتم، وأيضا في الأفراح والمناسبات السعيدة..
أما المظهر الثاني من مظاهر التدين في باديتنا، فهو تعلُّق الناس بالمتصوفة وحبهم الكبير لمشايخها وشغفهم بذكر الله والثناء على رسوله والاستغاثة بالأموات قبل الأحياء.. قبيلتنا ورثت هذا الدين عن أجدادها الأوائل وعن «أوليائها» الذين دفنوا فوق ترابها.. مع مرور الزمان تبخرت روح التصوف وبقي جثة هامدة، لا يزكي نفسا ولا يحيي قلبا ولا يقوي عزيمة.. لم تُجَدَّد قبيلتنا تدينها وصوفيتها، وإنما حافظت على الأشكال والرسوم، فبهت الدين داخل النفوس وبواطن القلوب.. كان من أبطال التصوف في قبيلتنا الشيخ ذو اللحية البيضاء، و«دحمان الشريف» الذي لم يكن يوما بالعفيف مع أن شباب دوارنا كانوا ينعتونه بـ«الظريف»..
يحكي والدي أن باديتنا زاغت كثيرا، أيام «السيبة» (خروج بعض القبائل المغربية عن سلطة المخزن)، عن بعض أحكام الشرع باستثناء ما تبقى من رسوم المتصوفة، فكانت تُنتهك الأعراض، وتُسبى النساء، وتُسرق المواشي والبهائم، ويُقتل الرجال بعد كل غارة غادرة تشنها علينا قبيلة مجاورة.. يحمد والدي الله أن الأمور تحسنت كثيرا بعد ذلك، مقارنة مع ما عاناه في الصبا من قهر الاستعمار وبطش الفقر، وما عاشه آباؤه من ويلات «السيبة» وخيانة القبائل المجاورة..
يحكي أبي أن إحدى زوجات جدي اختطفها شيخ قبيلة معادية، بعد أن أغاروا علينا ذات ليلة ظلماء، فهدموا خيامنا وسرقوا أغنامنا وأبقارنا، وقتلوا رضعنا، وأحرقوا غلاتنا ومحاصيلنا ومخزوننا.. فهبَّت قبيلة جدي للدفاع ـ بمعاونة دواوير قريبة ـ عن عرضها ومالها وشرفها، فاستشهد هو، وسبى الأعداء زوجته الجميلة.. تزوجها بعد ذلك شيخ القبيلة الغادرة عنوة، وأنجب معها أولادا.. أما أفراد قبيلتي، فقد هاموا على وجوههم، وتفرقوا في الأمصار شيعا، وأصبحوا أثرا بعد عين..
أما المظهر الثالث من مظاهر الحياة الدينية في باديتنا، فهي ما كانت تقوم به والدتي من «عبادة» النخلة.. دأبت على زيارتها، وإشعال الشموع في جوفها، وتعليق بعض التمائم والملابس على جنباتها.. كانت تتعامل مع النخلة مثل كائن حي، تخاطبها وتشكو إليها آلامها وآمالها (تعودت الحديث أيضا مع الحيوانات).. لم أفهم كيف كانت تستيقظ في الصباح لتصلي الفجر، وبعدها تأخذ سبحتها الخضراء لتذكر الله، وفي الظهيرة يأتيها أخي بالتميمة، فتعلقها على عنقها أو تحيط بها بطنها، وفي المساء تشعل شمعتها على جانب الوادي، بعد أن تمسحت بعتبات الولي الصالح «سيدي العياشي».. عجبت كيف تستغيث أمي في الوقت نفسه بالله تعالى وبشيخ الطريقة (أحمد التيجاني) وبالولي الصالح الراقد في دوارنا..
عشت تائها وسط هذا الخليط من الاعتقادات والأوهام.. ترعرعت في البادية بلا دين.. كنت أبحث عن حقيقة الأشياء ولا أجد من يرشدني إليها.. كبرت وسط حقل من الألغاز.. انتظرت سنوات وسنوات لأفهم تفاصيل عابرة من حياتي.. عندما هاجرنا إلى «المدينة» ارتميت في أحضان الجماعات الإسلامية، ووَجَدَتْنِي صيدا ثمينا قابلا للتشكل وفق هواها.. ووَجَدتُ فيها أنا بدوري ضالتي.. اعتقدت أنه بواسطتها يمكن أن أنتقم من «المخزن» الذي سجن أبي.. ومن «الشيخ» الذي وشى به.. ومن «الدركي» الذي عذبه في السجن.. ومن «الوزير» الذي سرق الماء…
انتميت بعد هذا كله إلى الحركة الإسلامية لأفضح الفقيه «بوشتى».. لأفند مزاعم الشيخ ذي اللحية البيضاء.. لأنال من «الشريف دحمان» على استهتاره واستهزائه بالدين.. ولأتبرأ من «شرك» أمي وعبادتها للأولياء وللنخلة.. أردت أن أكون «إسلاميا» لأثبت لوالدي أني «رجل» هام، وأنه أخطأ بتفضيله أخي «محمد» علينا..
استغثت بـ«الجماعة» لأنتقم من «المخزن».. لكني عشت وهما كبيرا وحلما لن يتحقق أبدا في ظل اجتهاد بشري يمكن أن يكون زائغا.. اكتشفت بعد سنوات أني كنت على «ضلال» عندما «كنت إسلاميا»..
قدري أن أدفع الثمن في كل مرة لأتعلم معنى من معاني الحياة.. ولأعرف الله… لكي تتعلم ـ أيها الإنسان ـ عليك دفع الثمن.. قد يكون باهظا لكن لا يساوي شيئا أمام معرفتك الحقيقة.. إن الوجود ينفعل بالجود.. كانت الوالدة رحمها الله تقول: (قْلِيلْ العَرْفْ شْقَاهْ شَلَّا).. أي من كان علمه قليلا تعب في الحياة كثيرا..
خرج والدي من السجن بعد أن قضى فيه ستة أشهر .. كان يوما مشهودا، زارنا فيه كل أفراد قبيلتنا، بل أيضا جمع غفير من دواوير أخرى مجاورة، كأنه عرس كبير من أعراسنا.. أذكر أن الناس كانوا يأتون لنا بسُكَّرٍ كثير، حتى أننا لم نجد مكانا نضع فيه هذه «القوالب» المشتتة في كل مكان.. كان الجو ربيعيا بامتياز.. رتبت والدتي مكانا يستقبل فيه والدي الزائرين، تحت شجرة إزاء بيتنا، فكان الفراش بعض العشب الذي نبت حولها..
زار «الصوفيون» بدورهم والدي.. ذكروا الله كثيرا تحت الشجرة.. مدحوا الرسول (ص)، لكنهم لم يقوموا بـ «الحضرة» كما عهدناهم في كل موسم حصاد.. خففوا عن أبي بعضا من معاناته التي لقيها أيام الحبس.. الغريب في هذا اليوم أن صاحب اللحية البيضاء لم يتحدث عن كراماته ولا عن معجزات شيخه.. بدت عليه علامات الحزن والتأثر لما وقع لأبي من ظلم.. لم أسمع يوما أن الرجل الضخم انتقد «الدرك الملكي» أو «الشيخ» أو «الوزير» أو «القاضي»…
علمت حينها أن «الصوفية» حلفاء «المخزن».. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينتفضوا ضده، ولا أن ينصروا مظلوما، ولو كان من «فقراء ومريدي الطريقة».. كل ما كان في جعبتهم هو مواساة والدي، وحثه على الصبر والاحتساب وانتظار الأجر من الله.. فهم لسذاجتهم يظنون أن «رجال المخزن» من الصوفية.. وأن هذا الأخير قدر من أقدار الله.. وسيف من سيوفه يسلطه على رقاب من يشاء.. يعتقدون أن «السلاطين» هم أيضا من أنصار «التصوف» وأشياعه..
أكل «الصوفية» هذا اليوم «الكسكس» فقط.. و«الرغيف» غير المدهون بالزبدة.. ثم شربوا ما شاؤوا من الشاي.. هذا كل ما استطاعوا أن يقدموه لوالدي في محنته!!!
حضر معهم «دحمان» المنافق.. تلا مع بعض «الفقهاء» آيات من الذكر الحكيم.. يقرؤون.. ثم يقرؤون.. وفي كل استراحة يأكلون ويشربون ويضحكون.. ختموا زيارتهم بدعاء عريض لوالدي.. حسب اعتقادي، فإن أدعيتهم كلها لم تنفعه في هذه الحياة.. وأظهرت له الأيام ـ في ما بعد ـ أن الجميع تنكروا له لمَّا باع أرضه وهاجر إلى المدينة، ولم يعد هناك مال ولا قمح ولا شعير ولا زبدة ولا عسل حر ولا شاي أخضر (من فئة خمس نجوم).. فإذا حصل أن انقلب حال الإنسان.. والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.. فلا تنتظر أن يطرق بابك طارق، ولا أن يسأل عنك سائل، ولا أن يهتم لأمرك قريب، ولا أن يعودك أحد إذا مرضت، ولا أن يواسيك صديق.. هكذا علمتنا الحياة.. إلا من رحم الله.. وقليل ما هم..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *